أما آن للعَدْلِ أن يَعْتَدِلْ وَيَعتَلي منَصّتَه
أما آن للعَدْلِ أن يَعْتَدِلْ وَيَعتَلي منَصّتَه
بقلم:آصف قزموز
قيل إن رجلاً بسيطاً وقف في أحد شوارع بغداد، صبيحة انتهاء حرب تحرير الكويت، وأخذ يصيح بِعِلو صوته جهاراً أمام الناس، داعياً لأميركا : اللهم أعِن أميركا وارحَم موتاها واشفِ جرحاها وسدد على طريق الخير خطاها...الخ. وما هي إلاَّ لحظات حتى كان الرجل بِيْباحِص وْبِتْفَعْفَلْ بين إيدين الجندرمَه وْرجال الأمن المنهالين عليه ضرباً وركلاً وتقريعاً، ولما مَثُل الرجل بين يدي الرئيس المرحوم صدام حسين، سألهُ الرئيس: شِنُو قَظيتك عيني اشْبِيكْ إنتَ امْخَبَّل (مجنون) لَك شْلون تِدْعي للعدو الأميركي المُجرم وِالأرعن بوش بعد ما حققنا الانتصار العظيم للأمة؟! إنت أكيد تتعاون مع العدو، لَعْنِه على ظميرَكْ إذا أكُو عِندك ظمير، بَس كُل ظمير ما عِنْدَكْ، طاح حظَّكْ على هالسالْفَة.
أجاب الرجل: سيدي، وألله العزيز آني مو جاسوس، بس قُلِت لحالي، إذا إحنا المنتصرين هذا حالنا وطايِحْ حَظْنا هالشِّكِلْ، شْلون راح يكون حال الأمريكان المهزومين خَطِيَّه (حرام) لازم نِدْعيلْهُم سيدي ونرحمهم بَلكي الله بْيرحمنا؟
(طبعاً على شان هيك كنا في بيروت مِنْتِصرين، وقبلها في السَّبْعَة وْستينْ، زي البطيخ إحمَر حِلِوْ عالسكينْ، وِالأعداء معانا دايماً خايبينْ، وِاتْشَتَّتْنا في اليمن وتونس وْجُزْرِ الفِلبينْ، ومع هيك ظلينا نقول يا ناصر الستة عالستينْ، إحنا وبس والباقي خَس، إحنا المِنْتِصْرينْ، وِبْغزة انْقَطَع تالينا واحنا منتصرينْ، الله يِستر إذا يوم لا سمح الله كنا مهزومين، رحم الله الشهداء والمظلومينْ، وجازى الله القتَلَة المحتلين المجرمينْ، الذين سينالون العقاب على جرائمهم ولو بعد حينْ).
يخطئ كل من يعتقد، أن ما يجري اليوم في فلسطين عامة ومن عدوان إسرائيلي همجي على غزة خاصة، وعلى كل جبهات الصراع المفتوحة على الغرب والغاربْ، بفرسان المشارق والمغارِبْ، مفصول أو معزول عما يجري من تفككات وصراعات في عموم دول المنطقة، من فك وتقسيم وتركيبْ، وتدمير بترهيب وترغيبْ، وذلك بالداعشية والدعوشَة والمِلَلْ والمَلالي حيناً، وبغيرها أحياناً أخرى بفتح الهَمزَة وضمها.
