رُعونِة إمِّ النَّامِق ولَئْمَنَةْ أبو فايِك

رُعونِة إمِّ النَّامِق ولَئْمَنَةْ أبو فايِك
رُعونِة إمِّ النَّامِق ولَئْمَنَةْ أبو فايِك

بقلم: آصف قزموز

كان ذلك في أواسط السبعينيات من القرن المنصرم ، عندما كان العم أبو فايك يقطن في بلدة الرصيفه، حيث كان يعمل في شركة الفوسفات الأردنية، إلى أن جار عليه الزمن حين تعرض لحادث سير أقعده عن العمل وأصبح يسير بعكازٍ دائم، فقرر أن يعتاش من بيع الترمس، فكان يجلس طوال النهار بباب بيته على الشارع يبيع الترمس للأطفال والمارة، ولما ازداد الأمر سوءًا قرر أن يقسم الحوش الذي كان يقطنه بسورٍ فاصل فيؤجر نصف البيت ويبقى وأولاده الصغار في النصف المتبقي.
وكان أن استأجر عنده أحد العمال الذين ضاقت بهم السبل وسوء الأحوال، وكان العامل يقضي طيلة النهار في العمل الشاق تحت أشعة الشمس المحرقة حيث لم تكن سبل ومعدات الوقاية الشخصية متوفرة للعمال بمستوى ما هو متوفر هاليام وْمع هيك بنلاقي كل يوم حادث عَمَل، لكن زوجة العامل المستأجر لدى أبو فايك معروف عنها في أوساط نساء الحارة إن لم نقل في عموم الرصيفة أنها امرأه شَراَّنِيِّه بِتْلاقي الطُّوشِه ابْزَغْرودْ، يعني مشكلجية بتقاتل ذبان وِجِهْها إن لم تجد من تقاتِلُه، لكن ربك ما بيرمي حدا بِحجار، فالشَّراني بِيْبعَثلُوا من هُو أشَر مِنو والسافِل بِيبْعَثْلو اللي أسفل مِنو، واللئيم بِيِبعَثلو اللي ألأَم منو...وهكذا.
ولما اشتدت الحرب اليومية ما بين العم أبو فايك والست إم النامِقْ، سليلة الشَّر والشَّيْطَنِهْ، وسفالة خنزيرٍ من مستوطَنِهْ، بدأت الفوارق في ميزان القوى تظهر بوضوحٍ داعِشِيٍّ سافِلٍ أشَرّْ، ويكفي أن نقول أن أبو فايك كان يتمتع بهدوءٍ خبيثٍ قاتِلْ وذكاءٍ ولُئْمٍ ودهاء تعجز عنه الثعالب في البراري الموحِشَهْ، والدِّبَبَه في القِفار المتجمِّدَهْ، في حين كانت أم النامِقْ تتصف بالعَصبية والهُوبَرَه على جَعْجَعَة من دون طَحْنْ محملة على الصوت العالي أم بِي ثْري اللي بيجيب مِن آخِرِ الدنيا وْلِجْبالْ بِتْجاوِب صَداهْ، وْما بِعْرِف يِتْفاهَم معاها غير ألله بْسَماهْ، لكن اعْرِفنا الآه وْقُلنا آهْ وْمِيت آهْ، وْهايْنا عايْشين ابْشِقِّ الأَنْفُسْ وْمِيت يا وَيْلاهْ.
