هل تنجح حكومة العبادي فيمنع انهيار كامل للدولة في العراق؟
رام الله - دنيا الوطن
شكَّلت الأوضاع الناشئة عن سقوط الموصل، بيد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، المعروف إعلاميًّا باسم "داعش"، يوم 9 حزيران/ يونيو الماضي، العاملَ الحاسمفي قيام حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي، كما ظهر ذلك في بنيتها، وتركيبتها، وأسماء قياداتها، والأطراف السياسية الفاعلة فيها، وتوجهاتها على غرار ما جاء في برنامجها.
ويبدوأنه لولا سقوط الموصل وما أعقبه من تداعيات لكان مرجحًا أن يتمكن رئيس الوزراء السَّابق، نوري المالكي، من البقاء في منصبه لولاية ثالثة، على الرغم من درجة الممانعة والرفض من الأطراف الداخلية والإقليمية والدولية.فبسبب سياسة "العصا والجزرة" التي اتبعها مع خصومه ومناصريه، فضلًا عنتعبئة الجمهور – وخصوصًا الشيعي - في خطاب طائفي مغلق، تمكَّن المالكيمنجعْل توازنات القوى والمصالح تتقاطع حول شخصه. ولذلك، يبدو صحيحًا أنّ سقوط الموصل هو الذي سرّع خروجه، وهناك إقرار واسع، داخليًّا وخارجيًّا، بأنّالسياسات الإقصائية التي اتبعها خلال أعوام حكمه الثمانية (2006 - 2014)، ولا سيما في ولايته الثانية، هي التي أوصلت العراق إلى هذه الحال. وقد عبَّر الرئيس الأميركي، باراك أوباما، عن ذلك بوضوح في الأيام الأولى التي تلَت سقوط الموصل، حين قال: لقد خلقت الخلافات الطائفية في العراق وضعا هشًّا. "وفي غياب الجهود السياسية، فإن أي تحركات عسكرية لن تنجح، ولن يكون هناك أيُّ تأثير لأيِّ دعم، من دون تحقيق استقرار داخلي في العراق"[1].
كان هذا الكلام يعني أنّخروجالمالكيشرطٌ لازم لمواجهة خطر داعش، وأنّ هذا الخروجيجب أن يليَهتشكيل حكومة توافقٍ وطنيٍّ، وانتهاج سياسات تعالج المظالم تجاه السنَّة، وتعمل على دمجهمفي مؤسسة الحكم أكثر فأكثر.وإنّ هذا الإصلاح السياسي لا بدَّ أن يسبق مواجهة داعش عسكريًّا؛وذلك لتفكيك الحواضن التي تنشط داخلها، وإعادة بناء ثقة المواطنين العرب السنَّة بالمؤسسات السياسية العامَّة.
خريطةطريق لمنعالانهيار
ستكون المهمّةالأساسيةلحكومة العبادي،بناءً على ذلك،أبعد مدًى، وأوسع من مواجهةحزمة المشكلات البنيوية المعقَّدةوالمتراكمة التي تعانيها الدولة العراقية ما بعد عام 2003،من فشل في الوفاء بالخدمات الأساسية، وفساد، وتغوّل السلطة التنفيذية، واقتصاد ريعي يكرِّس تبعية المجتمع للدولة، وانغلاق المسار الديمقراطي، مع تعثُّر المؤسسات السياسية وارتباك العلاقة بينها، وترهُّل القطاع العامّ، وتأخُّر إقرار الإطار التشريعي المكمل لبنية الدولة الضامن لطبيعة العلاقة بين المؤسسات السياسية ولحقوق المواطنة الأساسية. إنّالمهمة الأساسية والخاصة بالنسبة إلى هذه الحكومة هي صيانة الوحدة الوطنية العراقية.وقد شكَّل سقوط الموصل دلالةً رمزيةً كبرى على انهيار الدولة وتفكُّك البلاد التي افتقرت على الدوام إلى سياسات جامعة تؤمن بأنّ النظام السياسي ينبغي أن يؤمِّن للجميع مشاركةً مرنةً وفاعلةً، بدلًا من التنافسالتناحريالذياتخذطابعًاهويَّاتيًّايشكِّلخطرًاوجوديًّاعلىالدولة.