وإذا كانت ولادة داعش والداعشية سفاحاً وحراماً، قد جاءت حصاداً مُراًّ لسياسات الإقصاء والتهميش والتمييز والإفقار التي اتبعتها بعض النُّظُم الطائفية أو المتطوفَة المتزاوجة مع السياسات الاستعمارية المعلنة للمنطقة، لتتلاقى مع هروب أعداد كبيرة من أعضاء تنظيم القاعدة من السجون العراقية، بتواطؤ مخطط ومدروس من قبل بعض الجهات والأطراف المعنية بالوصول لما يجري اليوم من خراب وتفكك وتجزئة على أسس طائفية ومذهبية وعرقية لدول المنطقة، لتشكل في نهاية المطاف المسوغ والمبرر القوي لقيام الدولة اليهودية المنادى بها إسرائيلياً بعد تطويف المنطقة برمتها. وهو ما يتوافق ويستجيب لمخططات مراكز النفوذ الاستعماري الدولي عبر إشعال نار ما يسمى بالربيع العربي بالهشيم المذهبي والطائفي المُتَيَبِّسْ. فإن في هذه الحقائق الباعِزَة للعيون ما يؤشر بجلاء الى شمولية اشتعال الهشيم الجاهز وعمليات التفتيت والتهشيم الذاهبة في طريق إعادة الصياغة والتقسيم الجديد لخارطة المنطقة والشرق الأوسط الجديد المنادى به علناً وعلى رؤوس الأشهادْ، وتدور رحاها اليوم عبر أتون ما يسمى بالفوضى الخلاقة وإشعال هذا الهشيم العربي منذ أكثر من ثلاث سنوات حتى الآن. فعلى الصامتين والمؤازرين والمقاومين لهذا المشروع في مطلق أحوالهم وأوضاعهم كل من موقعه ووزنه وصفته، أن يأخذ هذه الحقائق الدامغة بعين الاعتبار والحسبان مع ثابت أن المصالح تبقى دائماً سيد الرؤى والخطط التنفيذية والاستراتيجية لهذا المشروع الكبير والخطير، الذي يجري إعداده لخدمة حقبة استعمارية جديدة على أسس وتوازنات أكثر حداثَة ولياقة لأصحابها. لكن الحقائق التاريخية والعملية على الأرض تقول بأننا لن نستطيع منع هذه الحقبة من الولوج فينا، لا بل إن جميع الدول بشكل أو بآخر تصطف إطاراً حامياً وغلافاً مشمولاً تدور في الفلك الاستعماري الجديد كجزءٍ من هذه المنظومة الاستعمارية المتجددة بحلَّةٍ جديدة ودورٍ جديد أو مجدد يتناسب ويتحدد مع المصلحة الممنوحة والدور في الخدمة المنوطة بكل دولة، الأمر الذي سيجعل سمات المرحلة وأهدافها ومخططاتها تختلف في تجلياتها وطرائق الوصول إليها مع ثابت إمبرياليتها وكومبرادورية أدوار النظم والدول كل حسب موقعه ودوره وحجمه وتأثيره بمعادلة المصالح الناظمة لهذه المنظومة الجديدة. ومن هنا تبرز أهمية ما تسعى إليه كل دولة على حدة في إثبات جدارتها بدورٍ إقليمي أو دولي أفضل وأجزى، ولكن في إطار إمبريالي بات شبه معلن ومفضوح، بعد أن أصبحت المواقف السلبية للنظم والدول تجاه القضايا الإنسانية والأخلاقية العادلة، معلنة بأكثر فجاجة وبلا حياء، ولعل آخرها ما عبرت عنه تلك الدول شرقاً وغرباً من صمتٍ مفجع على الجرائم الاحتلالية في العدوان على غزة، لا بل وتأييد المعتدي ودعمه بشبه إجماع، سواء بالصمت أو المشاركة الفعلية بالدعم المباشر. وللأسف أصبح الشاطر في هذا الزمان اللي ابْيِلْحَقْلُه دور إقليمي أو دولي وموطئ قدم في خدمة النظام الاستعماري المتجددة !! أوَ ليست هي ذات العلاقات النفعية المصالحية التبعية التي كانت تحكم علاقات الدول والحكام وأدوارهم بكلٍّ من المعسكر الرأسمالي الإمبريالي الغربي والمعسكر الاشتراكي الشرقي، وعبر التاريخ مع كل الإمبراطوريات الاستعمارية ومراكز النفوذ الاستعمارية، وإن اختلفت الصيغ والمقولات والنكهات؟
نعم، هذا الإنجاز الفلسطيني الذي تحقق في غزة وإن باهظ الثمن، يجب الحفاظ عليه وعدم هدره أو إضاعة أي فرصة لاستثماره وطنياً، وقد بات لزاماً على الفلسطينيين أن يعتصموا بحبل وحدتهم وتكاتفهم الوطني بعد حبل الله، وإذا كانت ثمة أطماع أو أحلام أو تطلعات ضيقة ناقصة تراود البعض، في استثمار الدم الفلسطيني المُراق، والمتاجرة به لحساب أجندات محلية وإقليمية في جوهرها إخوانية مُتَدَعِّشَه وداعشية الوجه واليد واللسان، فإن من باب أولى أن يُثَمَّر في استغلال اللحظة السياسية المتاحة للدفع باتجاه تثمير وطني شامل لصالح الحق الفلسطيني الناجز في الخلاص من الاحتلال ونيل الاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس الشرقية المشفوعة بالقرارات الدولية، ومن المعيب على كائنٍ من كان أن يسعى لجر الدم الفلسطيني واستثماره لحساب فصيل أو حزب أو تقديم بديل عن منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا.
