عرب ال48: صراع نفسي و أزمة هوية

عرب ال48: صراع نفسي و أزمة هوية
بقلم : ريهام عودة ، كاتبة فلسطينية ومحللة سياسية

ترفع العلم الفلسطيني بكل فخر وزهاء في صحراء النقب و تهتف بصوت غاضب وثائر  "برافر لن يمر"  ، ثم تعود في المساء لتحتسي فنجان قهوة "عليت" مع أصدقائها في مقهى شعبي يطل على ميناء حيفا الذي يرفرف فوق ساريات سفنه العلم الاسرائيلي.

يقضي الليل و هو ينشر تغريدات باللغة العربية على التويتر و الفيسبوك تناصر القضية الفلسطينية و تُشيد بالثوار في الدول العربية و تطالب بحرية الأسرى الفلسطينيين ، ثم يذهب في الصباح إلي جامعته بتل أبيب من أجل الاستماع لمحاضرة باللغة العبرية لبروفسور يهودي يتحدث فيها عن القانون الدولي و محرقة الهولوكوست.

يقع في غرام  شابة  من دولة عربية أو حتى من قطاع غزة و يحادثها يوميا عبر برامج الشات على أمل أن يلتقي بها يوما ما ، وعندما يتحقق حلمه بلقائها في موطنها يتم احتجازه من قبل السلطات الاسرائيلية و التحقيق معه بتهمة زيارة بلد معادية لإسرائيل.

تُرشح نفسها لعضوية الكنيست الاسرائيلي ، كممثلة للأقليات بإسرائيل و تناشد بحقوق المرأة العربية تحت سلطة قوانين المُشرع الاسرائيلي ، ثم تعود في المساء لبيت جدتها لتستمع منها حكايات النكبة و ذكريات الفلسطينيين القديمة  قبل تأسيس الدولة الاسرائيلية ، فتشعر حينها بقهر نفسي و تُمتم بصوت خافت ، إنها بلادنا ! لقد كنا قبلهم ، هم الأقليات و ليس نحن...

تتخرج من مدرسة يهودية وتتحدث العبرية بطلاقة و تشعر أنها أصبحت مواطنة عربية اسرائيلية مخلصة و منتمية للدولة الاسرائيلية ، ثم تفاجأ بأنها تتعرض للتمييز أثناء سفرها عبر المطار الاسرائيلي و يتم تفتيشها بشكل دقيق بسبب شكوك أمنية حولها  فتبكي بحرقة و تشعر بالتناقض بين ما تعلمته في مدرستها اليهودية حول المساواة و المواطنة الصالحة و ما بين واقعها كشابة عربية غير يهودية.

إنها مواقف و حكايات  متناقضة يتعرض لها يوميا الشباب العربي في داخل الخط الأخضر فهم يعيشون حياة مزدوجة متناقضة بين انتمائهم للقضية الفلسطينية و مواطنتهم الإسرائيلية في ظل الدولة الاسرائيلية الحديثة ، حيث يحملون في جيوبهم  الهوية الاسرائيلية الزرقاء و يخضعون جميعهم لأحكام القانون الاسرائيلي بصفتهم مواطنين اسرائيليين ، لكن  أراوحهم و قلوبهم مازالت معلقة بالحياة الفلسطينية الأصيلة و الثقافة العربية .

 إن تلك الحياة المتناقضة التي يعيشها عرب ال48  و المتأرجحة بين عشقهم لكل ما هو عربي فلسطيني تقليدي وما بين غضبهم من كل ما هو اسرائيلي عبري حديث ، فجعلت تلك الحياة المتناقضة هؤلاء العرب يمرون بصراع نفسي داخلي مرير ، حيث أصبح بعضهم يشعر بحالة من التمزق العقلي و عدم الانسجام  مع حياة المجتمع الاسرائيلي اليهودي  فأدى ذلك إلي انفصال بعض الشباب العربي داخل الخط الأخضر عن الواقع الاسرائيلي واندمجوا و تأثروا  بقصص الكفاح و النضال الفلسطيني و الثورات العربية ، الأمر الذي شَكل لهم أزمة تحديد هويتهم  الوطنية ، فهم يعيشون في الواقع  بين ناريين : نار القومية العربية و نار الجنسية الإسرائيلية ،  فهل يعتبرون أنفسهم بأنهم عرب فلسطينيون و يتنازلوا عن هويتهم الإسرائيلية أم عرب اسرائيليون ويتناسوا القضية الفلسطينية !

أعتقد أن قضية عرب ال48 تتلخص بكل بساطة بمقولة شهيرة لشكسبير وهي

 "  أكون أو لا أكون تلك هي المسألة ".

 

التعليقات