على كل حال أبو فايك حَط إم النامق ابْراسو وْقرر إخلائها من ديارها بأي ثمن، مِثِل ما أخْلونا اولاد عَمنا بِلا ثَمن، يُومِن ما قال الشاعِرْ: هَب جنَّةِ الخُلْدِ الوطَنْ لا شيءَ يَعْدِلُ الوَطَنْ، وْتُهنا من يومْها لا حْصان إلُو لْجامْ ولا بعير إلُو رَسَنْ، واشتعلت الحرب اليومية ما بين أم النامق وأبو فايك، وصاروا يومياً ايْفَرجوا الحارة عَ حالهُم، وعقد أبو فايك العَزْمَ على أن يجر أم النامق لمربع الصراع الذي يحددهُ ويريدُهْ، واستطاع أن ينجح في تحويل المعركة معها لحرب استنزاف حقيقية ومنها لحربٍ باردَة، حتى ايْسَتْوِي إم النامق على نار هادية وبلا ضجيج، وْمن يومْها وْإم النامق بِتْلاطِشْ وْ بِتْراطِنْ، وِبْتِتْلَسْوَع فُوق صَفيحْ ساخِنْ، شَعراتْها هَرِّيْن عن راسْها وْمساحيقها وْكُحْلِتْها عَ وِجِهْها ساحِنْ، واضعاً نُصْبَ عينيه هدفاً لا رُجوع عنه وهو أن تُخلي إم النامق البيت بأقصى سرعَهْ. ( على فكره حرب الاستنزاف أخطر من النزيف الداخلي الذي يقتل الإنسان بصمت وْعالهِسِّهْ، وِالحَرب البارْدِه أسوأمن ضغطِ الدم الي بيسموه القاتِل الصامِتْ، ما انتو عارفين وْشايْفين، بس في ناس ما بِيْشِمُّوا الأشياء ولا بِيصدقوا غير تا اتْلَحِّسْهُم اياها، خصوصاً لما بيكونوا يِتْعَلموا البيطَرَه ابْحَميرِ النَّوَرْ، وْبيتاجْرُوا ابْتَعَب غيرهُم).
وفعلاً بدأت الحرب الطاحنه بين الطرفين، فكان يجلس أبو فايك يومياً بباب البيت، بعد أن يكون أبو النامق قد خرج إلى عمله في ورشة الفوسفات، وهيك بيكون الثعلب فاتْ وْلَف بْذيْلُه سَبع لَفَّاتْ، فيستهل أبو فايك المعركة منادياً على ابنه فايك وهو يلعب مع اوْلاد إم النامق في فناء الدار أو الحوش، فيقول له بهَمسٍ لئيم: شايِف يابا هذا القِرِش بدي اعطيك اياه إذا بِتْروح تِسْمُطلي نامق كَف على خيط رَقبَتو بس ايْكُون مَلِوْ ايْرِنْ رَنْ. فيذهب فايك عالسريع وِيْروح شامْطُو الكَف( طبعاً نامق أصغر من فايك، فيصرخ باكياً على طول صوتُه يا يَما يا يَما فايك ضربني).
تخرج إم النامِق على عْياطِ الولد، ولأن الأمر بات يتكرر يومياً وأبو فايك ينظر إليها مبتسماً بخبث ابتسامة ناطقة وكأنما يقول لها: نعَم أنا اللي وَزِّيْتُو يِضُربو، طبعاً وْيِدْلَعِلْها لْسانوا كمان حتى ايْغيظْها أكثر، وعينكوا ما تشوف إلاَّ النور وإم النامِق وهي ابْتِصْرَخ من قَحِف راسها وْعلى طول صوتها بِتْحَدِّف الشتايِم وِالتَّشاكيْعْ وِالمسبَّات، من عْيارْ: يا شايِب يا عايِب يا منْعول أبوك يا اعْرَجِ الكَلْب يا بياع الترمس والله لَخَلِّي المِشْتْهي يِتْفَرَّج اليوم( طبعاً مثل هيك شتايِم وِمْعايَره بِشُغلُو كانت اتْخلي كل أهل الحارة يِشْفَقُوا عليه وْيِتْعاطَفوا مَعُو ضدها، يعني الزلَمِه مكسور وقاعِد على باب ألله)، بينما أبو فايك بكل هُدوء ينهَض وبصوت عالي متعمد وِيْجاوِبْها على مسامع كل الناس: الله يستُر عليكي يا اخْتي الله يسامحِك وْيِحمالِكْ هالشَّمعات والله بَعْتَبِرْهُم ابْغَلاوِتِ اولادي لكن شو ايساوي اللي ما إلو حَظْ يا جماعة، بِتْعايرني إني بياع ترمس مِشْ عيب سِت فاضْلِه زَيِّك يِطْلَع منها هيك كلامْ يا حيف عالجيرِهْ، سا معين يا اهل الحارة، هاي هِي أُصول الجيرِهْ، الله يسامحك وِيْخَليلك اولادك يا رب، على كل حال أنا ما إلي حَكي معاكي أنا إنسان مُقْعَد وِالشُّغل مِشْ عيبْ يا ام النامِقْ بالترمس وِلاَّ بالفوسفات مهو الفوسفات بيعملوا منو الصّرامي وِعْجال السيارات، وِلاَّ لا يْكون جوزِك امْعَيْنينو خبير في الفوسفات وانا مِش داري، على كل حال لما بيجي جوزك بَرُد الخبَر عليه.