والأمر الآخر أن ثمة من يعتقدون أن الدم الفلسطيني ملك شخصي لهم يتصرفون به وقت ما يشاؤون ويقررون ولا جُناح عليهم ولا هم يحزنون. إذ لم يعد خافياً على أحد أن الاصطفاف الإقليمي الدولي المعروف هو المتربص اليوم باقتناص الدم الفلسطيني والهوية الفلسطينية لصالح تكريس سلطة الإخوان بأي ثمن كان وفي أي مكان كانْ، إن لم تكن غزة أرض الفِداءِ والعِزَّه وغُرَّة هذا الزمانْ. لكن في هذا من الخطورة ما يعني الكثير الكثير، ليس في الشأن الفلسطيني وحَسبْ، وإنما في الشأن المصري والعربي عموماً، مع ضرورة الأخذ بالاعتبار الفلسطيني أن أية صيغة لمشروع دولة أو دُويلَه أو إمارة، لا يمكن لها النجاح خارج الحُضن العربي ومن دون حاضنة مصر المُتاخِمة سياسياً وجغرافياً وديموغرافياً وتاريخياً.
إنها اللحظة التاريخية التي بإمكان شعبنا الفلسطيني أن يحقق أهدافه المشروعة وفي مقدمتها الخلاص من الاحتلال والاستقلال كسقف أعلى، والاتفاق مع الأمم المتحدة والأطراف المعنية على وضع آلية وجدول بسقف زمني لخروج الاحتلال من دمنا وأرضنا في إطار إحياء المبادرة العربية وداخل سياجها كسقف تدريجي أدنى، وذلك بكامل رضى وتراضي الأطراف أقصى ما نستطيع، لأن في ذلك الضمانة للالتزام والإلزام اللاحق، وعبر التوحد الوطني الفلسطيني والعربي حول رؤية موحدة واقعية ناضجة، تُقِر دون لَبْس بأن من ضحى ودفع ثمن هذه الحَرب غالياً، هو الشعب الفلسطيني أولاً وآخراً سابقاً وحاضراً، وأي إنجاز يجب أن يُثَمَّر في صالحِهِ وحده لا شريك لَهُ. ويبقى الموقف الرسمي الفلسطيني هو البوصلة العاقلة الناظمة لكل المواقف وخلاف ذلك يصبح خروجاً لا شرعياً عن وحدة الشعب وحقوقه المشروعة ومصالحه العليا غير القابلة للتصرف من كائنٍ من كانْ.
نعم، على الجميع أن يدركوا بأننا لسنا خارج هذا الكوكب، ولا خارج نطاق المعادلة الحاكمة لعموم المنطقة برمتها، فنحن من فسيفسائها وجزء أصيل وإن ضئيل منها، وعلينا يتوقف هدوؤها واستقرارها وحتى جوارها، وبالتالي ونحن نخوض هذا الخضم الهائج في طريق خلاصنا واستقلالنا، يجب أن تظل عيوننا وعقولنا مفتوحة ومسدَّدة صوب ما يجري في مصر الشقيقة أولاً وفي سورية ثانياً والعراق ثالثاً وليبيا وباقي كلنا العربي رابعاً وخامساً وعاشراً، ليؤخذ كل هذا بالاعتبار والحسبان عند تحديد المواقف والتحركات ورسم التحالفات.
