وزراء عبد الناصر ووزراء السيسي

وزراء عبد الناصر ووزراء السيسي
حسن عامر 
رئيس تحرير صحيفة البشاير المصرية

في حوار مطول مع الدكتور كمال رمزي ستينو روي كيف تم إختياره وزيرا للتموين ، وبقاءه في الوزارة نحو خمسة عشر عاما . 
قال لي كنت أستاذا في جامعة الأسكندرية ، لا أكترث كثيرا بأي عمل آخر غير نشاطي الأكاديمي . 

ذات صباح دق باب مسكني في ستانلي . فتحت الباب لألتقي بشاب بهي الطلعة . 
قال لي إنه من رئاسة الجمهورية . هل تسمح لي بالدخول . 
المفاجأة مذهلة . 
إتفضل . إتفضل . 
وتقدمت الرجل الي الصالون . 
تمالكت نفسي . وسألت الرجل عن المهمة : أي خدمة . 
قال لي : الرئيس جمال عبد الناصر سوف يقابلك اليوم الساعة السادسة مساءا في إستراحة المعمورة . 
تساءلت بكل حواس الدهشة : لماذا ؟ . 
أجاب : لا أدري . دي تعليمات . وأنا مسؤول فقط عن تنفيذ التعليمات . 
سوف تأتيك سيارة الساعة الخامسة مساءا . كن مستعدا لمقابلة الرئيس . 
هكذا دخلت إستراحة المعمورة مدججا بالأفكار المتناقضة ، والمشاعر المضطربه .. وعدم التوازن .. 

في السادسة بالضبط رأيت عبد الناصر . شخصية طاغية . لا تتمالك نفسك أمامها . 
مد الرجل لمصافحتي . لكنني لم أتمكن . شلت يدي . ولم أتمكن من تحريكها . 
لاحظ الرجل إرتباكي وإضطرابي غير العادي الي حد الإنهيار. 
أشار بأصبعه الي أحد المساعدين . 
هاتو ليمون وقهوة للدكتور. 
ووجه الحديث الي : يادكتور إتفضل الليمون والقهوة . سأعود إليك بعد عشر دقائق .. 
هكذا أراد الرجل أن يهدأ من روعي ، ويمنحني فرصة لإلتقاط الأنفاس .. 

بعد عشر دقائق عاد عبد الناصر ، وتباسط في الحديث معي : قالولي إنك أستاذ كويس ومجتهد ونشيط ، وأنا أريد إختيارك وزيرا للتموين .. 
توقف برهة ، ولم يسمح لي بالرد . 

قال : أنت تعرف أن الدكتور عبد الملك سعد وزير التموين توفي منذ أسابيع ، وكان رجل عظيم ومجتهد . ونحن في حاجة الي نموذج آخر . 
شوف : اليوم سأصدر قرارا بتعيينك مستشارا لوزارة التموين . سوف تتسلم عملك غدا . إدرس الوزارة كويس . وقدم لي رؤيتك لتطويرها خلال شهرين . بعد كده تسافر الي ويوغوسلافيا لتدرس لنا نظام الجمعيات التعاونية الإستهلاكية . وكيفية تطبيق هذا النظام في مصر . إذا نجحت في الإختبار ، سوف نصدر قرارا بتعيينك وزيرا للتموين .
شد حيلك يادكتور .. 

هكذا كان عبد الناصر يختار وزراءه ويجهزهم .. 

بنفس الطريقة تم إختيار وتجهيز الوزراء العملاقة : الدكتور عزيز صدقي الذي كان عضوا في مجلس الإنتاج ثم رئيسا لهذا المجلس . الدكتور مصطفي خليل وزير المواصلات . والدكتور عبد المنعم القيسوني وزير الماية . وغيرهم من الكفاءات الوزارية المرموقه .. 

وظل كمال رمزي ستينو وزيرا ونائبا لرئيس الوزراء خمسة عشر عاما ، نشر خلالها نظام الجمعيات التعاونية الإستهلاكية في بطول مصر وعرضها ، ووفر مراكز توزيع للسلع بأسعار تقل بنسبة ٢٥٪ الي ٥٠٪ . وأقام نظاما لتوريد السلع الي هذه الجمعيات . وإرتبط بهذا النظام مئات من المواقع الإنتاجية ، وآلاف الأفراد .. باختصار كان لدينا سوقا داخلية نشطة وعالية الطلب والإنتاج ، تضم مئات الآلاف من الأفراد .. 

