التدحرج في الأنفاق

التدحرج في الأنفاق
بقلم      سلافاي زيزاك    Slavaj  Zizek*

ترجمة   المهندس نهاد الخطيب
 

إذا لم تكن الأرض ملأى بالقداسة

ستكون القداسة في الله والإنسان وليس في الأرض فقط .

في فيلم  الغفران  (Forgiveness )  لأودي  ألوني يروي أحد الناجين من الهولوكوست, والذي يتردد على مصحة عقلية بنيت على أرض قرية فلسطينية , يروي لطبيبه النفسي القصة التالية  " في أسطورة قديمة أن اليهود المؤمنين والذين قتلوا في المنفى يتدحرجون في الأنفاق الأرضية على جبل الزيتون لكي  يغفر لهم ويبعثوا عندما يأتي المسيح  من جديد, وتقوم الرواية على المعنى المزدوج   للكلمة العبرية مكلات أي النفق   والغفران ,  ثم جاءت الصهونية  وعكست النفق الرمزي الى شكل مادي محدد (الألياه) وذلك في أرض اسرائيل- فلسطين . ورغم أن الصهيونية عملت على أساس أنها حركة وطنية علمانية تحررية استعمارية فإنها كانت مؤسسة على بنية لاهوتية تماما مثل شقيقتها الحركة الاستعمارية المسيحية وعليه فإن القول "

برغم حقيقة أن العلملنيين اليهود لا يؤمنون بالله  , فإنهم يؤمنون بأن الله قد أعطى لهم الأرض المقدسة " وبالتوازي مع التيار العلماني صاحب اللاوعي  الديني فإن انقلابا لاهوتيا كان يحصل عند التيار الديني للمستوطنين وهذا يعني أنه رغم أن المستوطنين كانوا مقتنعين بأن الله قد أعطى لهم الأرض المقدسة  فإنهم لايؤمنون به أبدا , فقط أولئك الذين أفرغوا لله من قداستة  كان بإمكانهم أخذ المشروع الصهيوني العلماني الى درجة من التشوه والانحراف متطرفة لدرجة الاعتقاد أن كل الالوهية والقداسة كامنة في الأرض المقدسة , وبهذا المعنى فإن كل يهود أرض اسرائيل المتدينيين والعلمانيين متحدون في عاطفتهم الشبقية للإرض المقدسة  وبملئهم لتلك الأرض بالقداسة فإنهم ينزعون هذه القداسة عن الله والبشرية .

واليوم فإن العسكرية الاسرائيلية لا تحارب  الأنفاق  فقط ولكنها تحارب سكان الأرض الأصليين ,هم لايحاربون ضد حماس فقط هم يحاربون ضد فلسطين نفسها , هم وبجانبهم الغرب يحاربون ضد أمة حاولوا طردها من منذ 70 سنة  , هم لا يحاربون من أجل هذه الأنفاق بل من أجل الأرض التي حفرت فيها هذه الأنفاق , وتمثل معسكرات اللاجئين في غزة دليلا حيا على عملية السطو الضخمة على الأرض وهذا هو الذنب الأصلي .

منذ عام  1948 كانت هناك محاولات لتقسيم الشعب الفلسطيني وحرمانهم من إحساسهم الوطني وكذلك محاولات لمحو ذاكرتهم كما لو كانت هذه الذاكرة حق غير قابل للتصرف للفكر اليهودي المسيحي وبعد ذلك يمكن نعتهم بوعيهم المجزأ الجديد   كعرب اسرائيليين , عرب مقدسيين , أصوليين غزيين , ضفة غربيين , فلسطيني المنفى بدون حق العودة , لكننا في الغرب لم نتوقع أن الفلسطينيين مازالوا ينظرون الى أنفسهم كشعب واحد والأن وبعد محاولة محو ذاكرتهم الجمعية فإنهم متحدون مرة أخرى  وهذا هو السبب في عدم اطلاق الدفعة الرابعة من الأسرى  ( التي نصت عليها اتفاقية استئناف المفاوضات بين السلطة واسرائيل  في مارس 2014 برعاية أمريكية )   وهذا هو السبب  الرئيس  للحرب والقتل وكل ما عدا ذلك حواشي .

واكتشفنا أنه كلما حاولنا أكثر طردهم من فوق الأرض قإنهم يتحدون أكثر ويحفرون تحت الأرض ويلفون نفسهم بها مثل شال الصلاة اليهودي , وبينما نعتقد أنهم يحفرون قبورا لأتفسهم نجدهم يعتقدون أنهم يحفرون لأنفسهم طرق للحياة  وهذا هو جوهر الصمود ( الكلمة العربية المقابلة لكلمة الولاء  والإخلاص للأرض ) وهذا الصمود أكبر من كل الفصائل أكبر من فتح وحماس أكبر من الفلاحين والحضريين وأكبر من المتدينيين والعلمانيين  ,  وفي سياق الصمود لا يهم من أنت لأنه في نهاية اليوم أنت فلسطيني  ابن هذه الأرض . أغلب الفلسطينيين راغبون في اقتسام الأرض وكثيرون غير راغبين ولكن لا يوجد فلسطيني مستعد للتخلي عنها . المحاولة لطردهم  من سطح الأرض كانت محاولة لشطبهم من وعينا ولكنهم هاجروا الى بطن الأرض والى قلب وعينا , هم أولاد الأرض , الأرض التي يدفنون فيها ويبعثون في أنفاقها , الأرض التي يطوفون فيها كلاجئين أحياء أموات يبحثون عن ثغرة ليتدحرجوا فيها ويتجسدوا في بيوتهم وقراهم   ,فهم عندما يهربون  الطعام والأدوات  أو عريس وعروس فأن الأنفاق  تجسد الرغبة في الحياة وعندما يخرج منها المقاتلون المسلحون فهي حينئذ تصبح مسارات للموت وهي تستطيع أن تصبح أنفاق الانقاذ على هذه الأرض  إنقاذ بالسلاح والدمار . نستطيع أن نساعد في تحديد المعاني المستقبلية للأنفاق  ونستطيع أن نحدد ما إذا كان مسيح السلام والعدالة سيأتي من هذه الأنفاق أم ملك الموت , هي ثقيلة جدا علينا , هي بوابات غزة فمن الممكن لو أننا فتحناها جميعا للحياة فإن المكلات ( النفق بالعبرية ) سيكون مكلوت  (غفران).

*فيلسوف ماركسي ومحلل نفسي  وناقد ثقافي وباحث كبير في معهد العلوم الاجتماعية والفلسفة  جامعة لوبيانا  سلوفينيا والمدير الدولي في معهد بابريك للإنسانيات .

التعليقات