ما يجري في الوطن العربي ونحن منه، يأتي في سياق إتمام مشروع الفوضى الخلاقة، الهادف لتفكيك المجتمعات العربية، واستيلاد دويلات طائفية وعرقية صغيرة بدلاً من الدولة الموحدة القوية التي لم تعد ملائمة لخدمة المصالح الدولية في المنطقة، وهذا ما يفسر لنا اليوم إجماع المواقف الأورروبية والغربية عموماً على الاستمرار بدعم إسرائيل وسياساتها المتزاوجة والمتداخلة أصلاً مع المصالح الأميركية والغربية عموماً. إذ لا طائل من استمرارنا في اللوم على الإدارة الأميركية ومواقفها الداعمة والمتحالفة مع إسرائيل، وكأن أميركا يجب أن تكون على مسافة واحدة منا ومن إسرائيل وهذا مستحيل، لأن المصالح والشراكات هي المحددة لسقوف وتخوم العلاقات بين الدول وليس القيم والمبادئ والأخلاق، فما نشهده اليوم خير شاهدٍ على مصداق قولنا.
فعمليات التجزئة وإنشاء الدويلات المشار إليها ستكون من أهم المسوغات والمناخات الاستراتيجية بعيدة المدى التي ستبرر وتسهل قيام يهودية الدولة في إسرائيل. ولعمري إن محاولات دعم القوى الغربية وإسرائيل لقيام دولة مارونية في لبنان أواسط سبعينات القرن الماضي، كان هو المقدمة الأولى لهذا المسوغ وهذا المناخ.
وبعد كل هذا فإن على الفلسطينيين وغيرهم أن يدركوا، بأن أي مشروع سياسي بدولة فلسطينية شاملة، أم حتى بإمارة إخوانية حالمة، لا يمكن قيام أحدهما أو كليهما دون ترتيبات وتوازنات توافق المصالح مع مصر والأردن حصرياً وعلى وجه التحديد، فأي غباء في هذا العداء السافر مع مصر، وأي جنونٍ في هذا الحُلم القائظِ بإمارة معزولة، كمن يستبدل حقه في الدولة بعمارَة. فالانتصار الذي تحقق هو انتصار الشعب الفلسطيني بدمه وتضحياته وصبره وصموده الباهظ في مواجهة العدوان والمحرقة التي زُجَّ بها بسبب العدوان، وهو صاحب الحق الوحيد في أي تثميرٍ أو قِطافْ سياسي وطني وحسب.
ثمة من هم متحمسون وإرادويون لا يريدون سماع الحقائق المرة لا بل يريدون سماع ما يطرب آذانهم ويعميهم عن إدراك الحقيقة المرَّة، كنعامةٍ تدفن رأسها بالرمل فتصبح صيداً سهلاً للضواري الشائخَة والمُقعَدَة، فلن نرضخ للمزايدين والمتاجرين الفسائينْ، الذين ينادون باستمرار الحرب كي يزدانوا ويتباهوا بأعداد الشهداء وآلام المظلومينْ، ويرمون الناس بالباطل عن وعيٍ وإدراكٍ وتخمينْ، وهم في أبراجهم العالية بلا ذمّة ولا دينْ، وكمن يتباهى بِشَعَرْ بِنْت خالْتُه ويُنظِّر باسم الإسلام والمسلمينْ.
دعوني أقول لهؤلاء أصحاب الكلام العالي ودعاة التشدد المتطَيِّرينْ، الذين استمرؤوا التغني بمتابعة وإحصاء أعداد الشهداء والجرحى والمنازل المدمرة، ممن لم يغبروا أحذيتهم يوماً لأجل فلسطينْ، سنظل نقول ما يجب أن يُقال ومنه متيقنونْ، وْسَمَا سماكُمْ ما عَلَّمنا الرِّطينْ، لأن انتماءنا سيبقى فقط لفلسطينْ، ولا عدوان إلاّ على الظالمينْ. ويبقى الموقف الرسمي الفلسطيني هو البوصَلَة والعنوان الوطني الجامع والملزم لكل الفلسطينيين.
