إياكم من الاشاعة فانها أخطر من طائرة الاف 16 والعملاء

إياكم من الاشاعة فانها أخطر من طائرة الاف 16 والعملاء
إياكم من الاشاعة فانها أخطر من طائرة الاف 16 والعملاء

بقلم : د . سمير محمود قديح

باحث في الشئون الامنية والاستراتيجية

من بين كل انواع الحرب النفسية ، التى استعرضها التاريخ ، فى عالم الجاسوسية ، تحتل الشائعات مكانة خاصة .. خاصة للغاية فعلى عكس كل الوسائل الأخرى ، تنطلق الشائغات دوماً من بؤرة مجهولة ، يصعب تحديدها ، أو تتبعها على نحو منطقى وسليم ، فالشائعة يمكن أن تبدأ من مصنع كبير ،أو مقهى صغير ، أو حتى من قلب أخطر جهاز ، فى أية دولة من دول العالم .. وهذا يتوقف على طبيعة الشائعة ، وأهميتها ، وخطورتها وما يمكن أن يؤدى إليه ، بعد ان تتوغل فى المجتمع ، وتستقر فى وجدانه ، وتصبح لها قوة رهيبة ، ربما تنزاح أمامها الحقائق نفسها .. والاستهانة بالشائعات خطأ فادح ، مهما بدت الشائعة تافهة أو غبية او حتى تفتقر إلى المنطق و العقل السليمين .. وقبل أن اتناول هذه النقطة ، دعنى اعيد ذهنك إلى شائعة مضحكة بدت كدعابة على الأرجح، ثم لم تلبث أن قويت ، مع ترديدها المستمر ، حتى تجاوزت كل حدود المنطق الطبيعى .. والحديث هنا عن تلك الشائعة ، التى انتشرت فجأة لتقول :ان العائلات الموجودة في المدارس التابعة لوكالة الغوث مصابة بامراض خطيرة ، وانتشرت في تلك المدارس المخدرات حيث يتعاطون المخدرات وبشكل علني وتم ضبط عشرات الحالات " للتحرش الجنسي " حتى تطورت الاشاعة الى ما هو اخطر وبدأت تتردد أرقام عن فتيات حوامل . شائعة كان ينبغى أن تثير الضحك والسخرية ، وتبدو واضحة السخافة واللا منطقية ، وعلى الرغم من هذا ، فقد فوجئنا بها تنتشر ..وتنتشر ..وتنتشر..ومع انتشارها ، راح بعض الخبثاء ينسجون مبررات أكثر سخافة لإقناع الآخرين بأن هذا الفساد منتشر لدى العائلات الموجودة في المدارس .

والسخيف أن التبرير نفسه غير منطقى .. لكن الأسخف أن الناس صدقت .. ورددت.. وأثبتت قوة الشائعات .. وفى الوقت الذى كان فيه مطلق الشائعة له هدف هو زرع الفتنة وتشويه وتفتيت المجتمع الفلسطيني وخلق بلبلة في الشارع وهو ما تهدف له المخابرات الاسرائيلية ، النيل من هذا الشعب . المهم أنه وعلى الرغم من كل ماقيل ، ومن تكذيبي لهذا الامر ، ظل هناك من يصدق .. ومن يردد .. ومن يجادل ..وهكذا الشائعات .. من السهل تطلقها ، ومن الصعب ، وربما الصعب جدا أن توقفها .. وأحد الأسباب الرئيسية للشائعات ، رغبة البعض فى الظهور بمظهر الشخص المتميز ، والمطلع ، والعارف ببواطن الامور .. وهذه أسوأ صفة فى الوجود .. وتتضاعف نسبة السوء ، لو أن صاحب تلك هذه الصفة ينتمى بالفعل إلى جهة سيادية أو أمنية ، أو سياسية ، بحيث توحى كلماته بالثقة والمصداقية ، حتى لو لم يكن يعلم شيئا عما يتحدث عنه فى الواقع .. فليس من الضرورة ،أن يكون أحد العاملين فى جهاز الشرطة مثلا ، على لم بكل ما يدور هناك ، بل من الطبيعى جداً أن يجهل الكثير مما يحدث ، والإ فسيصبح جهاز الشرطة كله أشبه بمقهى عام ، يردد الكل فيه الأسرار ، بل ويعلنها لكل العاملين بلا استثناء ،دون أية قواعد للسرية وامن الجهاز والدولة .. وهذا ينطبق أيضاً على العاملين فى أجهزة المخابرات ، ومجلس الوزراء، ومجلس الشعب ، وكل الجهات السيادية الأخرى .. وفى معظم الأحيان ، يكون الشعور بقلة الشأن ، هو الدافع الرئيسى ، للعاملين الصغار ، أو صغار كبار الموظفين ، كما يطلق عليهم ، لكى يتظاهرو بالأهمية ، عن طريق ادعاء أنهم يعرفون أسرار المكان .. بل وأسرار الدولة نفسها .. وفى بعض الأحيان ، يتظاهر هؤلاء المرضى النفسيين بأنهم على علم حتى بما يطلق على اسم (قرارت المطبخ).. والمقصود بالمصطلح هنا هو تلك القرارات ، ذات طابع السيادى للغاية ، بحيث لا يمكن أن يعلم بها سوى كبار القادة ، وعلى أرفع المستويات ، ورئيس الوزراء ، أو رئيس الجمهورية شخصياً . ومثل هذه القرارت تكون دوما على درجة عالية جداً من السرية حتى أن الرئيس والقادة لا يبلغون زوجاتهم بها .. فما بالك بموظفيهم ، فى الدرجات العليا.. والدرجات الوظيفية الأدنى .. ولكن العجيب أن الناس لا تفكر ..أو تبحث ..أو تناقش ..فقط تصدق .. وتنبهر .. وتردد .. وهنا تكمن الكارثة . وهنا تكمن أيضاً قوة وحطورة الشائعات ، على كل المستويات ..

