باحثون وسياسيون يناقشون الحداثة وحقوق الإنسان والجهوية

رام الله - دنيا الوطن
ارتبطت الحداثة تاريخيا بسعي الإنسان إلى التحرر من ربق الجمود والتقليد، ومن سلطة الاستبداد والقهر؛ وبالانتصار لقيم الحرية والعدالة والديمقراطية، استنادا إلى سلطة العقل والإنسان.

ففي مجتمعاتنا التي تتسم بسلطة التراث والماضي على إرادة الإنسان في إنتاج تصوره للحياة ولمصيره الثقافي والفكري والاجتماعي والاقتصادي.. وُلدت الحداثة في إطار حركة انفصال مزدوجة؛ تنشد التحرر من الاستعمار والاستبداد من جهة، والقطع مع التراث والماضي من جهة أخرى عبر إدماجه في مخاضها المتجدد. غير أن ذلك أنتج حركة مضادة للحداثة تتأسس على الماضي وتعلن الدفاع بشراسة عن الهوية والتراث، وتنشد الحفاظ على الذات والخصوصية. وبالرغم أن هذه الحركة تدرك أن المشروع الحداثي المرتبط موضوعيا بالانتصار للعلم والتقدم، لا يسمح لها برفضه المطلق، بل يفرض عليها القبول على مضض بإنتاجاته العلمية والتقنية، لكنها ظلت تتمسك برفض روحه الفكرية والفلسفية، وقيمه التي باتت بفعل التاريخ قيما إنسانية كونيةً.

هكذا أصبحت الحداثة، عندنا، في صلب الصراع الاجتماعي بين معسكر الحداثة والتقدم ومعسكر الاستبداد والرجعية؛ بل انشطرت حولها داخل كل معسكر رؤى فكرية مختلفة ومنظورات متعددة؛ لكن التطورات الدولية، خصوصا في سياق العولمة، جعلت خطاب الحداثة واقعاً لا مناص منه، وباتت كل القوى تنهل من مفاهيمه، من قبيل: الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة والدولة المدنية والمواطنة... فأضحت مجتمعاتنا تعيش تناقضا واضحا بين طموحها نحو الحداثة كأفق إنساني كوني وبين ارتهانها بماضٍ وتراث يعيق تحقيق هذا الطموح.

وقد أعادت انتفاضات الربيع الديموقراطي بشمال أفريقيا والشرق الأوسط، طرح سؤال الحداثة؛ حيث تطلع الجميع إلى انبجاس آمال ولوج الحداثة والتقدم عبر تجاوز أوضاع الاستبداد وتحقيق المطالب الشعبية في بناء دولة المواطنة وحقوق الإنسان والرفاه الاجتماعي؛ غير أن النكوص الذي عرفته هذه الانتفاضات الشعبية التي أفضت إلى هيمنة قوى أصولية على مكاسب الثورات، عبر اللعبة الانتخابية، بحكم قوة تنظيمها وانغراسها الجماهيري؛ يفرض إعادة طرح الأسئلة والإشكالات حول معيقات الحداثة بهذه البلدان وسبل تجاوزها.

وبالنظر إلى أن أسئلة الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة والحداثة من صميم انشغالات المجتمع المدني وجزء لا يتجزأ  من رؤيتنا ورسالتنا  الجمعوية في مركز مدينتي للتكوين والإعلام بأيت ملول، كان اختيارنا ل"مستقبل الحداثة بعد الربيع الديمقراطي" موضوعا للحلقات الرمضانية لهذه السنة والمنظمة تحت شعار: "المجتمع المدني وأسئلة الديمقراطية".

فأي موقع للعقلانية والحداثة في معترك الصراعات الجارية ببلدان شمال أفريقيا والشرق الأوسط اليوم؟ وأي آفاق لمواجهة تحديات جماعات التطرف الديني بهذه البلدان؟

وأين يكمن دور جبهة الحداثيين في تحقيق الديمقراطية ودولة المواطنة؟ هل هو الدفاع عن السياسة الدينية الرسمية كوقاية ظرفية (عبر إسلام معتدل) من تقدم جماعات التطرف الديني؟ أم يكمن دورهم في الصراع المزدوج ضد الاستبداد الذي يشرعن نفسه بالدين، وأيضا ضد الجماعات الدينية الهادفة لتحقيق "دولة خلافة" أكثر استبدادا؟

هل سيكتفي الحداثيون في معركتهم من أجل الديمقراطية والعلمانية والعقلانية بخوض الصراع ضد الاستبداد السياسي فقط، مع العلم أن هذا الأخير مسنود بقوى تقليدية محافظة وأكثر انغراسا في الدواليب العميقة للمجتمع؟ ألا يشكل رهان كسر السند الشعبي لقوى الانغلاق التقليدية أولوية لانغراس الحداثيين في أوساط المجتمع وتفادي خوض الصراع بأجنحة متكسرة ضد استبداد يشرعن ذاته بقاعدة اجتماعية تقليدية واسعة ومتشعبة؟

ما هي دلالات المسار النكوصي للربيع الديمقراطي الجاري في مصر وسورية وليبيا؟ أيتعلق الأمر بالانتقال من إرادة الشعب كما يدل شعار "الشعب يريد"، نحو نقض إرادة الإنسان باتجاه شعار "الفقيه يريد"...إلخ؟ أم أن ما جرى بعد هذه الثروات سكرات الموت الأخيرة لمشروع الإسلام السياسي؟

طرح كل هذه الأسئلة والإشكالات وغيرها هو الهدف الأساس من هذه الحلقة الدراسية الأولى، لتحفيز نقاش جماهيري واسع وتعددي، وليس الركون إلى إجابات جاهزة ونهائية؛ فالغاية النهائية هي رهان العقل النسبي أولا وأخيرا.

التعليقات