[email protected]
بقلم:آصف قزموز
قيل إن رجلاً بسيطاً وقف في أحد شوارع بغداد، صبيحة انتهاء حرب تحرير الكويت، وأخذ يصيح بِعِلو صوته جهاراً أمام الناس، داعياً لأميركا : اللهم أعِن أميركا وارحَم موتاها واشفِ جرحاها وسدد على طريق الخير خطاها...الخ. وما هي إلاَّ لحظات حتى كان الرجل بِيْباحِص وْبِتْفَعْفَلْ بين إيدين الجندرمَه وْرجال الأمن المنهالين عليه ضرباً وركلاً وتقريعاً، ولما مَثُل الرجل بين يدي الرئيس المرحوم صدام حسين، سألهُ الرئيس: شِنُو قَظيتك عيني اشْبِيكْ إنتَ امْخَبَّل (مجنون) لَك شْلون تِدْعي للعدو الأميركي المُجرم وِالأرعن بوش بعد ما حققنا الانتصار العظيم للأمة؟! إنت أكيد تتعاون مع العدو، لَعْنِه على ظميرَكْ إذا أكُو عِندك ظمير، بَس كُل ظمير ما عِنْدَكْ، طاح حظَّكْ على هالسالْفَة.
أجاب الرجل: سيدي، وألله العزيز آني مو جاسوس، بس قُلِت لحالي، إذا إحنا المنتصرين هذا حالنا وطايِحْ حَظْنا هالشِّكِلْ، شْلون راح يكون حال الأمريكان المهزومين خَطِيَّه (حرام) لازم نِدْعيلْهُم سيدي ونرحمهم بَلكي الله بْيرحمنا؟
(طبعاً على شان هيك كنا في بيروت مِنْتِصرين، وقبلها في السَّبْعَة وْستينْ، زي البطيخ إحمَر حِلِوْ عالسكينْ، وِالأعداء معانا دايماً خايبينْ، وِاتْشَتَّتْنا في اليمن وتونس وْجُزْرِ الفِلبينْ، ومع هيك ظلينا نقول يا ناصر الستة عالستينْ، إحنا وبس والباقي خَس، إحنا المِنْتِصْرينْ، وِبْغزة انْقَطَع تالينا واحنا منتصرينْ، الله يِستر إذا يوم لا سمح الله كنا مهزومين، رحم الله الشهداء والمظلومينْ، وجازى الله القتَلَة المحتلين المجرمينْ، الذين سينالون العقاب على جرائمهم ولو بعد حينْ).
يخطئ كل من يعتقد، أن ما يجري اليوم في فلسطين عامة ومن عدوان إسرائيلي همجي على غزة خاصة، وعلى كل جبهات الصراع المفتوحة على الغرب والغاربْ، بفرسان المشارق والمغارِبْ، مفصول أو معزول عما يجري من تفككات وصراعات في عموم دول المنطقة، من فك وتقسيم وتركيبْ، وتدمير بترهيب وترغيبْ، وذلك بالداعشية والدعوشَة والمِلَلْ والمَلالي حيناً، وبغيرها أحياناً أخرى بفتح الهَمزَة وضمها.
