الشيشة وباء تجتاح المجتمع الفلسطيني وتسبب العديد من الأمراض

الشيشة وباء تجتاح المجتمع الفلسطيني وتسبب العديد من الأمراض
غزة -دنيا الوطن- رامي الغف

تشكل ظاهرة تدخين الشيشة او ما يطلق عليها بالأرجيلة، عند الكثير من المواطنين الفلسطينيين والمنتشرة اليوم في الكافي شوبات والمقاهي والطرقات العامة خطرا فعالا على حياة إحدى أهم مكونات وشرائح المجتمع وباتت سلوكا فرديا بين الشباب والشابات حيت تطور الأمر ليشمل الصغار وصار هذا الخطر يهدد البيوت وليشمل حتى الفتيات، واليوم العديد من الرجال والسيدات يعيشون في ضياع بين المعسل وفحم الشيشة ودخانها القاتل وباتت الأنيس مائها ورائحة دخانها، هذا المشهد يتزايد يوميا بين الاطفال المراهقين في سن العاشرة والرابعة عشرة من العمر ولعل الأسباب كثيرة منها التغييرات الفسيولوجية لدى المراهق خصوصا الشباب الذي يملك قراره ما يدفعه لتجربة كل ما هو جديد محاولا التمرد على الذات وضعف سيطرة الأهل وتغيير منظومة القيم بالإضافة إلى عامل الفراغ الاجتماعي الناتج عن البطالة وقله العمل.

أعباء جديدة

ان تدخين الشيشة أو الارجيله حديثه العهد في فلسطين إذ انتشرت الظاهرة بعد عام 1994 خصوصا بعد عودة السلطة الوطنية الفلسطينية إلى أرض الوطن، وفتح العديد من الكوفي شوبات والمقاهي والمنتديات وخاصة في قطاع غزة الضفة الغربية، وبعد إن كانت محصورة على الرجال بدأت بالتفاقم لتشمل السيدات والشباب أيضا ومن مختلف الأعمار، وما زال متعاطو الشيشة في تزايد خصوصا بعد انتشارها وبشكل واسع في المطاعم والكافيتريات والحدائق العامة بل وصل الأمر ببعض الشباب والأطفال إلى تعاطيها داخل البيوت وأمام ذويهم، وهذا الشيء ولد عبأ جديد ليضاف على الاعباء الموجودة في المجتمع الفلسطيني في الوقت الحاضر.
وتشير منظمة الصحة العالمية في دراسة لها عن أضرار الشيشة بينت ان هذه الأضرار تفوق مخاطر التدخين إلى 50 عاما حيث أظهرت النتائج ارتفاع معدلات ضربات القلب اكثر بعد تدخين الشيشة، كما أثبتت إن معدل استنشاق الدخان كان بنحو 48مرة عند تدخين الشيشة مقارنة بالسجائر علما انه مع اختلاف إنهما يؤديان لإمداد الجسم بالنيكوتين.

خطر كبير

يقول الباحث الدكتور سمير عبدالله ان مدخن الشيشة قد يستنشق خلال جلسة واحدة ما يعادل تدخين 100 سيجارة أو أكثر والشيشة وأضرارها تكون كالتالي، إن الدخان الذي يخرج من الشيشة يحتوي على العديد من المواد السامة التي تؤدي إلى سرطان الرئة، وأمراض القلب وغيرهما من الأمراض، مشيرا إلى إن أخصائيين في بحث علمي جديد نشر في نيويورك أفادوا إن كل جلسة تدخين الشيشة قد تعرض المدخن لفترة دخان أطول من تدخين السجائر مؤكدا إن مدخن الشيشة قد يستنشق خلال جلسة واحدة ما يستنشقه المدخن جراء 100 سيجارة أو أكثر.
وأضاف الدكتور عبدالله انه وفي الوقت الذي تمتص المياه بعضاً من النيكوتين، إلا أن مدخن الشيشة قد يتعرض الى جرعة كافية من هذا المخدر ليدمن عليه، فكمية النيكوتين كبيرة في التبغ بشكل عام، مشيرا إن مدخني السجائر يدخنون حتى يحصلوا على كمية النيكوتين التي تشبع حاجتهم وإدمانهم، ولكن ليس بالنسبة التي توصل إلى الغثيان، ومن المرجّح ان انخفاض تركيز النيكوتين في الشيشة قد يؤدي بالمدخنين إلى استنشاق كميات أكبر من الدخان وبالتالي تعريض أنفسهم لنسب أعلى من المواد الكيماوية المسبّبة للسرطان وللغازات السامة مثل ثاني أوكسيد الكربون؛ وذلك يجعل مدخني النرجيلة والمدخنين السلبيين عرضة لنفس الأمراض التي يسببها التدخين بما فيها السرطان وأمراض القلب والجهاز التنفسي فضلاً عن الآثار الضارة أثناء الحمل.

