أما آن لشعبنا أن يترَجَّلْ ولمجلس الأمنِ أن يَخْجَلْ...؟!

أما آن لشعبنا أن يترَجَّلْ ولمجلس الأمنِ أن يَخْجَلْ...؟!
أما آن لشعبنا أن يترَجَّلْ ولمجلس الأمنِ أن يَخْجَلْ...؟!

بقلم:آصف قزموز

قالوا إن رجلاً فقيراً ضاقت به السُّبُل، فلم يُوَلِّي الدُّبُر فَقَدُّوا قميصَهُ من قُبُلْ، ولم يجد ما يعتاش به أو ما يقيه شرور الفقر ولانعدامْ، فآثَر الهدوء والسكينَهْ فنامْ، بعد أن صلَّى وصامْ، وكان ذلك في بدايات القرن المنصرِم، إبان عهد المسكوب والأتراك في حرب القِرِمْ، حيث كان البكوات والباشوات والإقطاعيون عموماً، يتسيدون الفقراء حد الاستعبادْ لزوماً، فكان أبو مصباح لا يملك حتى قوت نفسه والعيالْ، ولم يبق إقطاعياً أو صاحب جاهٍ ومالْ، إلاَّ وعرض عليه نفسَهُ لجلب قوتٍ حلالْ، بيذكرنا بالأبنودي شاعرنا اللي قالْ، مال عليا مال هَل كأنو هْلالْ، وانا قاعِد حيران لوحدي وِفْ عِينَيَّا سؤالْ، كلمني عن بيتنا الطَّيب وِاللُّقمَة الحَلالْ، كان مستعداً للعمل في خدمة أي باشا بأي ثمن بَخْسٍ أو معاش ولكن دون جدوى، لأنه وكما تعلمون اللي ابْيِعرض ابْضاعتُه ابْتِرخَص، واللي بتحاول اتقدملو اصباعَك بيصير بِدو يوكِل ذْراعَكْ.
اتصوروا إنو راح في أحد الأيام يطلب من أحد الإقطاعيين أن يشغله راعياً، فأجابَه أنه ليس بحاجِه لراعٍ جديدْ، ولديه منهم ما يكفي ويزيدْ، فقال أبو مصباح: يا سيدي شغلني وما بِدي أجار فقط عالمونِهْ. فأجاب: لأ هيك كثير بِدَّك اتْراعينا. فقال: اطعمني وجبتين في اليوم بدل ثلاثِه. فأجاب: لأ بدك اتراعينا هيك كثير. فقال: شو بدي أراعيك يا سيدي بَصوم لك خميس وجمعَه كمانْ.
المهم بعد ما رضي أبو مصباح بالبين والغُلُب، اشتغل راعي بأقل من ربع المونِه، يعني لولا لُطُف ألله كان الإقطاعي بدو يوكِل على حساب أبو مصباح، لكن مع الأيام اتحسن الحال وصار عند أبو مصباح مَرَه وِوْلادْ.
ومنشان تِكمل عَ لِحيِة أبو مصباح، انْدَل عليه ضابط تركي ما كان يِحلالو غير ييجي كل كام يوم يريِّح ويسقي لحصان ويطعميه على حساب أبو مصباح، وصار من حَد ما يُصَل عندو يناولُه رسن لحصان ويقولو روح وَلَا اسقي لِحصان وطعميه، فَيثور أبو مصباح ويرفض وصوتو يملي الحارة وهو يصرِّخ بوجه الضابط وِيْطاقِع مثل الحبة بالمِقْلى، وعلى طول يقوم الضابِط وْيِنزَل بأبو مصباح سَلخ بالكُرباج يا مايْلِه اتْعَدَّلِه تا ايْنَهِنْهُهْ مْنِ الكَتِل قُدام مَرتو وِوْلادُه، لكن بَعِد ما ايْسَتْويه مِنِ الكَتِل وِيْسَبِّغ جْنابُهْ ايقولو طَب هات لحصان وِيْروح مثل الولد الشاطِر يسقيه وِيْطَعميه، واستمر الوضع على هذي الحال والمنوال، يحضر الضابط في كل مرة فيرفض أبو مصباح القيام على سقاية الحصان وإطعامه ويرغي ويزبد في وجه الضابط الى أن يقوم الضابط بإشباعِه ضرباً بالكرباج وركلاً بالأرجل والأيدي حتى ينهك تماماً فيعاود ويخضع لطلب الضابط، فيسقي الحصان ويطعمه ويطعم الضابط أيضاً، ولم يحاول أبو مصباح أن يعيد النظر ولو مرة في تعنته ورفضه الذي لا يصمد لأكثر من دقائق معدودة تسبق العَلقَه اللي ظل يوكلها على مرأى من زوجته والأولاد الذين كانوا يشبعون الضابط شتماً مضمراً في سرهم وحسب.
وبعد مرور سنوات على هذا الوضع المتكرر، حضر الضابط كعادته وإذا بمصباح الإبن يتقدم للإمساك برسن الحصان ليقوم بسقايته وإطعامه، فدهش الضابط وتساءل : أين أبوك يا ولد ؟! فأجابه: لقد مات يا سيدي وأنا من سيقوم بخدمة الحصان، فقال له: لك ذلك وأعطاه الحصان، وبينما كان يسقي الحصان ويقوم بواجبه، كانت أم مصباح اتْتَمْتِم بمسبات ودواعي على مصباح، وعيونها تِقدح شرار من الغضَب كيف مصباح يستجيب للضابط بها السهولِه، وما أن اقترب منها وهو يمسِك بالحصان حتى انفجرت به قائلةً : اتْفُو عليك يا مصباحْ يا نذل يا واطي، يا خسارة البطن اللي حَمَلَكْ وِ الحليب اللي رضعتك اياهْ، انتي حاسب حالك زلمة يا كلب ؟ ولك بَقُصْ عُقُصْتي إذا طْلِعِت زَلَمِه يا هاملْ، الله يرحمو أبوك السبع وِيْبَشْبِشِ الطُّوبِه اللي تِحْتْ راسُو، والله عُمرو ما قِبِل يِسقيْه إلاَّ ابْقَتْلِه امطَنطَنِه تِسمع فيها كل البلد وأهل الحارة، بس شو بدي أقول في واحد شايِل جِلْدِة قَفاهْ وْحاطِطْها عَ وِجْهُو، على جيل بَعْبَعْ اللي بوكِل ما بِشْبَعْ بيروح ما بيرجَعْ وبيحكي وما ابْيِسْمَعْ، الله اللي يِصْطِفِل فيكم يا جيل شارع رُكَبْ والأراجيل والفيس بوك والجلاكسي وِنيولوكْ.