طبعاً بعد ما يخلص كل هذا لحكي على مسامع كل الناسْ، بِيْقَرَّب عليها من فوق السور اللي بينهُم وْيِبْدالْها بالكلام اللي طالع نازل بصوت واطي ما يِسمعو حدا غيرها، إشي بِنْحَكى وْإشِي ما ابْيِنحَكى، تَشاكيعْ مْنِ الزنار وْتِحِت غير اللي من فوق الزنار، من نوع : يا ساقْطَهْ يا كَرْنيبِهْ يا عايبِه يا عكروتِه يا فوقِك يا تِحتِك يا صِفْتِك يا نِعْتِكْ، والله لاعْمَل وَسَوِّي فيكي إذا ما ابْتِرْحَلي من هالدار، والله لَحْشِي إجْري ابْصُرمايِةِ اللي كانيتْشْ يا ام بَرْبورْ، وْكمان يصير يِدْلَعلْها بِلْسانوا وِيْأشرلها باصباعوا الوسطاني حتى يستفزها. وعلى طول ام النامق إنْكُش تِوَلَّعْ تفتح صوتها على طولو من جديد، شتايم ومسبات بأبو فايك، وهو من طرفو ايْعاوِد بعِلْوِ الصوت نفس الكلام الأول : الله يسامحك الله يستُر عليكي...الخ. وهكذا الحاره كلها سامعَه إم النامِق بِتْسِبْ وْبِتْشَكِّعْ لابو فايك، وبالمقابل مش سامعة من أبو فايك غير كل خير.
وبعد كل هذا والذي، ما يلحق ينزل أبو النامق من باص الشُّغُل، حتى يلاقي ميت واحَد يحكيلو عاللي سَوَّتوا إم النامق بأبو فايك، من نوع : يا أبو النامق بِصراحة حُرُمتَك ما خَلَّت على هالزلمِه سِتْرِ امْغَطَّى وْلَعْنَة سنسفيل أجدادو، والزَّلَمِه على باب الله وْربنا الله والله ما طِلِع مِنو العيبِه، ابْصراحَة الزلمة اتبهدَلْ وانتي رجال غانم وما ابْتِقبل المهانِه لحدا.
يعني ما بِوْصَل أبو النامق الدارْ، إلاَّ أهل الحارة صاروا امْعَبْيين راسو في اللي صارْ وِاللي ما صارْ. وْعلى طول مِن حَدْ ما يِوصَل بِشْلَح هالِقشاط وِبْيِنزَل ابْمَرَتو كَتِل تا ايسَبِّغ اجنابْها وهي تِتْرجَّاه وِاتقولوا : من شان ألله بس خليني أفَهْمَك واشرَح لك الموضوع. وهو مستمر يِضرُب فيها وين الحنب اللي ابْيوجعك ويْقول لْها: وَلِكْ لَليش بدك تشرحيلي ما كل أهل الرصيفة شَرَحولي، وَلِكْ هُو ظل بِدْها شَرِح وْظل حدا ما حكاليشْ، الله لا يوفقك يا ابْعيدِه سَوَّدتِ وِجهي مع جارنا ومع الناس اللي سِمعو صوتِك وِلْسانِك اللي بدو قَصْ، إلهي زهرمان البخاري اللي يِهفيكي وِيْخَلِّصني مِن بوزِكْ العاطِلْ مثل بوز نعجِةِ ام عيسى لِمْوَرِوْرِهْ. واستمر الوضع على هالحال تا رحلَت إم النامق ابْليلِه ما فيها ظَو قَمَرْ، وصار ايْغني أبو فايك: أسمَر عَبَرْ مِثل القَمَرْ عالي سَماهْ، بين الدروب عِند الغُروبْ يِحكي لأِهل العِشقِ أسرار الشِّفاهْ.