هذه الجمعيات ، تم تعظيمها في العالم الخارجي ، وإنطلقت الي العالم تحمل أسماء كارفور وسبينز وغيرها . 
كما نشأ علي أنقاضها وبديلا لها في مصر ، سلسلة محلات المحمل وأولاد رجب وفتح الله والتوحيد والنور وسعودي وزاد والبقية تأتي .. 

علي النقيض النقيض : تمت سلسلة من الإختيارات العشوائية في عهد الرئيس أنور السادات .. 

في يناير ١٩٧٧ إنتفض المصريين في مظاهرات زلزلت نظام السادات من أسوان للأسكندرية . إستمرت الإحتجاجات يومين كاملين . وعرفت بإنتفاضة يناير ( وكأننا علي موعد مع يناير دائما ) .. 

كادت السلطة أن تسقط تماما أمام الإحتجاجات . لكن السادات لجأ الي الإخوان لإجهاض الإنتفاضة ، كما فعل في مرات سابقة .. 
إنسحب الإخوان من الشارع . وتمكنت الشرطة من تطويق الموقف .. 

في اليوم التالي فوجئ الرأي العام بإستقالة الدكتورة عائشة راتب من منصب وزير الشؤون الإجتماعية . ونشرت نصا ملتهبا للإستقالة . ومازال هذا النص كاشفا لما حدث ، وفاضحا للتحالف غير الشريف بين السادات وجماعة الإخوان .. 

إستقالة عائشة راتب دفعت اللواء ممدوح سالم رئيس الوزراء ، الي إجراء تعديل لوزارته ، والتضحية ببعض الرموز الوزارية ، لتهدئة الخواطر .. 
توقف رئيس الوزراء طويلا أمام منصب وزير الشؤون الإجتماعية .. 
إجتمع مع وزير داخليته النبوي إسماعيل .. وطلب منه ترشيح واحدة ست طيبة ، ومالهاش في المشاكل السياسية .. 

عرض النبوي إسم سعاد أبو السعود أمينه المرأة في حزب مصر الإشتراكي الذي يرأسه رئيس الوزراء نفسه . 
لكن اللواء ممدوح سالم رفض الإسم ، وقال : دي ست تلفزيونية .. 
وفكر النبوي إسماعيل طويلا .. 
أخيرا حصل علي غايته : الدكتورة آمال عثمان نائبة سعاد أبو السعود .. دي يافندم طيبة وزي الفل .. ( معيار زي الفل ، كان واحدا من المعايير الممتازة عند إختيار القيادات في عهد حسني مبارك ) 

بحثوا عن آمال عثمان في جامعة عين شمس حيث تعمل آستاذا للقانون . فلم يجدوها . بحثوا عن رقم تيلفون ، فلم يجدوا لها رقم تيلفون ( كانت التيلفونات عام ١٩٧٧ إستثناءا فوق كل الإستثناءات ) .. 
أخيرا عثروا علي منزلها في الدقي .. 

في العاشرة مساءا وقفت سيارة مجلس الوزراء ، في حماية سيارة شرطة ، أمام منزل آمال عثمان ، وطلبوا منها النزول فورا للتوجه الي مجلس الوزراء .. 
وشعرت السيدة أنها معتقله ، فطلبت من زوجها إعداد حقيبة بها بطانية ملابس ثقيلة لزوم السجن في يناير .. 

قابلها ممدوح سالم ، وهدأ من روعها ، وأبلغها بالقرار : الرئيس السادات إختارك وزيرة للشؤون الإجتماعية . وغدا تؤدي اليمين الدستورية ، البسي كويس ، السيارة في إنتظارك ، لتوصيلك الي قصر القبة الساعة العاشرة صباحا .. 