على فكرة يا إخوان بلغ عدد الممنوعين من الوصول لمواقع عملهم داخل الخط الأخضر من حاملي التصاريح في منطقة الخليل منذ عملية المستوطين الثلاثة أكثر من عشرين ألف عامل، وإغلاق الطرق والحواجز في الضفة الغربية، استشهاد سبعة شبان فلسطينيين حتى الآن، عشرات الجرحى في الضفة وغزة، تدمير بيوت ومنشآت سواء بالهدم في الخليل والضفة أم بالقصف في غزة، وما زال الحبل على الجرار والغارب في آنٍ معاً.
خطف المستوطنين الثلاثة كان طوق النجاة لنتنياهو الذي ربما كان ينتظر هكذا عملية بفارغ الصبر، ولولا جحشنة المستوطنين اللي خطفوا الشهيد محمد أبو خضير لاستمر التنكيل والتدمير بأبشع من الهولوكوست الذي مارسوه بحق الشهيد أبو خضير الذي تم إحراقه حياًّ قبل أن يفارق الحياة، يعني هذا الشهيد عملياً افتدى شعبنا بدمه، لأن نتنياهو كان مندفعاً باستثمار خطف المستوطنين أبشع استثمار ودمار بحق شعبنا.
وهل بالصدفة كانت خسائر الشعب الفلسطيني في انتفاضة النفق العام 1996 بلغت 63 شهيداً إضافة لكل ما لحق بنا وباقتصادنا ومجتمعنا من دمار وخراب.
في انتفاضة الأقصى العام 2000 كانت خسائرنا المستمرة حتى الآن، خمسة آلاف شهيد بينهم 970 طفلاً، و60 ألف جريح بينهم 1500 معاق إعاقة دائمة، وفي كل مرة الإنجازات صفر وحالنا ينتقل من سيء إلى أسوأ.
العمليات الانتحارية سهلت لإسرائيل مهمة بناء جدار الفصل العنصري، وتقطيع أوصال الوطن الفلسطيني عبر تكريس الحواجز بثلاث معابر بحجج أمنية، ناهيك عن تدمير مقومات الدولة الفلسطينية وأجهزتها، إضافة لنجاح سرائيل الباهر ببناء نظام فصل عنصري متكامل.
نعم، لقد نجحت اسرائيل في تقطيع أوصال الضفة الغربية وتقسيمها الى ثلاث معازل عنصرية في الشمال والوسط والجنوب، تربطها ثلاث معابر رئيسية هي: قلنديا وزعترة وقبة راحيل، كما أوجدت لنفسها المبررات في بناء شبكة مواصلات وطرق خاصة بالمستوطنين، بلغ طولها أكثر من 1270 كيلوميتر، إضافة لأكثر من 48 نفقاً خاصاً بهم. وقد جاءت تلك العقوبات عقاباً على عدم قبولنا الموافقه على العرض الاسرائيلي الباراكي المزعوم بإقامة دولة فلسطينية على حوالي 90% من أراضي الضفة الغربية مضافاً إليها كامل قطاع غزة.
أما نحن فقد ظلت الانجازات في كل نَطَّهْ صفر وهبطنا بحقوقنا لما دون الصفر وأدنى.
كانوا في الماضي يستسقون دمائنا ويُجَرْجِروننا إلى المربع الذي يريدون، أما اليوم أصبحوا يبحثون عنا من أجل جرنا فيتفاجأوا أننا سبقناهم الى المربع الذي يريدوننا فيه وأكثر!! معقول، لأ مش معقولْ ؟!
صحيح أن الاحتلال فاجر، والقوي عايب، لكن أما آن الأوان أن تقف كل مكوناتنا المؤسساتية الوطنية والفصائلية والسلطة، وقفة مراجعة جادة ولو مرة تحقن دم ومقدرات شعبنا وحقوقه؟! إذ لا يمكن استمرارنا بالانجرار لهذه الملهاة المنتجة اسرائيلياً، التي يريقون ويستسقون من خلالها دم شعبنا ويستبيحون حقوقه المشروعة على هذا النحو بأفدح الأضرار من جانبنا وأبخس الكُلَف والأثمان من جانبهم. نعم يا سادتي والحق يقال: نحن نفوز بالبطولة الدامية أمام شعبنا ونحظى بالتصفيق الحاد والتكبير والتهليل أكثر من أبو مصباح الذي ما زال يتكرر فينا ونعيد انتاجُه، ولكن لم نسجل في رصيدنا أي إنجاز يخدم قضيتنا.
إن هذا التقصير واللامسؤولية من قبل الأمم المتحدة تجاهنا، يستنزف اليوم أية مبررات أو شماعات لها وللسياسات الإحتلالية المحمولة على منطق التعنت والقوة الغاشمة الخارجة على القانون. الأمر الذي قد يفتح الصراع بين الشعبين هذه المرة على مصراعيه باتجاه الذهاب لفوضى مفتوحَة يصعب لأي قوة السيطرة عليها، وستدفع بالملف الفلسطيني في أحضان مجلس الأمن والأمم المتحدة، ومع كل تصعيد إسرائيلي وانفلات سياسي احتلالي على النحو الذي يجري، تقترب أكثر فأكثر ساعة الصفر وطَفْح الكَيلْ لإلزام الأمم المتحدة بتحمل مسؤولياتها في حماية شعبنا من المستوطنين الاستيطان، وفرض حل سياسي يضع حداً لهذا الاحتلال. ولعمري إن ما يجري من تصعيد دموي إسرائيلي استيطاني لن يكون معزولاً ولا مفصولاً عن حالة الفوضى الخلاقة التي تعصف بدول المنطقة منذ سنوات، ولن تكون اسرائيل بمنأى عن ذلك، لأن فلسطين جزء هام وأصيل من فسيفساء خارطة المنطقة المزمعة لقيام الشرق الأوسط الجديد.

