جذور انتفاضة مناطق 48

جذور انتفاضة مناطق 48
بقلم: عبدالله عيسى

ما حصل خلال الأيام الماضية كان مجرد بروفة لا أكثر لكوارث حقيقية تحيط بإسرائيل من كل جانب والحقيقة التي كشفت عنها أحداث العنف في الضفة بين المستوطنين ومناطق 48 أن إسرائيل تقبع تحت حصار لم تشهده منذ عام 1948 .. وإذا أضفنا لم جرى أي حرب قادمة قد تحصل في أي وقت بغزة ولبنان فان توقع الشيخ احمد ياسين بزوال إسرائيل وتوقع السيد حسن نصرالله بزوال إسرائيل أيضا لم تكذبها الأحداث الجارية .

سياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ إقامة دولة إسرائيل عام 1948 على يد بن غوريون ولغاية الآن مرورا بكل حكومات اليمين واليسار والتي خضعت جميعها لاملاءات قوى يهودية متطرفة زرعت بيدها بذور دمار إسرائيل في يوم ما إن بقيت السياسة الإسرائيلية على حالها وان لم يقم حكماء إسرائيل بمراجعة هذه السياسات تجاه الشعب الفلسطيني والدول العربية .

فلسفة حرب حزيران عام 1967 قامت في إسرائيل على يد غولدا مائير باحتلال ارض فلسطينية وعربية لتكون محل التفاوض بدل التفاوض على أراض مناطق 1948 كما كان الحال قبل حرب حزيران 67 ووضع شامير أسس هذه المفاوضات منذ مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 بان تكون مفاوضات إلى الأبد مع الفلسطينيين .. ولم تخرج كل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة عن خطة شامير للمفاوضات فأي مفاوضات في العالم  تستمر أكثر من 20 عاما بدون نتيجة تذكر حتى الآن .

بعد إقامة إسرائيل عام 48 هاجر معظم الشعب الفلسطيني من أراضيهم ومدنهم وقراهم لسببين الأول كان لجهل كثير من الناس في تلك الفترة وحتى أن بعض عناصر المقاومة الشعبية الفلسطينية شجعت الناس على الهجرة اتقاء لشر مجازر العصابات الصهيونية والسبب الثاني كانت المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية عام 48 لتهجير الفلسطينيين مثل مكفر قاسم ودير ياسين والخ .

بقي من بقي من أهلنا في مناطق 48 والغريب أن هؤلاء الناس واجهوا الأمرين بعد النكبة وبعض أقاربهم قاطعوهم لأنهم لم يغادروا فلسطين وتعاملت معهم الدول العربية باتهامات غريبة بل أن الفلسطيني المقيم بدولة عربية إن تقلى رسالة من ذويه في مناطق 48 عن طريق الصليب الأحمر كان يصبح محل اتهامات لاداعي لذكرها " وقد روى الرئيس ابومازن هذا الواقع المرير في احدى كتبه بعد عام 1982 " .

عاش هؤلاء الناس في مناطق 48 بغربة حقيقية واعتبرتهم الدول العربية وحتى الثورة الفلسطينية في مرحلة أولى نسيا منسيا .. حتى إقامة السلطة الفلسطينية عندما فتح أبو عمار كل الأبواب لأشقائنا في مناطق 48 واعتبرهم جزءا لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني .

تعرفنا عليهم بعد وقت طويل والغريب أن هؤلاء الناس عاشوا مثل أهل الكهف توقف التاريخ عندهم لغاية عام 1970 ومن أتيحت له لقاء كبار السن من عرب 48 تجد أن هاجسهم الوحيد هو جمال عبدالناصر ولا يعترفون بزعيم عربي غيره واعتقد أن السبب كان على مدى سنوات طويلة غربتهم على أرضهم وان جمال عبدالناصر كان الزعيم الوحيد الذي طرح علنا إزالة إسرائيل وشعارات فلسطين من البحر إلى النهر والخ وذلك قبل حرب 67 .. أي نظروا إليه كمخلص لهم من غربتهم في إسرائيل ولم شمل الشعب الفلسطيني .  

انتهت أمالاهم  بهزيمة حرب 67 ولكن إيمانهم بجمال عبدالناصر لم يتزعزع خاصة عند كبار السن الذين عايشوا عبدالناصر اما الجيل الجديد فكانت غربته اقسي واشد وأصبح لديهم انتماء لاشك فيه بالرئيس الراحل ابو عمار بما فيه التيار الإسلامي الذي لم يتخلف يوما عن زيارة ابو عمار بغزة او رام الله.

انتمى شعبنا في مناطق 48 لاتجاهات سياسية كثيرة من المستقلين وأحزاب عربية والتيارات الإسلامية واليسارية حتى ظهور الأعضاء العرب في الكنيست الإسرائيلي الذين لعبوا دورا كبيرا في قيادة الجماهير العربية من كل الطوائف المسلمين والمسيحيين وابناء الطائفة الدرزية وكلهم فلسطينيون إلا انه درجت العادة على تسميهم بعرب إسرائيل وهي تسمية إسرائيلية لسبب أنها قبل اوسلو لم تكن تعترف إسرائيل بوجود شعب فلسطيني وان من يعيش في إسرائيل هم عرب .. واستخدمت التسمية وسائل الإعلام العربية والفلسطينية وان كانت التسمية لا تعني الكثير الآن لان الواقع هو الأهم ." رغم أن الصديق الطيبي ينبهني دائما إلى عدم استخدام مصطلح عرب 48 وانما فلسطينيو 48 ".

يروي د.احمد الطيبي نائب رئيس الكنيست ومن اشد المقاومين لسياسة التمييز الإسرائيلية ضد العرب قصة غريبة شكلت منعطفا في حياته فيقول :" بدأت حياتي عاملا في مصنع إسرائيلي وذات يوم جاء مدير المصنع وضرب عاملا فلسطينيا في المصنع بالشلوت لأنه أخطا وفوجئت برد فعل العامل انه قابل شلوت المدير الإسرائيلي بابتسامة خضوع وخنوع فصرخت في وجه المدير الإسرائيلي ووبخته وتشاجرت معه وهددته بالشكوى ووبخت العامل الذي قبل الاهانة ".

ويضيف الطيبي :" هذه الحادثة كانت نقطة تحول في حياتي فقررت دراسة الطب وان أناضل من اجل حياة كريمة لشعبنا وان أقاوم كل سياسات التمييز الإسرائيلية ضد العرب ".

هذه كانت باختصار شديد البداية فقط وسنأتي على تفاصيل ما يجري الآن والخطر الجسيم الذي يهدد إسرائيل من داخلها لاحقا .

التعليقات