وبالتحديد، سيكون أمام حكومة العبادي مهمتان رئيستانمتداخلتان. فهل يمكنلهذه الحكومةأنتتصدىلهما؟
المهمةالأولى: إطلاق مسار إصلاح جذريٍّ طويل المدى لمعالجة أزمات النظام السياسي الذي نشأ بعد الغزو الأميركي عام 2003،وأوصلت هذا النظام إلى حافة الانهيار؛ لأنه قائم على تمثيل الهويات المكوِّنة للبلاد وتحاصصهافيالسلطة، وليسنظامَ"دولة – أمة" يؤمِّن بشراكة متكافئة للمكونات العراقية في مؤسسات السلطة. وقد أطلقت هذهالاختلالات في النظام السياسي العنان للقوى المتطرفة داخل كلّ مكوِّن، ومكَّنتها من احتلال مساحات واسعة تتحرك فيها على خطوط الانقسام المجتمعي والسياسي.
لقد تضمَّن البرنامج الحكومي الذي أعلنه العبادي أمام مجلس النواب يوم نيْل حكومته الثقة في الثامن من أيلول/ سبتمبر 2014، وقبله "وثيقة الاتفاق السياسي" بين القوى الرئيسة، مفاصلَ أساسيةً في هذا المسار الإصلاحي. لكنّ التشكيلة الحكومية التي أُعلنت لا تستطيع أن تفيَ بمتطلبات هذا الإصلاح السياسي، ولا سيماأنها استندت إلى الأطراف نفسها التي سيطرت على المشهد السياسي في الأعوام الأحد عشر التيتلَت سقوط نظام صدام حسين، الشيعية منها والسنِّية. وتعيش هذهالأطرافالسنِّية،على وجه الخصوص، أزمةً عميقةً في علاقتها بمجتمعها.
ولكنّالإصلاح لا يقف عند حدود التشكيلة الحكومية أو معالجة أزمة التمثيل السنِّي، من خلال إعادة تعريف النخبة السنِّية القائمةوتأهيلها، أو إطلاق مرحلة انتقالية لصناعة نخبة سنِّية بديلة، بل إنه يشمل كذلك إعادة هيكلة النظام السياسي، من خلال إعادة صَوْغ العلاقة بين مكوناته المجتمعية، ومؤسساته السياسية وسلطاته، والمركز من جهة، والإقليم والمحافظات من جهة أخرى، وتحديد صيغ الشراكة في إدارة المؤسسات الأمنية والعسكرية الرسمية، وإدارة الثروة.
المهمةالثانيةأمامحكومة العبادي هيالمساهمة،منخلالسلوكها وسياساتها، في مواجهة داعش.ويشكِّل المسار الإصلاحي المشارإليهآنفًا،العتبةَالأساسيةَ في هذه المواجهة؛لِما له من دور في تفكيك الحواضن التي آمنت فيلحظة ما بأنّ داعش هي الأداة الوحيدة الممكنة للتخلص من تسلط الحكومة المركزية. لقدنمَت داعش في فضاء النقمة المتصاعدة من أزمة تشكيل حكومة المالكي الثانية عام 2010. ولذلك، يكون العنصر الأكثر جوهريةً وضروريةً في مواجهة داعش هو معالجة هذه النقمة وامتصاصها؛لسلْبها قدرتها على الحياة.
لقد سيطرت هذه الرؤية على سائر الترتيبات الدولية، ولا سيما الأميركية التيأعدَّتلمواجهة داعش. بل جرى ربط الجداول الزمنية الخاصة بمواجهة داعش (مثلإعلان الرئيس أوباما عن خطتهلمواجهتها، ثمّ مؤتمر باريس لدعم العراق) بالإعلان عن تشكيل الحكومة العراقية. وقد مارس الأميركيون ضغوطًا كبيرةً للإسراع في إعلان تشكيلة الحكومة وعرْضها على مجلس النواب لتنال الثقة، قبلأن يشرعوا في أيّ خطوةٍ لضربداعش.
