قراءة في نص خطاب توني بلير حول الشرق الأوسط والإسلام السياسي

قراءة في نص خطاب توني بلير حول الشرق الأوسط والإسلام السياسي
 فهمي شراب
يسلم توني بلير في خطابه تماما بان الرأي العام الغربي أو البريطاني تحديدا متغيرا أساسيا وثابتا ومؤثرا لا يمكن تجاوزه، ويريد هذا الرأي العام بان تظل أيدي الغرب نظيفة من أي تدخل خارجي، لذا، يحاول أن يستعرض في خطابه الأسباب التي دفعته للمشاركة في الحروب في الشرق الأوسط وخارج الشرق الأوسط، والتي كانت نتائجها سيئة، أنتجت مشاكل داخلية وخاصة على الصعيد المالي، وان الرأي العام يقف ضد هذه السياسات التي أنتجت تراجعا في الاقتصاد وعدة قضايا بريطانية هامة. حيث يتساءل الرأي العام ما الهدف من هذه السياسات والحروب؟

يتمحور خطاب بلير حول عدة دول واتجاهات، ففي نقطة هامة يؤكد أن الإسلام الراديكالي ما زال ينمو وهو عبارة عن أزمة وخطر يتهدد الأمن العالمي ويجب مقاومته، ويؤكد على أهمية الشرق  الذي سيكون مساعدا وجزءا من حل الأزمة، والمتمثل في روسيا والصين برغم الاختلافات الكثيرة، وان يمد جسور التعاون معه. وبرغم أن أوروبا تشهد خطرا من تنامي روسيا القومية.

يؤكد بلير على أهمية منطقة الشرق الأوسط التي تمثل أهمية مركزية كبيرة للغرب، لا يمكن ان تنزل إلى المرتبة الثانية.

هذه الأسباب هي:

1-أكبر مزود يمد العالم بالطاقة, وأن اعتماد العالم على الشرق الأوسط لا يمكن أن يختفي قريبا وفي أي وقت.

2-إن منطقة الشرق الأوسط تعتبر عتبة بوابة أوروبا حيث أن حدود الاتحاد الأوروبي تبعد مسافة قصيرة عن شاطئ البحر المتوسط, فحالة عدم الاستقرار هنا تؤثر على أوروبا, تماما كما أثرت حالة عدم الاستقرار في شمال أفريقيا على الدول القريبة منها وهي إسبانيا وايطاليا.

3-وقوع إسرائيل كامتداد طبيعي للديمقراطية الغربية في منطقة الشرق الأوسط، وامتلاكها أيضا علاقات مع روسيا والصين.

4-إشكالية تداخل الدين في السياسة، فالرأي القائل بان هناك دين فقط واحد – الإسلام- يقول بان وجه نظره في الاقتصاد والسياسة هي الصحيحة سوف يكون له تأثيراته ويخلق أجواء صراع مع الغرب، لذا، يجب إصدار قرارات بحذف أولئك الذين يدعمون الأيدلوجية الإسلامية مع كل المسلمين.

ويجب فهم هذا التصور بشكل اشمل من الصراع الدائر بين السنة والشيعة، فكلاهما خطر علينا ويجب محاربتهم، فان المعركة ستكون مع المتطرفين من الطرفين. وأن عدم وجود فرصة اقتصادية هي بلا شك سبب رئيسي ومباشر للفوضى في المنطقة. فالغالبية من المسلمين لا يؤمنون بالطريقة التي يتبعها غالبية الكاثوليك والبروتستانت، " أن أعيش واترك غيري يعيش"، فهم يؤمنون بان "أولئك الذين يفكرون بشكل مختلف هم الأعداء سواء داخليا أو خارجيا".

الخطورة تكمن في ان الإيديولوجية الإسلامية يتم تصديرها للعالم، والشرق الأوسط يعتبر البؤرة المركزية للإسلام، وقد نبدو بلا بصر او بصيرة اذا لم نستطع ملاحظة التأثير العالمي الضخم التي تمتلكه تلك المذاهب والتعاليم ( سنة وشيعة). وهدفها المتمثل في الوصول للحكم الثيوقراطي المتعصب دينيا.

ان التعصب الديني خطر، فلننظر ما يجري الان في نيجيريا ومالي  وجمهورية إفريقيا الوسطى وجمهورية التشاد، وهجمات إرهابية وسط آسيا بشكل منتظم في روسيا تحديدا حيث 15 % من نسبة السكان مسلمة. وتمتد ارتدادات التأثيرات الراديكالية عبر جميع الأجزاء المركزية لشمالي آسيا تصل منطقة شينجيانج في الصين. وفي الفلبين وتايلاند وميانمار وبنجلادش واندونيسيا.