عندما عقدت اجتماعات الفصائل الفلسطينية في القاهرة، لبحث مسألة وقف العمليات الاستشهادية، كان الأكثر تشدداً وإصراراً على الاستمرار بها مندوب الفصيل الذي لم يقم بأي عمل مقاوم يذكر ولا وزن أو ذكر له بين الفصائل.
دعونا قبل ما نِعْرُطْ وْنِفْصَع حَكِي على بعض، انْفكر ولو مرة بعقل المواطن الغلبان المتضرر وعين وعقل المواطن الذي قدم الشهداء والجرحى والمعتقلين، دعونا ننظر لدعاة العنف ولانتفاضة الثالثة بعين الأم الثكلى الدامعة ألماً وحسْرَة، عسى أن نستفيد ولو مرة من تكرار ذات الخطأ. فها هو موشيه يعالون يقرر انشاء مستوطنة جديدة على أراضي حلحول وخلفية المستوطنين الثلاثة، والهدف من وراء ذلك عقاب الشعب الفلسطيني وخلق تواصل ما بين مستوطنات مجمع كفار عتسيون الاستيطاني.
أما آن الأوان أن يتنازل السياسيون والفصائليون عن بعض مصالحم لصالح الشعب وقضيته الوطنية؟!
لقد آن الأوان ودقت ساعة الصفر لوضع المجتمع الدولي والأمم المتحدة أمام مسؤولياتهم في حماية الشعب الفلسطيني ووضع حد لهذا الاحتلال المجرم.
[email protected]

التعليقات