وإذا كانت ولادة داعش والداعشية سفاحاً وحراماً، قد جاءت حصاداً مُراًّ لسياسات الإقصاء والتهميش والتمييز والإفقار التي اتبعتها بعض النُّظُم الطائفية أو المتطوفَة المتزاوجة مع السياسات الاستعمارية المعلنة للمنطقة، لتتلاقى مع هروب أعداد كبيرة من أعضاء تنظيم القاعدة من السجون العراقية، بتواطؤ مخطط ومدروس من قبل بعض الجهات والأطراف المعنية بالوصول لما يجري اليوم من خراب وتفكك وتجزئة على أسس طائفية ومذهبية وعرقية لدول المنطقة، لتشكل في نهاية المطاف المسوغ والمبرر القوي لقيام الدولة اليهودية المنادى بها إسرائيلياً بعد تطويف المنطقة برمتها. وهو ما يتوافق ويستجيب لمخططات مراكز النفوذ الاستعماري الدولي عبر إشعال نار ما يسمى بالربيع العربي بالهشيم المذهبي والطائفي المُتَيَبِّسْ. فإن في هذه الحقائق الباعِزَة للعيون ما يؤشر بجلاء الى شمولية اشتعال الهشيم الجاهز وعمليات التفتيت والتهشيم الذاهبة في طريق إعادة الصياغة والتقسيم الجديد لخارطة المنطقة والشرق الأوسط الجديد المنادى به علناً وعلى رؤوس الأشهادْ، وتدور رحاها اليوم عبر أتون ما يسمى بالفوضى الخلاقة وإشعال هذا الهشيم العربي منذ أكثر من ثلاث سنوات حتى الآن. فعلى الصامتين والمؤازرين والمقاومين لهذا المشروع في مطلق أحوالهم وأوضاعهم كل من موقعه ووزنه وصفته، أن يأخذ هذه الحقائق الدامغة بعين الاعتبار والحسبان مع ثابت أن المصالح تبقى دائماً سيد الرؤى والخطط التنفيذية والاستراتيجية لهذا المشروع الكبير والخطير، الذي يجري إعداده لخدمة حقبة استعمارية جديدة على أسس وتوازنات أكثر حداثَة ولياقة لأصحابها. لكن الحقائق التاريخية والعملية على الأرض تقول بأننا لن نستطيع منع هذه الحقبة من الولوج فينا، لا بل إن جميع الدول بشكل أو بآخر تصطف إطاراً حامياً وغلافاً مشمولاً تدور في الفلك الاستعماري الجديد كجزءٍ من هذه المنظومة الاستعمارية المتجددة بحلَّةٍ جديدة ودورٍ جديد أو مجدد يتناسب ويتحدد مع المصلحة الممنوحة والدور في الخدمة المنوطة بكل دولة، الأمر الذي سيجعل سمات المرحلة وأهدافها ومخططاتها تختلف في تجلياتها وطرائق الوصول إليها مع ثابت إمبرياليتها وكومبرادورية أدوار النظم والدول كل حسب موقعه ودوره وحجمه وتأثيره بمعادلة المصالح الناظمة لهذه المنظومة الجديدة. ومن هنا تبرز أهمية ما تسعى إليه كل دولة على حدة في إثبات جدارتها بدورٍ إقليمي أو دولي أفضل وأجزى، ولكن في إطار إمبريالي بات شبه معلن ومفضوح، بعد أن أصبحت المواقف السلبية للنظم والدول تجاه القضايا الإنسانية والأخلاقية العادلة، معلنة بأكثر فجاجة وبلا حياء، ولعل آخرها ما عبرت عنه تلك الدول شرقاً وغرباً من صمتٍ مفجع على الجرائم الاحتلالية في العدوان على غزة، لا بل وتأييد المعتدي ودعمه بشبه إجماع، سواء بالصمت أو المشاركة الفعلية بالدعم المباشر. وللأسف أصبح الشاطر في هذا الزمان اللي ابْيِلْحَقْلُه دور إقليمي أو دولي وموطئ قدم في خدمة النظام الاستعماري المتجددة !! أوَ ليست هي ذات العلاقات النفعية المصالحية التبعية التي كانت تحكم علاقات الدول والحكام وأدوارهم بكلٍّ من المعسكر الرأسمالي الإمبريالي الغربي والمعسكر الاشتراكي الشرقي، وعبر التاريخ مع كل الإمبراطوريات الاستعمارية ومراكز النفوذ الاستعمارية، وإن اختلفت الصيغ والمقولات والنكهات؟
نعم، هذا الإنجاز الفلسطيني الذي تحقق في غزة وإن باهظ الثمن، يجب الحفاظ عليه وعدم هدره أو إضاعة أي فرصة لاستثماره وطنياً، وقد بات لزاماً على الفلسطينيين أن يعتصموا بحبل وحدتهم وتكاتفهم الوطني بعد حبل الله، وإذا كانت ثمة أطماع أو أحلام أو تطلعات ضيقة ناقصة تراود البعض، في استثمار الدم الفلسطيني المُراق، والمتاجرة به لحساب أجندات محلية وإقليمية في جوهرها إخوانية مُتَدَعِّشَه وداعشية الوجه واليد واللسان، فإن من باب أولى أن يُثَمَّر في استغلال اللحظة السياسية المتاحة للدفع باتجاه تثمير وطني شامل لصالح الحق الفلسطيني الناجز في الخلاص من الاحتلال ونيل الاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس الشرقية المشفوعة بالقرارات الدولية، ومن المعيب على كائنٍ من كان أن يسعى لجر الدم الفلسطيني واستثماره لحساب فصيل أو حزب أو تقديم بديل عن منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا.
