إغلاق مراكز "التشيع" في السودان..لماذا تأخر عن وقته؟!

رام الله - دنيا الوطن- أسامة عبد الرحيم
السودان هو البلد العربي الوحيد الذي شهد مظاهرات شعبية ضخمة وعفوية احتفالا بانتصار الثورة الإيرانية على نظام الشاه الطاووس، ولم يكن كون أن الثورة تلك أسفرت عن قيام حكومة "شيعية" يقلل في فرحة أهل السودان بزوال الحكم الشاهنشاه، لأن السودانيين كانوا لا يتحسسون تجاه الشيعة، بل لم يكونوا يتحسسون تجاه مواطنيهم المسيحيين واللادينيين، وحتى اليهود.

 يذكر أنه كان بالسودان جالية يهودية تقلصت بعد حرب 1967 بعد تنامي موجة العداء تجاه إسرائيل، فهاجر معظم أفرادها طوعا، أي دون أن يتعرضوا لأي مضايقات رسمية أو شعبية، بل إن نحو 90% من المسلمين السودانيين لا يعرفون ما إذا كانوا مالكيين أو شافعيين أو أحناف أو حنابلة، وبالجملة فإن المواطن السوداني غير معني بتفاصيل تقسيم المسلمين حسب المذاهب والطوائف.

قرار الحكومة السودانية بإغلاق المراكز الثقافية الإيرانية أصبح قضية الساعة في السودان وإيران على حد سواء، الخرطوم تصفه بالقرار المتأخر وطهران تصفه بالمتعجل، والسؤال الجوهري: ولماذا أصلا تمت الموافقة قبل سنوات طويلة على إقامة تلك المراكز؟

 

من داخل الصف الشيعي، يعلق العلامة السيد (محمد علي الحسيني) الأمين العام للمجلس الإسلامي العربي في لبنان على القرار بقوله :"السياسية المتميزة التي أقدمت عليها الحكومة السودانية بإغلاق المراکز الثقافية التابعة لنظام ولاية الفقيه في جميع أنحاء السودان، هي خطوة إيجابية هدفها الأساسي هو حماية الأمن القومي السوداني من التهديد الجدي المحدق بها من قبل ذلك النظام، خصوصا بعدما أثبتت الأحداث و التطورات ان هذا النظام يلعب دورا بالغ الخطورة من حيث زعزعة الأمن الاجتماعي للأقطار العربية و العبث بها".

 

والشاهد – كما يقول الكاتب السوداني جعفر عباس- هو أنه لا توجد مجرد خميرة ثقافية مشتركة بين السودانيين والإيرانيين، تبرر قيام مركز ثقافي إيراني في أي بقعة في السودان ،والرابطة الإسلامية ليست ثقافية بل عقدية روحية، وبعد مطالعة طوفان المقالات التي تؤيد قرار إغلاق المراكز الثقافية الإيرانية في السودان، والإحساس بالخجل نيابة عن كتّاب تلك المقالات الذين لم يفتح الله عليهم أو على فقهاء السلطان في الخرطوم بتساؤل عن مبررات التصريح بإقامتها، فهمت أن تلك المراكز كانت واجهة لـ "التشييع".

 

ويكمل عباس حديثه بالقول :"منذ سنوات وأنا أسمع حكايات عن إنفاق إيران لملايين مملينة لكسب مسلمين سودانيين للمذهب الشيعي، وعن أكثر من فلان واحد "ما كان له قرش وصار له كرش"، بعد أن تشيع نظير حافز مادي، وفهمت من التقارير الصحفية أن عدد الشيعة في السودان بلغ نحو عشرين ألف، ولو كان هذا هو إنجاز تلك المراكز على مدى ربع قرن لكان حريا بإيران المبادرة بإغلاق المراكز ومساءلة القائمين عليها على تعاسة أدائهم وضعف إنجازهم، وحتى لو استبعدنا أمر استمالة السودانيين الى المذهب الشيعي بحوافز مالية، فما الغاية أصلا من السعي من حيث المبدأ بأسلوب منهجي وكسياسة حكومية ل"تشييع" أهل السنة، وما العائد والفائدة من وراء ذلك؟ هب أن 200 ألف سوداني صاروا شيعة، ماذا تجني الحكومة الإيرانية من وراء ذلك؟ أم أن الحكاية فيها "إن"؟

 

"هذا الإجراء السوداني الذي جاء تماما في وقته و في اللحظة المناسبة کي يسلط الأضواء و يلفت الأنظار أکثر الى الخطر المحدق بالأمن القومي العربي من جانب نظام ولاية الفقيه الذي دأب على دس السم بالعسل و النفوذ و التغلغل بالأساليب و الطرق الملتوية في سبيل تحقيق أهداف و غايات بالغة الخبث، ولاسيما وان العالم کله حجم الکوارث و المصائب المأساوية الدامية التي تحدث في سوريا والبحرين  والسعودية و العراق و اليمن و لبنان وفلسطين، من جراء التدخلات السافرة لهذا النظام في الشٶون الداخلية للبلدان العربية و سعيها من أجل التصيد في المياه العکرة و على حساب أمن و استقرار الأقطار العربية"، بحسب ما يؤكده العلامة (الحسيني).