وفي الإطار نفسه جاء الإعلان عن تشكيلقوات الحرس الوطني، وهي قوات مسلحة عراقية جرى إقرار إنشائها في البرنامج الوزاريلحكومة العبادي. وقدنمَت الفكرة بعد سقوط الموصل،بهدفالانتقال من الأمن الوطني إلى الأمن المحلي؛ أي أنْ يقتصر دور الجيش على حماية الحدود، في حين يتولى الحرس الوطني حماية المحافظة التي هو فيها. ويتألف الحرس الوطني من مقاتلين من أبناء المحافظة، وتُشرف عليه الحكومة المحلية، غير أنه جزء من المؤسسة الأمنية الرسمية، أي إنّه ليس ميليشيا، على غرار قوات الصحوة التي أنشأها الأميركيونعام 2007. ومع ذلك، سوف يناط بالحرس الوطني الجزء الأخير من خطة مواجهة داعش، وهو الجزء الخاص باسترداد الأراضي التي يسيطر عليها داعش، والتمسكبها. وهذا يعني أنّ هذه القوات ستخضع، مرحليًّا وانتقاليًّا، إلى دعمٍ وتأهيلٍ (وربما إلى إشرافٍ) أميركي، بما أنّ الأميركيين أعلنوا مرارًا أنهم لن ينشروا قوات بريةً.
متغيراتتحكُمسلوكحكومةالعبادي
منالواضح،إذن،أنّحكومة العبادي ستعمل في سياق مغاير كليًّا للسياق الذي عملت فيه حكومتَا المالكي السابقتان؛إذسيعملالفاعلون السياسيون علىالقيامبأداء مغايرلماكانوايقومونبهطوالالفترةالماضية. وثمَّةأربعةمتغيرات رئيسة ومتداخلة، ستحكم عمل حكومة العباديوتحدِّده،هي:
· تمدُّد داعش: شكَّلت داعش التحدي الأكبرللنظام السياسي القائم فيبغداد،بعد سيطرتها على نحو ثلث مساحة البلاد، وقدشكّل هذا المتغير العامل الرئيس في تحديد بنية الحكومة وأهدافها والتنظيمات الرئيسة فيها وقادتها.
· تغيُّر الإستراتيجية الأميركية تجاه العراق: امتنع الرئيس أوبامامنذ وصولهإلىالحكم، مطلع عام 2009، عن أيِّ تدخل عسكري خارجي، ماعدا التدخل في ليبيا عام 2011،عِلمّاً أن هذا التدخُّل جاء بموجب قرار من مجلس الأمن الدولي من أجل حماية المدنيين،وقد جرى منخلالالناتو، وتبنَّت معه واشنطنما يُسمىأسلوبالقيادةمنالخلف (leading from behind). وعلى الرّغم من أنّ التحولات الجارية في المنطقةفي إطار ثوراتالربيع العربي وضعت الولايات المتحدة الأميركية أمام تحديات كبيرة، ولا سيما بالنسبة إلى الوضع في سورية التي شهدت مقتلَمئاتالآلاف من المدنيين واستعمالَأسلحة كيماوية في آب/ أغسطس 2013، وخصوصًا أنّ أوباما نفسه كانقدعدَّ استعمال هذه الأسلحة "خطًّاأحمر"، فإنه امتنع عن التدخل العسكري. وقد تلقىأوباما بسبب ذلك انتقادات واسعةً داخل الولايات المتحدة رأت في سياساتهتجاهأحداث الشرق الأوسطوتمدّد روسيا في أوكرانيا،عاملًاساهم في إضعافأميركا وتجرُّؤخصومهاعليها.
ولذلك، شكَّلالقصف الجوي الأميركي على مواقع داعش، يوم 8 آب/ أغسطس، بعد هجومِها على جبل سنجار، وسيطرتها على مناطق واسعة من سهل نينوى - وهي مناطق ذات كثافة مسيحية عالية - وتهجيرِها الأيزيديين، واقترابِها من مدينة أربيل، تحوّلًا فيإستراتيجيةأوباماالخارجيةالتي جاءت في جزء كبير منها استجابةًلمتطلّبات داخلية. لقد أسقطصعودداعش وانهيار الجيش العراقي أمامها مبدأ أوباما القائم علىالاعتمادعلىوكلاءمحليينلمواجهةالتهديداتبدلًا من التدخل العسكري المباشر، وبداأوبامابلاحججمقنعةبعدأنجرىاتهامه بالتسرع في الانسحاب من العراق والاعتمادعلىشركاءمحليين لا يمكنالاعتمادعليهم،فضلًا عن سكوته الطويل على السياسات الطائفية والإقصائية والانتقامية التي انتهجها رئيس الوزراء السَّابق نوري المالكي تجاهالعربالسنَّة.