أمراض مدمرة

الدكتور عبد الحميد النجار استشاري أمراض صدرية وقلبية قال أن هناك اعتقادا خاطئا بين الناس بأن تدخين الشيشة أخف وأقل تأثيراً من السجائر، على اعتبار أن دخان الشيشة تتم تنقيته بواسطة المياه التي يمر عبرها الدخان، إلا أن الدراسات التي أجريت مؤخراً في مختلف المعاهد العالمية للصحة تشير إلى أن الشيشة الواحدة تعادل في مضارها 8 سجائر، مشيرا إن اوكسيد الكربون وغاز ثاني اوكسيد الكربون يدخل إلى رئة المدخن أسرع من السيجارة لذلك يكون معرضاً للإصابة بإمراض القلب والشرايين والرئتين.كما يكون المدخن أكثر عرضة للإصابة بقرحة المعدة لتزايد نسبة الكولسترول في الجسم، فضلاً عن الشعور الدائم بآلام الرأس والدوران وخفقان القلب وانسداد الشعب الهوائية وأمراض الجهاز التنفسي التي يكون تأثيرها المباشر على الرئة.
وحذر الدكتور النجار النساء من تناول الشيشة وخصوصاً الحوامل كونها تؤثر على نمو الأجنة وصحة الطفل، وقد تحدث تشوهات جراء الكربون المحترق، فضلاً عن نقص الوزن عند حديثي الولادة لأمهات مدخنات وأمراض سرطانية من جراء القطران والمعادن الثقيلة التي يحتويها كالبنزوبيرين، الزرنيخ، الكروم، الرصاص التي تتواجد في دخان الشيشة بكميات تفوق دخان السيجارة بأضعاف المرات، ويؤدي ذلك إلى احمرار العينين بسبب الدخان المتصاعد وقد يؤدي إلى سرطان الحنجرة، مضيفا بأن هناك دراسات علمية أجريت على مدخني الشيشة من قبل باحثين في المركز الطبي الأميركي اكتشف أنه حتى بعد نصف ساعة من تدخين الشيشة، يحدث ضرر فعلي على عمل الرئتين والقلب، وارتفاع بضغط الدم والنبض، وانخفاض بنسبة الأوكسجين بالدم. وكان باحثون قد أكدوا في أبحاث سابقة أنه عند تدخين رأس شيشة واحد فيه كمية مساوية من النيكوتين لعشر سجائر تقريباً وكمية من المواد السامة.


أطفال يتعاطون الشيشة

دنيا الوطن زارت احد الكافي شوبات والتي كان يجلس عدد من الشباب والأطفال وهم يستنشقون وكلهم غبطة وسرور على (نفس) الشيشة دون مراعاة للأخلاقيات وللصحة العامة والبيئة، ( ن- ع ) 16 سنة احد مدخني الشيشة، قال تعودت على تدخين الشيشة حتى صرت غير قادر على الاستغناء عنها، فهي رفيقتي في كل مكان اذهب إليه، مشيرا إلى انه يدخن نحو أربعة رؤوس شيشة يوميا، معتبرا أنها صارت وجبة رئيسية مثل وجبات الطعام. وأشار ( ن ) إلى انه يفقد السيطرة على أعصابه وتنتابه لحظات غضب عندما يبتعد عن الشيشة معتبرا أن لجوءه للشيشة والتدخين جاء بسبب تركه للدراسة وأوقات الفراغ الطويلة، وأضاف بأني تعلمت من أخي الكبير الذي كان يدخن الشيشة في البيت فكنت أجربها بين فترة وأخرى وكان يراني وكان شي عادي لأن دخانها يملأ كل البيت فصرت أدخنها حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم مع العلم إنني لا اعمل فأواجه صعوبة في الحصول على الأموال لكي أدخن الشيشة فأضطر في بعض ألأوقات للعمل في المقهى نفسه الذي أدخن فيه لكي احصل على ما أريد.
أما الطالب خليل السيد، وصف الشيشة بأنها حبيبته الوفية التي يحتاجها عندما يكون منزعجا، وقال أنا اشغل نفسي بالشيشة في الأوقات التي أكون فيها بحاجة للترويح عن نفسي، اشعر إنها تكلمني وتخفف من ضغوط حياتي، الجأ إليها في المقهى مع أصدقائي لقضاء أوقات ممتعة برفقتها وتنسيني هموم الدنيا وما أعانيه من المتاعب والمشاكل العائلية.