 

وليس الإيرانيون وحدهم من لهم "ناقة" في السودان بل وللصينيين أيضا "جمل"، حيث صاروا أكبر جالية أجنبية في السودان، ومع هذا لا يبشرون بالكونفوشية أو الشيوعية عكس ما يفعل الإيرانيون، بل يحرصون على إيجاد سوق لبضائعهم المضروبة، بل ويعملون بالمبدأ السوداني "قدِّم السبت تلقى الأحد"، يعني بادر بالعون وسيرد لك من يتلقى العون الجميل لاحقا، وقد قدمت الصين للسودان معونات ضخمة، وفازت شركاتها بعقود ضخمة في السودان، وأعرق وأشهر مدرسة في الخرطوم تحمل اسم "كمبوني" وهو القس الإيطالي الذي أسسها قبل نحو سبعين سنة، ومعظم  طلابها مسلمون ولا يتم فيها ذكر النصرانية ولو عرضا، ولكنه بالتأكيد أسسها ليرفع من أسهم كنيسته بين السودانيين.

 

وللإيرانيين أسلوبهم الخاص في التشييع الذي لم يحقق أي مكاسب تذكر، بل إن الأسلوب الذي تتبعه الكنائس في التنصير كان أجدى نفعاً، فهم – أي النصارى- يذهبون إلى الأحراش والمناطق التي لا يعتنق الناس فيها ديانة سماوية، ويفتحون العيادات والمدارس، وبعد أن يصبح لتلك المرافق زبائن ثابتين، يبدءون في التنصير وينجحون، بعكس الإيرانيين الذين أرادوا بيع "الماء في حارة الساقيين" او كما يقول أهل الحجاز يبيع التمر على أهل هجر.

 

وينتقد العلامة (الحسيني) تلكؤ الحكومة السودانية في قرار الإغلاق ويقول :"منذ أعوام، دأبنا على التأکيد بأن سفارات نظام ولاية الفقيه و مراکزه الثقافية إنما تمثل بٶرا مشبوهة تعبث بالأمن و الاستقرار للأقطار العربية کلها دونما استثناء و دعونا دائما إلى أخذ الحيطة والحذر الكامل منها، مع تأکيدنا بأن إغلاقها أفضل بكثير من إبقائها مفتوحة لأنها من المستحيل أن تکف عن العبث و التلاعب بالأمن و الاستقرار والتدخل في کل الأمور و الشٶون الحساسة للبلدان العربية، والذي يجب الانتباه له جيدا، هو أن نظام ولاية الفقيه يعمل ليل نهار من أجل بث و نشر الفكر الديني المتطرف المعادي لروح و معدن الإسلام الأصيل الذي هو بالأساس دين وسطي يرفض الغلو والتطرف".

 

ويوجه المرجع الشيعي اللبناني أصابع الاتهام بالإرهاب إلى إيران بقوله:" إن التنظيمات المتطرفة التي تنتشر في وطننا العربي بشکل خاص و العالم بشکل عام، إنما يتم تمويلها و تغذيتها و توجيهها من طهران ذاتها التي صارت و بشهادة السيدة مريم رجوي رئيسة الجمهورية المنتخبة من جانب المقاومة الإيرانية، بٶرة للتطرف الذي يتم تصديره للمنطقة".

 

ويرى العلامة (الحسيني) في الخطوة السودانية التي وصفها بـ"الرشيدة" خطوة أکثر من فعالة و مٶثرة بالاتجاه الصحيح، خصوصا بعد أن تكبد نظام ولاية الفقيه هزيمة سياسية قاسية بعدم تمكنه من فرض المالکي لولاية ثالثة وأجبر على الرضوخ لإقصائه وتنحيه والذي يعني فيما يعني رفض للنظام الإيراني نفسه و لكل ممارساته و سياساته التي کان المالكي يقوم بتطبيقها بحذافيرها و لسان حاله يقول: هل من مزيد؟

 

ويعد توالي رفض التدخل المفضوح للنظام الإيراني في الأقطار العربية أمر يجب عدم توقفه و الاستمرار به، حتى يتم کنس کل الأفكار و المفاهيم المتطرفة المشبوهة من داخل أمتنا ،ونجعلها متحصنة أمام الخطر المحدق بها من جانب هذا النظام، ويطلق العلامة (الحسيني) دعوة إلى کل الدول العربية "خصوصا الخليجية منها"، أن تحذو حذو السودان و تدرأ عن نفسها أدارن و سموم الخطر  لنظام ولاية الفقيه عن شعوبها.

 

المفارقة في القرار أن معظم "علماء السودان" أصابتهم حمى الإشادة بقرار الحكومة إغلاق المراكز الثقافية الإيرانية، بل وخرج بعضهم بعد القرار وليس قبله يستنكرون شتم الصحابة وبعض الخلفاء الراشدين، وكأنما الشتم حدث في يوم الإغلاق، والسؤال الذي يطرحه الكاتب السوداني جعفر عباس على عموم العلماء والسياسيين في بلده :"إذا قلت إن قيام إيران بإنشاء مراكز ثقافية في السودان حكاية فيها "إن"، فإن قرار الحكومة السودانية بإغلاق تلك المراكز فيه "إنات" كثيرة، فهل فعلت ذلك بكامل إرادتها أم استجابة لما "يطلبه المتنفذون"؟!

 

التعليقات