لم يُجبرصعودداعش أميركا على إعادة تعريفمصادر الخطر التي تهدّد الأمن القومي الأميركي فحسب، بل على اتخاذ إجراءات عسكرية لمحاربتها أيضًا؛وهي الإجراءات نفسُهاالتي كان أوباما يحاجُّ بأنها كانت سببًاللأزمات التي تسبَّبتفيهاإدارة سلفهجورج دبليوبوش.
ويشكِّل العراق الساحة الأساسية لتطبيق الإستراتيجية الأميركية الجديدة.وليس ذلك لأنه مسرح داعش الرئيس، بل لأنّالولاياتالمتحدةتتصرف وفقًا لـ "شعور" متمثِّل بمسؤولية تاريخيةترتبعليهافعلُ شيء ما،بالنظر إلى أنها هي من أوصل العراقإلىهذهالحالةمنالدماروالفوضى، بعد أن أقدمت على احتلالهوتغيير نظامه السياسي عام 2003.
· التقرب العربي، الخليجي خاصةً، من العراق: لقد أدَّى تمدد داعش إلى بناء مقاربة عربية مختلفة تجاهالعراقومسألة الدور المركزي للشيعة في حُكمه. وبوجه عامٍّ، ثمَّة شعور عربي بأنّفشل الدولة العراقيةوتمدُّد داعش لن يقفَا عند حدود العراق، بل يمثّلان تهديدًا للجميع. وقد بدأت السعودية، خلال الفترةالأخيرةحزمةً من الإجراءات لمواجهة هذا التمدُّد. وهي تشمل مراقبةالفتاوىالداعمة للسلفية التكفيريةوضبطها، ومراقبة تدفق العناصر الجهادية إلى العراق وسورية، ومراقبة مصادر التمويل غير الرسمية لداعش.غير أنّ الأكثر أهميةً في هذه الإجراءات، وهو ما يشكِّل روح المقاربة السعودية الجديدة للعراق، هو دعم مؤسسة الحكم العراقية، لاستعادة قوتها وسعتها التمثيلية، بوصفها العتبة الأولى لمواجهة داعش،بخاصةبعدخروجالمالكيالذيشكَّلوجودهأحد أهمّ أسبابالتوترالسعودي - العراقيخلالالفترةالماضية.
· تحوُّل الجبهة الشيعية المعارضة للمالكي إلى المكونالأساسيفي حكومة العبادي: تشعرهذه الجبهة بأنَّ ما اصطُلح علىتسميته "تجربة الحكم الشيعي" قدوصلت إلى أزمة، لا بدّ من معالجتها. وقد عبَّرت الأطراف السياسية الرئيسة في هذه الجبهة، ولا سيما المجلس الأعلى والتيار الصدري، خلال الأعوام الماضية، عن مواقف رافضة للصيغة الاحتكارية التي تبناها المالكي، كمادعت إلى إصلاح مؤسسة الحكم وانفتاحها على سائر المكونات العراقية.
وفي كلّ الأحوال، تفتح هذه العوامل أفقًا جديًّاأمام حكومة العباديلإنقاذ العراق من شبح الانهيار، أوالتقسيم، أو الحرب الأهلية. ويُعَدُّ استغلال هذه الأوضاع امتحانًالتوافر النيَّات بخصوص تجاوزالحكمالطائفي،ولا سيما أنّ الأوضاع مواتية لذلك. وهو خصوصاً امتحانللقوىالمذهبيةالسياسيةالشيعيةذاتالعلاقاتبإيرانالتيتسيطرحاليًّاعلىالمشهد.ولاشك في أنّمحاولة تجاوز ذلك الحكم الطائفي (إنْتوافرت النيّات الصادقة) سوفتواجهمقاومةالمتطرفين. وهذاالأمر يشمل إلى جانبداعشالمليشيات والقوىالسياسيةالشيعيةالمتطرفةبدْءًا بالمالكي (الذي ينتمي إلى تيار العبادي نفسِه)وزبانيته،وصولًا إلى عصائبأهلالحق، ومنظمة بدر، وغيرهما.