والأمر الآخر أن ثمة من يعتقدون أن الدم الفلسطيني ملك شخصي لهم يتصرفون به وقت ما يشاؤون ويقررون ولا جُناح عليهم ولا هم يحزنون. إذ لم يعد خافياً على أحد أن الاصطفاف الإقليمي الدولي المعروف هو المتربص اليوم باقتناص الدم الفلسطيني والهوية الفلسطينية لصالح تكريس سلطة الإخوان بأي ثمن كان وفي أي مكان كانْ، إن لم تكن غزة أرض الفِداءِ والعِزَّه وغُرَّة هذا الزمانْ. لكن في هذا من الخطورة ما يعني الكثير الكثير، ليس في الشأن الفلسطيني وحَسبْ، وإنما في الشأن المصري والعربي عموماً، مع ضرورة الأخذ بالاعتبار الفلسطيني أن أية صيغة لمشروع دولة أو دُويلَه أو إمارة، لا يمكن لها النجاح خارج الحُضن العربي ومن دون حاضنة مصر المُتاخِمة سياسياً وجغرافياً وديموغرافياً وتاريخياً.
إنها اللحظة التاريخية التي بإمكان شعبنا الفلسطيني أن يحقق أهدافه المشروعة وفي مقدمتها الخلاص من الاحتلال والاستقلال كسقف أعلى، والاتفاق مع الأمم المتحدة والأطراف المعنية على وضع آلية وجدول بسقف زمني لخروج الاحتلال من دمنا وأرضنا في إطار إحياء المبادرة العربية وداخل سياجها كسقف تدريجي أدنى، وذلك بكامل رضى وتراضي الأطراف أقصى ما نستطيع، لأن في ذلك الضمانة للالتزام والإلزام اللاحق، وعبر التوحد الوطني الفلسطيني والعربي حول رؤية موحدة واقعية ناضجة، تُقِر دون لَبْس بأن من ضحى ودفع ثمن هذه الحَرب غالياً، هو الشعب الفلسطيني أولاً وآخراً سابقاً وحاضراً، وأي إنجاز يجب أن يُثَمَّر في صالحِهِ وحده لا شريك لَهُ. ويبقى الموقف الرسمي الفلسطيني هو البوصلة العاقلة الناظمة لكل المواقف وخلاف ذلك يصبح خروجاً لا شرعياً عن وحدة الشعب وحقوقه المشروعة ومصالحه العليا غير القابلة للتصرف من كائنٍ من كانْ.
نعم، على الجميع أن يدركوا بأننا لسنا خارج هذا الكوكب، ولا خارج نطاق المعادلة الحاكمة لعموم المنطقة برمتها، فنحن من فسيفسائها وجزء أصيل وإن ضئيل منها، وعلينا يتوقف هدوؤها واستقرارها وحتى جوارها، وبالتالي ونحن نخوض هذا الخضم الهائج في طريق خلاصنا واستقلالنا، يجب أن تظل عيوننا وعقولنا مفتوحة ومسدَّدة صوب ما يجري في مصر الشقيقة أولاً وفي سورية ثانياً والعراق ثالثاً وليبيا وباقي كلنا العربي رابعاً وخامساً وعاشراً، ليؤخذ كل هذا بالاعتبار والحسبان عند تحديد المواقف والتحركات ورسم التحالفات.