إضافة الى ان المسلمين في القارة الأوروبية يزيدون عن ال 4  ملايين وينمو العدد بشكل منتظم ويعمل الإخوان المسلمون بشكل نشط ومنظم وفعال في الغرب.

ومؤخراً شهدنا الآلاف من الناس في نيجيريا وباكستان فقط يموتون نتيجة صراع أحدثه الدين. وبعيداً عن فقدان الحياة الفعلية, هناك فقدان لفرص الحياة خاصة عند أولئك الغارقون في التفكير المتخلف و الذين يتبنون المواقف الرجعية خاصة تجاه الفتيات.

يؤكد بلير ان الإسلام لا يعطي بحد ذاته القوة لهذه الأيديولوجية لتنمو, بل هو تفسير للإسلام وفي الحقيقة هو تشويه له, حيث أن العديد من المسلمين يمقتونها. لقد كانت مثل هذه التفسيرات موجودة في المسيحية والتي أخذت منا سنوات من أجل القضاء عليها من سياساتنا السائدة.

ويعتبر بلير بان الإيديولوجية الإسلامية لا تتماشى مع متطلبات العصر حيث التكنولوجيا والعولمة والاقتصاد الحديث والعالم المفتوح. والطريقة التي يتعامل بها المسلمون الان لا تتناسب مع منجزات العصر.  بحيث يجب ان تكون مثلا الديمقراطية طريقة تفكير وليس فقط مجرد انتخابات.

ويدرك الشرق بإيديولوجيته بأننا ندرك حقيقته وخطورته، لذا سيحاول ان يلعب بذكاء على وتر العاطفة.

لذا، ينصح بلير بعدم التردد في التدخل في شئون البلاد في الشرق الأوسط وخارجه. ويذكر بانه يجب ان يشارك الغرب في العملية الديمقراطية في البلدان والتي تمر بتغير من دول الربيع وغيرها. والتأكد من اعتماد المعايير التي لا تتنافى مع القيم الغربية حتى لا يحدث أي تصارع قيمي وفكري وسياسي.

إن هناك صراع قوي يحدث داخل المنطقة بين أولئك الذين يريدون المنطقة أن تعانق العالم الحديث سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وبين أولئك الذين يريدون بدلا من ذلك أن يخلقوا سياسات مبنية على اختلافات دينية حصرية. هذه هي المعركة وهذا هي الصورة المشوهة وهذا ما يجعل التدخل مشحون بشكل كبير ولكن عدم التدخل متساوي مع ذلك.

ان الراي العام الغربي يرفض بازدراء تقديم الدعم لبعض الدول، ولكن ردنا كسياسيين هو الاصطفاف الشعبي الذي نراه في التصويت في الانتخابات في العراق وليبيا ومصر وعدة دول كانت لا تعرف الديمقراطية. هذا هو ردنا.

يجب ان نكون مع الذين يطلبون مساعدتنا، وحيثما توجد ثورة يجب ان نكون هناك من اجل دعم الذين يدعمون مبادئنا ولا يتناقضون معنا، ومحاربة المختلفون معنا حتى لو شاركونا نفس الثورة.

وهنا يوجد عدة دول هامة يجب ان لا نتركها:

مصر: ان مصير مصر يتعلق بالمنطقة كلها ومستقبلها، فلم تكن حكومة الإخوان سيئة، ولكنها كانت تستولي على الحكم بشكل ممنهج وترسي تقاليدها. وكان تمرد 30 يونيو إنقاذا للشعب. ويجب ان نقدم المساعدة للحكومة الحالية للاستمرار.  ونحن نعارض الإعدامات التي صدرت بحق المئات ولكننا ضد العنف الممارس تجاه الجيش والشرطة. وسوف ندعم بكل قوة مصر والرئيس الجديد.

سوريا: في سوريا كارثة كاملة، فالاسد مسئول عن الكارثة وهناك تصدعات في المعارضة، مصلحتنا ان يبقى الرئيس الاسد في الحكم على ان ياتي متطرفون لا يؤمنون بقيمنا ويحاربوننا. ولا يجب تقديم أي دعم للمعارضة، فقط علينا ان نجد الية لاجباره للجلوس في مفاوضات لاتمام مصالحة سورية وانهاء الصراع.

تونس: هنا يوجد محاولات صادقة وايجابية تقوم بها الحكومة الجديدة من أجل الهروب من مآزق المنطقة ومن أجل تشكيل دستور جديد. إن تقديم الدعم للحكومة الجديدة يجب أن يكون له الأولوية المطلقة. وبما أن الرئيس التونسي الجديد طالب بحصة مما نقدمه من دعم إلى أوكرانيا والذي يعتبر الشيء الصحيح الذي يجب علينا أن نقوم به, فإنه يمكننا أن نساعد تونس لتقف على قدميها. يجب علينا أن نقوم بذلك وسوف يكون ذلك استثمارا ملموسا ومعقولا.

