No Title

رام الله - دنيا الوطن
جنازة رتيبة بائسة ، لكنها -رغم الرتابة والبؤس- تميزت مراسيمها بالصدق والتواضع والبساطة وغياب النفاق والكذب والمراوغة المعطرة بالمسك والعود والصندل ، وبهرجة الجلاليب الحريرية البزيوية والوازانية ، وموضة البدل الباريسية وربطات العنق الموقعة من إيف سان لوران وموديلات السيارات الفارهة ، التي يتباهى بها علية القوم في مثل هذه المناسبات ، التي يكون المتوفى من ذوي الحضوة والجاه ، أو من أقربائه ، حتى البعيدين منهم، وإن كانت "ريحة الشحمة فالشاقور" كما يقول المثل المغربي .لم يحضر الجنازة  إلا قلة قليلة من علية القوم ، ممن أدمى الرحيل المفاجئ قلوبهم ، من المعارف والجيران وبعض الذين دفع بهم الشعور بالواجب الديني لعدم التخلف عن حضور الجنازة ، كفريضة .لأن المتوفى لم يكن رجل سلطة، أو واحداً من الذين أضحوا "ساسة" هذا الزمن الرديء ،  بعد أن صاغوا مذهباً أو اسسوا حزبا ،  ودخلوا على أكتاف مناضليه البرلمان ، ولم يكن رمزاً شاهقاً في عالم الثقافة ، أو أسطورة في كرة القدم أو الغناء ، كما لم يكن إمبراطوراً بين رجال المال والأعمال ، بل كان مجهولا فقيرا منبين المنسيّين المحرومين ، الذين يقضون العمر موتى مع وقف التنفيد ، في انتظار شهادة الوفاة  ..بينما سار وراء النعش المتوفى  ، جمع غفير ممن حزنوا حقّا على موته ، وشق الحزن قلوبهم ، وقرح حزن القهر والضيم والحيف عيونهم ، من أصدقائه في الشقاء ، ومعارفه في البؤس ، و تشظي الإنسانيّة ، وتناثر الهويات ، وغطى مراسيم دفنه الذين فاحت منهم نكهة اليتم والحرمان عبر دروب وأزقة محيط "لاكار" ، من بائعي "الديطاي " وماسحي الأحدية، والضائعين والمنبودين من أطفال الشوارع ..وفي ذلك اليوم الموعود ، وفي منتهى الحزن والكآبة أصر الجمع البئيس على التجمهر أمام مدخل بناية عجوز صامدة في وجه النسيان، في انتظار خروج الجثمان البارد من غرفتة الموغلة في القدم الشائخة البنيان المستوحشة الأسوار ،ليحمل وفي صمت حزين النعش صوب المسجد الذي ربما لم يدخلوه إلا للنوم به ، أناس حزانى يشبهون المحمول في كل شيء ، نفس السحنة الكالحة ، ونفس الملامح المتعبة ، ونفس الروح القلقة ، ونفس العيون المتوجسة ، ونفس بقايا الابتسامات الذابلة ، ونفس الظروف الشقية ، ونفس المعاناة ، ونفس المصير ونفس النهاية .خلاصة الأمر أن مصاب الموت جلل ، لكن له في مجتمعاتنا المنافقة ، مراسم عديدة تختلف حسب أهمية الميت وموقعه على الأرض ، من فقر وغني ، فإن كان للميت نفوذ وجاه وسلطة ، كانت جنازته فرعونية ، ومراسم تشييعه  متميزة بدأ من غسله بماء الأزهار والعطور "السينيي"، والبخور الزكية المجلوبة من الهند والسند، إلى التعامل مع جثمانه بكثير من الأهتمام والتطيب، والاحترام والتبجيل والتعظيم، ويحمل بكل رفق وكأنه يعلم أو يأبه بما يحدث حوله وله ،  أما إذا كان الميت فقيرا كحالة ميت شارع "لاكار"، فأحتمال كبير،  أن يكون قد تم غسله بالماء فقط، اذا وجد الماء .. وللناس في موتهم طقوس  !

التعليقات