المعلق الرياضي

المعلق الرياضي
ابراهيم حاج عبدي         

درجت العادة أن يُسمى الإعلاميون في التلفزيون بـ «المقدم» أو «المذيع» (وهو تعبير إذاعي ظل صامداً إلى اللحظة). لكنّ الإعلامي الرياضي، تحديداً، له تعبير خاص به، إذ يسمى «المعلق» الذي يقوم بمهمة شاقة، ففي غالبية البرامج يكون النص جاهزاً تقريباً، وما على المذيع إلا أن يقرأ، بينما المعلق الرياضي يقول الكثير من دون نص مكتوب، وهو بذلك أشبه بمن يكتب سيناريو المباراة في اللحظة ذاتها التي تنتقل فيها الكرة بين أقدام الخصوم.

لكنّ من يتابع المباريات يكتشف بسهولة أن دور المعلق لا يكمن في مجرد متابعة الكرة، بل يتخطى ذلك ليأخذ منحى ثقافياً واجتماعياً وسياسياً، فضلاً عن المنحى الرياضي. ومثل هذا الأمر هو الذي يزيد رصيد بعضهم، فيما تهبط شعبية معلّقين آخرين. ومن هنا نجد أن القنوات الرياضية تتيح خيارات على مستوى التعليق لعشاق الرياضة الذين يختارون معلقهم المفضل في المباراة ذاتها.

للوهلة الأولى، يعتقد المرء أن قاموس التعليق الرياضي محدود وضحل. لكنّ هذا الاعتقاد سرعان ما يتبدد لدى متابعة مباراة بتعليق أولئك «المعلّقين المخضرمين» الذين لا يقتصرون على المعلومات الرياضية، فهذه ليست مزية بل من طبيعة عملهم، وإنما يلوذون بفضاءات أكثر رحابة وعمقاً في محاولة لرفد ذلك القاموس الضحل، والتغلب على الرتابة.

لا الخيل تعرف عصام الشوالي ولا الليل ولا البيداء، كما قال المتنبي، لكنّ الملاعب الخضر والمدرجات ومحبي كرة القدم من المحيط إلى الخليج... كلها تعرف هذا المعلق الرياضي الذي يكاد يكون الصوت الأبرز بين المعلقين، ولعل مثل هذه الشعبية التي يتمتع بها تكرست خلال المونديال المقام، حالياً، في البرازيل.

أياً كانت المباراة، سواء بين خصمين كبيرين أو بين فرق مغمورة، فإن لدى الشوالي قدرة على الارتقاء بمجرياتها ومنحها طابعاً حماسياً فريداً. هو لا يكتفي بمجرد تقديم وصف لما يراه المشاهد، وبالكاد يتابع «المستديرة» التي تلهب العقول والمشاعر، وإنما يمضي نحو مساحات أبعد من الرياضة. سنسمع منه معلومات عن أساطير الشعوب وعن مرجعياتها الثقافية ورموزها وقادتها، وسنصغي إلى صوته، ذي النبرة العالية، وهو يخوض في تاريخ هذه البلاد أو تلك ليستحضر معارك وسجالات سياسية ثم يسقطها على الموقعة الرياضية؛ الدائرة الآن، وسنعرف اسماء كتاب وفناني وسينمائيي البلدان المتصارعة «رياضياً».

كل حركة رياضية لها تأويل آخر لدى الشوالي، وكل مهارة رياضية تقابلها مهارات في الاقتصاد والفن والمسرح والعمارة. أما حين يسجل أحد الفريقين هدفاً، فيبلغ التعليق مداه الأقصى، إذ يهدر الصوت عالياً، بينما يبحث الشوالي عن أهداف مماثلة سجلت في حقول أخرى، وكأن الهدف الذي سجل، للتو، هو تجسيد منطقي لسجل آخر حافل بالانتصارات... ولن تجد في اللاعب الذي سجل الهدف سوى «شخصية اسطورية» ندبت من العهود الغابرة كي يكتب التاريخ مجدداً!

*عن الحياة اللندنية

التعليقات