ما يجري في الوطن العربي ونحن منه، يأتي في سياق إتمام مشروع الفوضى الخلاقة، الهادف لتفكيك المجتمعات العربية، واستيلاد دويلات طائفية وعرقية صغيرة بدلاً من الدولة الموحدة القوية التي لم تعد ملائمة لخدمة المصالح الدولية في المنطقة، وهذا ما يفسر لنا اليوم إجماع المواقف الأورروبية والغربية عموماً على الاستمرار بدعم إسرائيل وسياساتها المتزاوجة والمتداخلة أصلاً مع المصالح الأميركية والغربية عموماً. إذ لا طائل من استمرارنا في اللوم على الإدارة الأميركية ومواقفها الداعمة والمتحالفة مع إسرائيل، وكأن أميركا يجب أن تكون على مسافة واحدة منا ومن إسرائيل وهذا مستحيل، لأن المصالح والشراكات هي المحددة لسقوف وتخوم العلاقات بين الدول وليس القيم والمبادئ والأخلاق، فما نشهده اليوم خير شاهدٍ على مصداق قولنا.
فعمليات التجزئة وإنشاء الدويلات المشار إليها ستكون من أهم المسوغات والمناخات الاستراتيجية بعيدة المدى التي ستبرر وتسهل قيام يهودية الدولة في إسرائيل. ولعمري إن محاولات دعم القوى الغربية وإسرائيل لقيام دولة مارونية في لبنان أواسط سبعينات القرن الماضي، كان هو المقدمة الأولى لهذا المسوغ وهذا المناخ.
وبعد كل هذا فإن على الفلسطينيين وغيرهم أن يدركوا، بأن أي مشروع سياسي بدولة فلسطينية شاملة، أم حتى بإمارة إخوانية حالمة، لا يمكن قيام أحدهما أو كليهما دون ترتيبات وتوازنات توافق المصالح مع مصر والأردن حصرياً وعلى وجه التحديد، فأي غباء في هذا العداء السافر مع مصر، وأي جنونٍ في هذا الحُلم القائظِ بإمارة معزولة، كمن يستبدل حقه في الدولة بعمارَة. فالانتصار الذي تحقق هو انتصار الشعب الفلسطيني بدمه وتضحياته وصبره وصموده الباهظ في مواجهة العدوان والمحرقة التي زُجَّ بها بسبب العدوان، وهو صاحب الحق الوحيد في أي تثميرٍ أو قِطافْ سياسي وطني وحسب.
ثمة من هم متحمسون وإرادويون لا يريدون سماع الحقائق المرة لا بل يريدون سماع ما يطرب آذانهم ويعميهم عن إدراك الحقيقة المرَّة، كنعامةٍ تدفن رأسها بالرمل فتصبح صيداً سهلاً للضواري الشائخَة والمُقعَدَة، فلن نرضخ للمزايدين والمتاجرين الفسائينْ، الذين ينادون باستمرار الحرب كي يزدانوا ويتباهوا بأعداد الشهداء وآلام المظلومينْ، ويرمون الناس بالباطل عن وعيٍ وإدراكٍ وتخمينْ، وهم في أبراجهم العالية بلا ذمّة ولا دينْ، وكمن يتباهى بِشَعَرْ بِنْت خالْتُه ويُنظِّر باسم الإسلام والمسلمينْ.
دعوني أقول لهؤلاء أصحاب الكلام العالي ودعاة التشدد المتطَيِّرينْ، الذين استمرؤوا التغني بمتابعة وإحصاء أعداد الشهداء والجرحى والمنازل المدمرة، ممن لم يغبروا أحذيتهم يوماً لأجل فلسطينْ، سنظل نقول ما يجب أن يُقال ومنه متيقنونْ، وْسَمَا سماكُمْ ما عَلَّمنا الرِّطينْ، لأن انتماءنا سيبقى فقط لفلسطينْ، ولا عدوان إلاّ على الظالمينْ. ويبقى الموقف الرسمي الفلسطيني هو البوصَلَة والعنوان الوطني الجامع والملزم لكل الفلسطينيين.
[email protected]

التعليقات