شكَّلت الأوضاع الناشئة عن سقوط الموصل، بيد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، المعروف إعلاميًّا باسم "داعش"، يوم 9 حزيران/ يونيو الماضي، العاملَ الحاسمفي قيام حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي، كما ظهر ذلك في بنيتها، وتركيبتها، وأسماء قياداتها، والأطراف السياسية الفاعلة فيها، وتوجهاتها على غرار ما جاء في برنامجها.
ويبدوأنه لولا سقوط الموصل وما أعقبه من تداعيات لكان مرجحًا أن يتمكن رئيس الوزراء السَّابق، نوري المالكي، من البقاء في منصبه لولاية ثالثة، على الرغم من درجة الممانعة والرفض من الأطراف الداخلية والإقليمية والدولية.فبسبب سياسة "العصا والجزرة" التي اتبعها مع خصومه ومناصريه، فضلًا عنتعبئة الجمهور – وخصوصًا الشيعي - في خطاب طائفي مغلق، تمكَّن المالكيمنجعْل توازنات القوى والمصالح تتقاطع حول شخصه. ولذلك، يبدو صحيحًا أنّ سقوط الموصل هو الذي سرّع خروجه، وهناك إقرار واسع، داخليًّا وخارجيًّا، بأنّالسياسات الإقصائية التي اتبعها خلال أعوام حكمه الثمانية (2006 - 2014)، ولا سيما في ولايته الثانية، هي التي أوصلت العراق إلى هذه الحال. وقد عبَّر الرئيس الأميركي، باراك أوباما، عن ذلك بوضوح في الأيام الأولى التي تلَت سقوط الموصل، حين قال: لقد خلقت الخلافات الطائفية في العراق وضعا هشًّا. "وفي غياب الجهود السياسية، فإن أي تحركات عسكرية لن تنجح، ولن يكون هناك أيُّ تأثير لأيِّ دعم، من دون تحقيق استقرار داخلي في العراق"[1].
كان هذا الكلام يعني أنّخروجالمالكيشرطٌ لازم لمواجهة خطر داعش، وأنّ هذا الخروجيجب أن يليَهتشكيل حكومة توافقٍ وطنيٍّ، وانتهاج سياسات تعالج المظالم تجاه السنَّة، وتعمل على دمجهمفي مؤسسة الحكم أكثر فأكثر.وإنّ هذا الإصلاح السياسي لا بدَّ أن يسبق مواجهة داعش عسكريًّا؛وذلك لتفكيك الحواضن التي تنشط داخلها، وإعادة بناء ثقة المواطنين العرب السنَّة بالمؤسسات السياسية العامَّة.
خريطةطريق لمنعالانهيار
ستكون المهمّةالأساسيةلحكومة العبادي،بناءً على ذلك،أبعد مدًى، وأوسع من مواجهةحزمة المشكلات البنيوية المعقَّدةوالمتراكمة التي تعانيها الدولة العراقية ما بعد عام 2003،من فشل في الوفاء بالخدمات الأساسية، وفساد، وتغوّل السلطة التنفيذية، واقتصاد ريعي يكرِّس تبعية المجتمع للدولة، وانغلاق المسار الديمقراطي، مع تعثُّر المؤسسات السياسية وارتباك العلاقة بينها، وترهُّل القطاع العامّ، وتأخُّر إقرار الإطار التشريعي المكمل لبنية الدولة الضامن لطبيعة العلاقة بين المؤسسات السياسية ولحقوق المواطنة الأساسية. إنّالمهمة الأساسية والخاصة بالنسبة إلى هذه الحكومة هي صيانة الوحدة الوطنية العراقية.وقد شكَّل سقوط الموصل دلالةً رمزيةً كبرى على انهيار الدولة وتفكُّك البلاد التي افتقرت على الدوام إلى سياسات جامعة تؤمن بأنّ النظام السياسي ينبغي أن يؤمِّن للجميع مشاركةً مرنةً وفاعلةً، بدلًا من التنافسالتناحريالذياتخذطابعًاهويَّاتيًّايشكِّلخطرًاوجوديًّاعلىالدولة.