والشائعات ، من ناحية قوتها ، وقدرتها على التغلغل ، وما تتركه حلفها من تأثيرات ، تنقسم إلى ثلاثة أنواع رئيسية .. وأشهر أنواع الشائعات ، ما يعرف باسم الشائعة الزاحفة .. والشائعة الزاحفة هذه هى أقوى الشائعات تأثيراً واكثرها قدرة على هزيمة الحقائق نفسها ،أذا إنها ، وكما يتضح من اسمها تبدأ هادئة ،بطيئة ، ولكنها تمتلك من القوة ما يسمح لها بالزحف فى المجتمعات ، وبالأنتقال بين الألسنة والآذان فى سرعة ، بحيث تصبح راسخة قوية ، مقنعة ، حتى و إن لم تستند إلى منطق سليم .. والغرض الرئيسى للشائعة الزاحفة ، هو توجيه الفكر العام نحو أمر بعينه ، أو فكرة بذاتها ، بحيث تقر فى القلوب والنفوس ، وتصبح قادرة على تحطيم الروح المعنوية ، أو سلب الإرادة العامة ، عندما تحين لحظات المواجهات .. وأشهر ما عروف من الشائعات الزاحفة ، هو فكرة قوة الجيش لاإسرائيلى ، ومناعته ، وفكرة أنه غير قابل للهزيمة ..
وخلال الحرب العالمية الثانية ، استخدم (جوبلز) ، وزير الدعاية النازى ، شائعة السلاح السرى الألمانى ، ليحطم إرادة الإنجليز ، ويوهمهم بأن هزيمتهم حتمية ، حتى لو أوحت تطورات الموقف بعكس هذا .. والشائعة الزاحفة قادرة على دفع شعب كامل إلى الاستسلام قبل حتى أن يواجه عدوه ، لتصوره أن هذا العدو يفوقه قوة بمئات المرات ، أو يمتلك سلاحاً رهيباً ، قادراً على إبادته بلا رحمة ..ألخ .. أما النوع الثانى من الشائعات فهو الشائعة العنيفة ..
وهذا النوع من الشائعات يعتمد على نشر أكذوبة قوية ، مخيفة ، تدفع فئة ما ، أو حتى كل الفئات إلى الغضب والثورة والاندفاع إلى التدمير أو التخريب ، دون أن تتوقف للتفكير فى الموقف ، ودراسته ، وتبين صحته او كذبه ..
تبقى امامنا إذن النوع الثالث والأخير من الشائعات وهو ما يعرف باسم الشائعة الغائصة .. والشائعة الغائصة تشبه كثيراً الشائعة الزاحفة ، من حيث بطئها ،وتوغلها ، وتغلغلها ، لكن تختلف عنها فى أنها لا تمس قطاعاص حيوياً دائماً أو مستمراً من المجتمع ، وإنما تمس أمراً يتعلق باوقات محدودة بعينها ، بحيث تغوص الشائعة فى المجتمع معظم الوقت ، ثم تعود إلى السطح ، عندما يأتى دورها أو موسمها ،أو تأتى مناسبتها .. فلو انها شائعة تتعلق بنقص الموارد الغذائية مثلاً، فهى تختفى معظم أيام السنة ، لأن المواد متوفرة بالفعل ، ثم تعود إلى الظهور مع مواسم الصيف مثلاً أو فى بدايات شهر رمضان .. والشائعات المالية هى أشهر أنواع الشائعات الغائصة ، مثل شائعات إصدار الحكومة لقانون ،يبيح لها الأستيلاء على الزدائع البنكية للمواطنين ، او على العملات الحرة فى أرصدتهم ، وهى شائعة ترتبط دوماً بالأزمات الأقتصادية فهى غائصة دوماً فى المجتمع ، ثم تظهر فجأة ، إذا ما واجه المجتمع ازمة مالية ، حتى ولو كانت مرحلية او مؤقته .. ومن كل ما سبق يبدوا من الواضح أن الشائعات هى أحد أسلحة الحروب عبر العصور .. بل هى أقوى أسلحة الحرب الخفية ..
[email protected]

التعليقات