وْهاي قصتنا مع نتنياهو وأمثالُهْ المتعاقبين علينا على مَرِّ السنينْ، يا جماعَة بيكفي اللي صاير فينا حتى الآن، معقول الناس اتظل اتجرجِر فينا لمربعات الخصم على البارد المستريح، فيأخذون الشارع بينهم سجالاً بالتحريض والدعايات المغرقَة وزارعَة الفِتَنْ، بمواقف وشعارات مزايدة لجرنا وزجنا في أتون ما يسمونه بالانتفاضة الثالثة. إذ لا يكفي أن تكون وحدك المدرك لعدالة قضيتك وحقك في الدفاع عن هذه الحقوق التي لا رِيْبَ فيها ولا فصالْ، وإنما الأهم أن تُسَوِّق مواقفك وسياساتك وخطابك وتظهر للعالم وجه العدالة الحقيقي لحقوقك بشكل جيد ومقنع، ولا أدل على مصداق الصورَة البائسِه مما شهدناه بالأمس القريب وفي عز القصف على غزة، حين سارع السفير الفرنسي لدى تل أبيب بزيارة تفقدية تضامنية مع سكان بعض المستوطنات الإسرائيلية، دون التفاتَه أو كلمة مما عهدناه من سياسات ومواقف فرنسية أكثر إنسانية واعتدالاً من منطق الاحتلال المجرم. ولا يجوز أن يظل حالنا حال أم النامق برعونتها الهوجاءْ وسذاجتها البلهاءْ، مع أبو فايك الذي خطط لها بدهاء وخاض معها حرب استنزاف وباردة في آنٍ معاً بنجاحٍ منقطع النظير وكان ما كانْ.
وها نحن نعبر الألف ما بين شهيدٍ وجريح، وتدمير مئات المنازل والمنشآت وشل مقومات الحياة الفلسطينية، في ظل فقرٍ ومجاعة مرئية ومستترة، ولا أحد يعلم عقباها ومآلاتها حتى الآن.
الموضوع مش موضوع مزايدات كلامية، إذ لا وقت لمزايدات يدفع ثمنها الشعب من دمِه وأرضِهِ وحقوقِهِ المشروعَهْ، خَلُّوها فوق الصَّمت وْتِحتِ التوريط، فنحن من حقنا أن نقاوم الاحتلال وهو حق مقدس لا ريب فيه، ولكن بالوسائل المشروعَه والمتاحَه والمُجْزِيِه في موازين الربح والخسارة الدولية والوطنية أولاً وآخراً، لأن حماية الشعب لها أولوية قصوى على المقامرة به تحت أي ظرف كان، ويجب أن تكون أولوية كل الفلسطينيين على اختلاف مواقفهم ومشاربهم كل من موقعه.
لكن في مطلق الأحوال، وخضَم ما يجري، فإن إسرائيل تتحمل اليوم كامل المسؤولية عن إزهاق أرواح الفلسطينيين في حرب إبادةٍ خارجة على القانون والأخلاق الإنسانية والقوانين السماوية والوضعية، فإن كانت صواريخ المقاومة عبثية كما يعتبرها البعض، فإن سياسات الإحتلال العدوانية أكثر عبثيةً واستهتاراً كذلك، ولا بد من وقفٍ فوري للنار الظالمة على غزة، وتأمين الحماية الدولية لعموم الشعب الفلسطيني، لأن ما يجري من عدوان على غزة جزء مما يجري على القدس والخليل وباقي الأراضي الفلسطينية، فحماية الشعب وحقن دماء الأبرياء أسمى وأولى من أية أهداف سياسية في الصراع وعلى أية مستويات أو جبهاتٍ كانت، واستمرار العدوان على شعبنا جريمة حرب إسرائيلية ودولية بامتياز ووصمة عارٍ بحق الإنسانية.
[email protected]

التعليقات