وبالتحديد، سيكون أمام حكومة العبادي مهمتان رئيستانمتداخلتان. فهل يمكنلهذه الحكومةأنتتصدىلهما؟
المهمةالأولى: إطلاق مسار إصلاح جذريٍّ طويل المدى لمعالجة أزمات النظام السياسي الذي نشأ بعد الغزو الأميركي عام 2003،وأوصلت هذا النظام إلى حافة الانهيار؛ لأنه قائم على تمثيل الهويات المكوِّنة للبلاد وتحاصصهافيالسلطة، وليسنظامَ"دولة – أمة" يؤمِّن بشراكة متكافئة للمكونات العراقية في مؤسسات السلطة. وقد أطلقت هذهالاختلالات في النظام السياسي العنان للقوى المتطرفة داخل كلّ مكوِّن، ومكَّنتها من احتلال مساحات واسعة تتحرك فيها على خطوط الانقسام المجتمعي والسياسي.
لقد تضمَّن البرنامج الحكومي الذي أعلنه العبادي أمام مجلس النواب يوم نيْل حكومته الثقة في الثامن من أيلول/ سبتمبر 2014، وقبله "وثيقة الاتفاق السياسي" بين القوى الرئيسة، مفاصلَ أساسيةً في هذا المسار الإصلاحي. لكنّ التشكيلة الحكومية التي أُعلنت لا تستطيع أن تفيَ بمتطلبات هذا الإصلاح السياسي، ولا سيماأنها استندت إلى الأطراف نفسها التي سيطرت على المشهد السياسي في الأعوام الأحد عشر التيتلَت سقوط نظام صدام حسين، الشيعية منها والسنِّية. وتعيش هذهالأطرافالسنِّية،على وجه الخصوص، أزمةً عميقةً في علاقتها بمجتمعها.
ولكنّالإصلاح لا يقف عند حدود التشكيلة الحكومية أو معالجة أزمة التمثيل السنِّي، من خلال إعادة تعريف النخبة السنِّية القائمةوتأهيلها، أو إطلاق مرحلة انتقالية لصناعة نخبة سنِّية بديلة، بل إنه يشمل كذلك إعادة هيكلة النظام السياسي، من خلال إعادة صَوْغ العلاقة بين مكوناته المجتمعية، ومؤسساته السياسية وسلطاته، والمركز من جهة، والإقليم والمحافظات من جهة أخرى، وتحديد صيغ الشراكة في إدارة المؤسسات الأمنية والعسكرية الرسمية، وإدارة الثروة.
المهمةالثانيةأمامحكومة العبادي هيالمساهمة،منخلالسلوكها وسياساتها، في مواجهة داعش.ويشكِّل المسار الإصلاحي المشارإليهآنفًا،العتبةَالأساسيةَ في هذه المواجهة؛لِما له من دور في تفكيك الحواضن التي آمنت فيلحظة ما بأنّ داعش هي الأداة الوحيدة الممكنة للتخلص من تسلط الحكومة المركزية. لقدنمَت داعش في فضاء النقمة المتصاعدة من أزمة تشكيل حكومة المالكي الثانية عام 2010. ولذلك، يكون العنصر الأكثر جوهريةً وضروريةً في مواجهة داعش هو معالجة هذه النقمة وامتصاصها؛لسلْبها قدرتها على الحياة.
لقد سيطرت هذه الرؤية على سائر الترتيبات الدولية، ولا سيما الأميركية التيأعدَّتلمواجهة داعش. بل جرى ربط الجداول الزمنية الخاصة بمواجهة داعش (مثلإعلان الرئيس أوباما عن خطتهلمواجهتها، ثمّ مؤتمر باريس لدعم العراق) بالإعلان عن تشكيل الحكومة العراقية. وقد مارس الأميركيون ضغوطًا كبيرةً للإسراع في إعلان تشكيلة الحكومة وعرْضها على مجلس النواب لتنال الثقة، قبلأن يشرعوا في أيّ خطوةٍ لضربداعش.