هموم معيشية

الدكتور احمد سلامه الأخصائي النفسي يعزو السبب الأساسي للانتشار الكبير للشيشة هو البطالة المنتشرة وقلة العمل بما تشكله من أوقات فراغ طويلة، فضلا عن تردّي الوضع الاقتصادي، مشيرا إلى إن الشباب الفلسطيني خارج سوق العمل، تتعاركهم الهموم المعيشية، ولا حلّ يجدونه سوى اللجوء إلى تدخين الشيشة.
وعبر سلامة عن اعتقاده بان الشيشة جاءت إلى فلسطين من دول عربية شقيقة كمصر والأردن وسوريا نتيجة تقليد أبطال المسلسلات السورية والمصرية التي تعرض على شاشات التلفزيون، حيث إنها تحولت من تقليد إلى موضه ثم إدمان, لافتا إلى إن الشيشة كانت منتشرة في صفوف كبار السن فقط لكنها الآن أصبحت تحظى بشعبية بين صفوف السيدات والشباب والمراهقين أكثر محذرا من المخاطر الناشئة عن هذه الظاهرة على قدر كبير من الخطورة، ولابد من اتخاذ خطوات جدية للتخلص منها.
الباحث الاجتماعي حسن عبود فيقول عندما يغيب الهدف تتعثر الخطى والشباب طاقات منطلقة وإمكانيات متدفقة اهمالة فيقود الى هذه المنزلقات التي لا تؤذي الشباب لوحهم، بل تدمر المجتمع وتسهم في تأخر ينبغي توجيهها واستيعابها، وعلى الأسرة ان تعاون الشاب في تلمس مواقع أقدامه ورسم صورة مستقبلة وارشادة الى ما يستطيع ان يبدعه ويجيده، ومن ثم تؤازره أما الوطن.

الموت البطيء

الابحاث الحديثة التي درست علاقة تدخين الشيشة بالصحة أظهرت أن تدخين الشيشة في أحسن الأحوال لا يقل ضررا عن تدخين السجائر. وسنستعرض هنا بعض هذه الأبحاث. ففي دراسة قام بها باحثون، أن تدخين دورة واحدة من الشيشة يطلق ما معدله أربعة اضعاف المادة المسرطنة، اربعة أضعاف الألدهايد الطيار وثلاثين ضعف أول أكسيد الكربون ما تطلقه سيجارة واحدة. كما أظهرت الدراسة أن تدخين ساعة كاملة من الشيشة يطلق في الجو المحيط من المواد المسرطنة والسامة ما تطلقه 10-20 سيجارة، أي أن تأثير التدخين السلبي الناتج عن تدخين الشيشة قد يفوق في خطره تدخين السجائر. ودعا الباحثون إلى منع تدخين الشيشة في الأماكن العامة أسوة بالسجائر. كما أظهر بحث نشر في مجلة النهار، على عينة من المتطوعين الرجال والنساء أن تدخين الشيشة نتج عنه زيادة مباشرة في ضغط الدم وسرعة التنفس، وقد أظهر بحث آخر أن النساء أكثر عرضة لآثار التدخين الضارة مقارنة بالرجال، وقد أظهرت تدقيق علمي منهجي، أن تدخين الشيشة زاد بنسبة مهمة احتمال الإصابة بسرطان الرئة وأمراض الرئة الانسدادية المزمنة ونقص وزن حديثي الولادة وأمراض اللثة. وتوصل الباحثون خلال بالبحث إلى أن تأثير الشيشة على الصحة لا يقل بأي حال عن تأثير دخان السجائر وأنه يسبب كل مضاعفات تدخين السجائر.

حملات توعوية

ويعتمد التأثير الصحي للشيشة على طول دورة التدخين والتي قد تترواح بين 20-80 دقيقة وقد تطول عن ذلك، وعدد مرات الشفط في الدورة الواحدة وعمق الشفط حيث يتراوح عدد مرات الشفط من 50-200 شفطة في الدورة الواحدة بعمق نصف ليتر إلى ليتر من الهواء. كما تظهر الأبحاث إلى أن كثيرا من الذين يدخنون الشيشة يدمنون تدخين السجائر فيما بعد.
لذلك من الضروري تنظيم حملات توعوية تستهدف بالخصوص فئة الشباب والطلاب لتوعيتهم بأن مضاعفات تدخين الشيشة لا تقل بأي حال عن تدخين السجائر حيث تسبب الإدمان وتزيد من احتمالات الإصابة بالسرطان وأمراض الرئة الانسدادية المزمنة وامراض الأوعية الدموية وأمراض اللثة وأورام الفم والمريء. كما أن التواجد في محيط مدخني الشيشة يؤثر سلباً على المتواجدين. فتأثيرها في البيئة المحيطة أو ما يعرف بالتدخين السلبي لا يقل خطورة عن تدخين السجائر، وتبين أيضا أن خليط الفواكه المعسّل يحتوي على كميات من الدبس السكرّي، بنزوفيرن، أرسين، كروم ورصاص، قد تؤدي إلى أمراض سرطانية شتى، وتشير الأبحاث إلى أن الجمرة التي تستخدم في إشعال الشيشة مصنّعة من مواد كربونيّة وبقايا مواد صناعية تؤدي إلى الموت لكن ببطء.

وأخيرا نأمل من الحكومة الفلسطينية أن تضع قانونا يحد من التدخين الشيشة لكونها أصبحت آفة تهدد الأجيال الشابة وكذلك يجب أن تقوم وزارة الصحة باتخاذ إجراءات مشددة على أصحاب المقاهي ومحلات بيع المعسل وبيع الشيشة.

التعليقات