ليبيا: تحتاج منا مساعدة لإصلاح القطاع الأمني هناك، ليبيا هامة بالنسبة لنا وهي مكان يمكن ان يزيد الخطر كونها يمكن للخلايا الإرهابية الانطلاق منها، وأيضا هامة كونها دولة تؤثر في أسواق النفط.

اليمن: ومرة أخرى تحاول اليمن أن تحرز تقدم في ظل ظروف تعتبر صعبة بصورة لا يمكن تخيلها. لقد قدمنا الدعم للحكومة الجديدة, وهناك دستور جديد. ولكن مرة أخرى أكرر أنه يجب تقديم الدعم من أجل القيام بإصلاحات في قطاع الأمن, بالإضافة إلى الدعم اللازم من أجل التطوير.

إيران: يجب علينا أن نستمر في جعل الأمور واضحة تماما كما فعلت إدارة أوباما وبشكل صحيح. وذلك يعني أن عليهم أن يتراجعوا عن فكرة كونهم دولة تقف على أعتاب فكرة امتلاك الطاقة النووية. ولا أحبذ الرضوخ لمطالبهم.

عملية السلام في الشرق الأوسط:  هذه القضية مازالت تعتبر لب المنطقة والعالم أجمع. ليس لأن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني هو سبب مشاكلنا, ولكن لأن التوصل إلى حل ناجح بشأنه سوف يعتبر نصراً لقوى بعينها والتي يجب أن نقدم لها الدعم. والآن وربما بعد سنوات من القول بأن إيجاد حل لهذه القضية يعتبر الطريق التي ستؤدي إلى حل مشاكل المنطقة. إننا على أعتاب دخول مرحلة جديدة حيث يعتبر حل مشاكل المنطقة جزء حساس من حل قضية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. ولكن الفكرة هي أن الالتزام الذي قطعه جون كيري على نفسه لم يكن عبثيا. فلقد وضع نفسه في موضع قوي للغاية من أجل تحريك ذلك إلى الأمام استنادا إلى ذلك الالتزام. وهو بحاجة إلى دعمنا للقيام بذلك.

وفي مكان آخر في المنطقة يجب علينا أن نقف وبشكل حازم إلى جانب أصدقائنا وحلفائنا بما أنهم يحاولون أن يقوموا بعمل تغييرات إصلاحية في بلدانهم. سواء في الأردن أو في الخليج حيث أنهم يقومون بنشر القيم الدينية التي تدعو إلى التسامح والانفتاح, بالإضافة إلى الاقتصاديات التي ترتكز إلى قانون, أو تتبنى قوى رد الفعل على شكل إيران والإخوان المسلمين, فيجب علينا أن نقدم الدعم لهم ونساندهم.

وأخيراً, يجب علينا أن نقوم برفع قضية التطرف الديني إلى أعلى قائمة أجندتنا. ففي كل العالم نرى أن التحدي من اجل الدفاع عن هذه الأيديولوجية يتطلب تعهد فعال ودائم. ويشاركنا في ذلك

الصين وروسيا، حيث لديهم بالضبط نفس الرغبة والتي تصب في إفشال هذه الأيديولوجية تماما كما تفعل الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، إضافة لدول مجموعة العشرين.

تعليق:  يعتبر هذا الخطاب تحريضي على من يعتبرهم المتطرفين والمتشددين من المسلمين وعلى رأسهم الإخوان المسلمين ولم يتطرق إلى السلفيون، وهو خطاب تفسيري تبريري للرأي العام، يبرز الأسباب التي دفعت الغرب لسياسات التدخل، حيث يعترف توني بلير بأهمية الرأي العام الغربي وأهمية اطلاعه على خطوة القادم من الشرق الأوسط بإيديولوجية الإسلام السياسي الذي يحذر منه. وان المعركة الحقيقية مع الإسلاميين متبنيا تماما فكرة صاموئيل هانتجتون في نظرية صراع الحضارات مما يكشف سياسة الغرب القادمة والمبنية على ان التدخل في شئون الدول الأخرى هام وضروري من اجل الأمن القومي الغربي، وتظل إسرائيل امتداد للمشروع الغربي يستمد الشرق الأوسط أهميته منها حسب الفكر الغربي.

ملاحظة: نص الخطاب يقع في حوالي خمسة عشر صفحة.

 

التعليقات