وفي الإطار نفسه جاء الإعلان عن تشكيلقوات الحرس الوطني، وهي قوات مسلحة عراقية جرى إقرار إنشائها في البرنامج الوزاريلحكومة العبادي. وقدنمَت الفكرة بعد سقوط الموصل،بهدفالانتقال من الأمن الوطني إلى الأمن المحلي؛ أي أنْ يقتصر دور الجيش على حماية الحدود، في حين يتولى الحرس الوطني حماية المحافظة التي هو فيها. ويتألف الحرس الوطني من مقاتلين من أبناء المحافظة، وتُشرف عليه الحكومة المحلية، غير أنه جزء من المؤسسة الأمنية الرسمية، أي إنّه ليس ميليشيا، على غرار قوات الصحوة التي أنشأها الأميركيونعام 2007. ومع ذلك، سوف يناط بالحرس الوطني الجزء الأخير من خطة مواجهة داعش، وهو الجزء الخاص باسترداد الأراضي التي يسيطر عليها داعش، والتمسكبها. وهذا يعني أنّ هذه القوات ستخضع، مرحليًّا وانتقاليًّا، إلى دعمٍ وتأهيلٍ (وربما إلى إشرافٍ) أميركي، بما أنّ الأميركيين أعلنوا مرارًا أنهم لن ينشروا قوات بريةً.
متغيراتتحكُمسلوكحكومةالعبادي
منالواضح،إذن،أنّحكومة العبادي ستعمل في سياق مغاير كليًّا للسياق الذي عملت فيه حكومتَا المالكي السابقتان؛إذسيعملالفاعلون السياسيون علىالقيامبأداء مغايرلماكانوايقومونبهطوالالفترةالماضية. وثمَّةأربعةمتغيرات رئيسة ومتداخلة، ستحكم عمل حكومة العباديوتحدِّده،هي:
· تمدُّد داعش: شكَّلت داعش التحدي الأكبرللنظام السياسي القائم فيبغداد،بعد سيطرتها على نحو ثلث مساحة البلاد، وقدشكّل هذا المتغير العامل الرئيس في تحديد بنية الحكومة وأهدافها والتنظيمات الرئيسة فيها وقادتها.
· تغيُّر الإستراتيجية الأميركية تجاه العراق: امتنع الرئيس أوبامامنذ وصولهإلىالحكم، مطلع عام 2009، عن أيِّ تدخل عسكري خارجي، ماعدا التدخل في ليبيا عام 2011،عِلمّاً أن هذا التدخُّل جاء بموجب قرار من مجلس الأمن الدولي من أجل حماية المدنيين،وقد جرى منخلالالناتو، وتبنَّت معه واشنطنما يُسمىأسلوبالقيادةمنالخلف (leading from behind). وعلى الرّغم من أنّ التحولات الجارية في المنطقةفي إطار ثوراتالربيع العربي وضعت الولايات المتحدة الأميركية أمام تحديات كبيرة، ولا سيما بالنسبة إلى الوضع في سورية التي شهدت مقتلَمئاتالآلاف من المدنيين واستعمالَأسلحة كيماوية في آب/ أغسطس 2013، وخصوصًا أنّ أوباما نفسه كانقدعدَّ استعمال هذه الأسلحة "خطًّاأحمر"، فإنه امتنع عن التدخل العسكري. وقد تلقىأوباما بسبب ذلك انتقادات واسعةً داخل الولايات المتحدة رأت في سياساتهتجاهأحداث الشرق الأوسطوتمدّد روسيا في أوكرانيا،عاملًاساهم في إضعافأميركا وتجرُّؤخصومهاعليها.
ولذلك، شكَّلالقصف الجوي الأميركي على مواقع داعش، يوم 8 آب/ أغسطس، بعد هجومِها على جبل سنجار، وسيطرتها على مناطق واسعة من سهل نينوى - وهي مناطق ذات كثافة مسيحية عالية - وتهجيرِها الأيزيديين، واقترابِها من مدينة أربيل، تحوّلًا فيإستراتيجيةأوباماالخارجيةالتي جاءت في جزء كبير منها استجابةًلمتطلّبات داخلية. لقد أسقطصعودداعش وانهيار الجيش العراقي أمامها مبدأ أوباما القائم علىالاعتمادعلىوكلاءمحليينلمواجهةالتهديداتبدلًا من التدخل العسكري المباشر، وبداأوبامابلاحججمقنعةبعدأنجرىاتهامه بالتسرع في الانسحاب من العراق والاعتمادعلىشركاءمحليين لا يمكنالاعتمادعليهم،فضلًا عن سكوته الطويل على السياسات الطائفية والإقصائية والانتقامية التي انتهجها رئيس الوزراء السَّابق نوري المالكي تجاهالعربالسنَّة.
