كما تديــن تدان

كما تديــن تدان
بقلم : أ. علاء الدين كمال العكلوك

رئيس جمعية إصلاح ذات البين الخيرية

ما أحوجنا في هذا الشهر العظيم شهر رمضان الى طاعات نتقرب بها إلى الله عز وجل ، متضرعين أن يقبل الله منا الطاعات وما أجمل طاعة بر الوالدين التي يعم فيها الخير والبركة على من كان باراً بوالديه .

 وفي هذا المقام جال في خاطري قصة حدثت معي أثناء إصلاحي بين الناس , حيث دخل علي رجلاً طاعنا في السن منحنيّ الظهر متكئا على عصا دخل مكتبي وقال (أنا دخيل على الله ثم عليك يا رجل) فتوقفت عند تلك الكلمات الحزينة التي تقطعت لها نياط قلبي وقلت له (وصلت مأمنك) مما تشكو ؟ ، فأجاب أشكو ولدي الذي عقني ولا ينفق عليّ ونسي ما قمت به من تربية وإنفاق عليه وهو طفل صغير ولم أترك حاجة إلا وقد حققتها له فأين الوفاء فأنا لا أريد أن أثقل عليه كثيراً سوى مبلغ بسيط مائة شيكل تم تحديدها عبر المحكمة الشرعية ، من أجل أن أقتات من الجوع ، حينها أحضرت الولد وجلست معه وطلبت منه أن يعطي أباه مائة شيكل كل شهر فرفض وقال لا أعطيه إلا نصف المبلغ وفي نفس المجلس تعهد أهل الخير بأن يدفعوا النصف الآخر دون علم الوالد ، ووفقنا الله بالصلح بينهما ودارت الأيام في هذا الولد العاق وتفاجأت أنه جاء يطلب نفس المطلب الذي طلبه منه والديه ، فاندهشت حينها وقلت أأنت فلان الذي فعل بوالده كذا وكذا فسقطت الدمعة من عيني وبكى قلبي قبلها ، وتذكرت الشاعر الأندلسي في شطر بيت حين قال :

هي الأيامُ شاهدتها دولٌ .... من سره زمنً ساءته أزمانُ

فجائع الدهر أنواع منوعةً .... وللزمان مسرات وأحزانُ

 ورحم الله الأصمعي حين قال: حدثني رجل من الأعراب قال: خرجت من الحي أطلب أعقَّ الناس، وأبرَّ الناس، فكنت أطوف بالأحياء  حتى انتهيت إلى شيخ في عنقه حبل يستقي بدلو لا تطيقه الإبل في الهاجرة والحرِّ الشديد، وخلفه شاب في يده رشاء (أي حبل) ملوي يضربه به، قد شق ظهره بذلك الحبل، فقلت: أما تتقي الله في هذا الشيخ الضعيف؟ أما يكفيه ما هو فيه من هذا الحبل حتى تضربه؟ قال: إنه مع هذا أبي، فقلت: فلا جزاك الله خيرًا، قال: اسكت فهكذا كان هو يصنع بأبيه، وهكذا أنا أصنع به .

 فانظر كيف قيض الله لهذا الوالد العاق من أبنائه مَن يعقه! والجزاء من جنس العمل  وقال الأصمعي : وجئت في اليوم الثاني أبحث عن أبر الناس بوالديه فوجدت رجلا يحمل والده الشيخ الكبير ويدخل به إلى السوق ثم يخرج من السوق ثم يعود أخرى فكررها خمس مرات فاقتربت منه وقلت عجبا لك لقد أدهشتني بصنيعك فماذا بك تحمل هذا الشيخ وتدخل وتخرج من السوق مرارا فأجابني أن هذا الشيخ الكبير هو أبي ولقد أمرني أن يذهب إلى السوق ثم أمرني بالرجوع للبيت ثم أمرني بالرجوع فبقي يكررها بنفس الطريقة خمسا وما كان لي إلا ان أطيعه .. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال (يا ابن ادم افعل ما شئت فإنك ملاقيه وأحبب ماشئت فإنك مفارقه وكن كما شئت فكما تدين تدان ) ...

وهنا لابد لنا من همسة لأبناء شعبنا الفلسطيني العظيم ، الآباء منهم والأبناء بروا آبائكم يبركم أبنائكم ونقول للأبناء لابد من الاهتمام والرعاية بالوالدين خاصة عند كبرهما وإدخال السرور عليهما والإنفاق عليهما مصداقا لقول الله (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) ...

 

التعليقات