لم يُجبرصعودداعش أميركا على إعادة تعريفمصادر الخطر التي تهدّد الأمن القومي الأميركي فحسب، بل على اتخاذ إجراءات عسكرية لمحاربتها أيضًا؛وهي الإجراءات نفسُهاالتي كان أوباما يحاجُّ بأنها كانت سببًاللأزمات التي تسبَّبتفيهاإدارة سلفهجورج دبليوبوش.
ويشكِّل العراق الساحة الأساسية لتطبيق الإستراتيجية الأميركية الجديدة.وليس ذلك لأنه مسرح داعش الرئيس، بل لأنّالولاياتالمتحدةتتصرف وفقًا لـ "شعور" متمثِّل بمسؤولية تاريخيةترتبعليهافعلُ شيء ما،بالنظر إلى أنها هي من أوصل العراقإلىهذهالحالةمنالدماروالفوضى، بعد أن أقدمت على احتلالهوتغيير نظامه السياسي عام 2003.
· التقرب العربي، الخليجي خاصةً، من العراق: لقد أدَّى تمدد داعش إلى بناء مقاربة عربية مختلفة تجاهالعراقومسألة الدور المركزي للشيعة في حُكمه. وبوجه عامٍّ، ثمَّة شعور عربي بأنّفشل الدولة العراقيةوتمدُّد داعش لن يقفَا عند حدود العراق، بل يمثّلان تهديدًا للجميع. وقد بدأت السعودية، خلال الفترةالأخيرةحزمةً من الإجراءات لمواجهة هذا التمدُّد. وهي تشمل مراقبةالفتاوىالداعمة للسلفية التكفيريةوضبطها، ومراقبة تدفق العناصر الجهادية إلى العراق وسورية، ومراقبة مصادر التمويل غير الرسمية لداعش.غير أنّ الأكثر أهميةً في هذه الإجراءات، وهو ما يشكِّل روح المقاربة السعودية الجديدة للعراق، هو دعم مؤسسة الحكم العراقية، لاستعادة قوتها وسعتها التمثيلية، بوصفها العتبة الأولى لمواجهة داعش،بخاصةبعدخروجالمالكيالذيشكَّلوجودهأحد أهمّ أسبابالتوترالسعودي - العراقيخلالالفترةالماضية.
· تحوُّل الجبهة الشيعية المعارضة للمالكي إلى المكونالأساسيفي حكومة العبادي: تشعرهذه الجبهة بأنَّ ما اصطُلح علىتسميته "تجربة الحكم الشيعي" قدوصلت إلى أزمة، لا بدّ من معالجتها. وقد عبَّرت الأطراف السياسية الرئيسة في هذه الجبهة، ولا سيما المجلس الأعلى والتيار الصدري، خلال الأعوام الماضية، عن مواقف رافضة للصيغة الاحتكارية التي تبناها المالكي، كمادعت إلى إصلاح مؤسسة الحكم وانفتاحها على سائر المكونات العراقية.
وفي كلّ الأحوال، تفتح هذه العوامل أفقًا جديًّاأمام حكومة العباديلإنقاذ العراق من شبح الانهيار، أوالتقسيم، أو الحرب الأهلية. ويُعَدُّ استغلال هذه الأوضاع امتحانًالتوافر النيَّات بخصوص تجاوزالحكمالطائفي،ولا سيما أنّ الأوضاع مواتية لذلك. وهو خصوصاً امتحانللقوىالمذهبيةالسياسيةالشيعيةذاتالعلاقاتبإيرانالتيتسيطرحاليًّاعلىالمشهد.ولاشك في أنّمحاولة تجاوز ذلك الحكم الطائفي (إنْتوافرت النيّات الصادقة) سوفتواجهمقاومةالمتطرفين. وهذاالأمر يشمل إلى جانبداعشالمليشيات والقوىالسياسيةالشيعيةالمتطرفةبدْءًا بالمالكي (الذي ينتمي إلى تيار العبادي نفسِه)وزبانيته،وصولًا إلى عصائبأهلالحق، ومنظمة بدر، وغيرهما.

التعليقات