بعد أداء اليمين ، توجهت آمال عثمان لتلملم أورقها من الجامعة ، وتخطر رئاسة الجامعة بأنها في إجازة وزارية ، ربما لا تمتد أكثر من ستة أشهر . 
هكذا أبلغت رئيس الجامعة ، كما أبلغت زملاءها . وأيقن الجميع أن السيدة عائدة بالفعل بعد ستة أشهر . وأن رئيس الوزراء أبلغها بذلك .. 

وقضت آمال عثمان في الوزارة ١٨ سنة . وليس ستة شهور . وشغلت نفس المنصب مع عشرة رؤساء وزراء .. 
ممدوح سالم ، ومصطفي خليل ، وأنور السادات ، وحسني مبارك ، وفؤاد محي الدين ، وكمال حسن علي ، وعلي لطفي ، وعاطف صدقي . وخرجت في وزارة كمال الجنزوري .. ( إختار الأخير الدكتورة ميرفت التلاوي وزيرة للشؤون الإجتماعية ، التي تصدت بقوة لكل عمليات التلاعب بأموال التأمينات الإجتماعية ) .. 

وظلت آمال عثمان بدون خطأ أو خطيئة شخصية . لم ترتش . ولم تقبل المجاملات . ولم تندمج في شلل الفساد والرقص والسبهلله . لكنها إرتكبت كل الخطايا في حق الوطن .. 

فرطت في أمانة التأمينات الإجتماعية ، التي إستولت عليها الوزارات المختلفة . وتوقفت مراكز القوي والمؤسسات السيادية عن تحصيل الإشتراكات الشهرية . وأفلست صناديق التأمينات الثلاثة ( الحكومي والعام والقطاع الخاص ) .. 

كما سمحت للإخوان المسلمين والسلفيين بتأسيس آلاف الجمعيات الأهلية ، ومايرافقها من مدارس ومستشفيات وخدمات تربية اليتامي والمشردين .. 
الغريب أن هذه الوزيرة وقفت بعناد أمام كل مساعي التيار المدني ، فلم تسمح له بممارسة نفس الأنشطة .. .. 

هذه الحكايات جزء من الإرشيف الشخصي ، الذي تراكم لدي عبر أربعون عاما من العمل الصحفي .. 
وهي حكايات دالة لتفسير ماحدث خلال العقود الأربعة الأخيرة .. 
وتكشف في بعض تجلياتها عن معايير إختيار الوزراء في عهود جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك . وحتي لا يضيق القارئ ، أكتفي بعرض قصتي كمال رمزي ستينو وآمال عثمان .. 

معيار إختيار الوزراء في عهد عبد الناصر : الرؤية . وتحديد المهمة ، والتكليف والإعداد .. 
كل وزراء عبد الناصر تم إختيارهم من رؤية الثورة والدولة والمهمة التاريخية . وتم إعداد الوزير قبل تكيلفه بالعمل .. 
ومازال مركز إعداد الوزراء والمحافظين ورؤساء المدن قائما في ميدان روكسي . وظل يحمل أسم المعهد الإشتراكي ، ثم تحول في عهد حسني مبارك الي مركز الدراسات الوطنية . 

أما في عهد أنور السادات وحسني مبارك ، فقد تم إختيار الوزراء بمعايير العشوائية وزي الفل وسد الذرائع والمجاملات وشلة الأصدقاء ( وزارة عاطف صدقي من شلة لعبة الطاولة - وشلة باريس ) . وزارة عاطف عبيد ( من شلة المنتفعين بالمساعدات الأجنبية ورجال الأعمال ) . وزارة أحمد نظيف ( من شلة أصدقاء جمال مبارك ) . 

سؤال . 
الي أي حد يمكن تطبيق معيار جمال عبد الناصر علي أول وزارة يتم تشكيلها في عهد عبد الفتاح السيسي ؟ 
في حوار المرشح الرئاسي عبد الفتاح السيسي ، سأله الإعلامي إبراهيم عيسي : هل لديك بنك معلومات بالكفاءات التي يمكن أن تتولي قيادة المشروعات والأفكار التي تطرحها . 
أجاب السيسي بحماس : نعم . كل شئ جاهز .. 

ماذا حدث بعد تكليف المهندس إبراهيم محلب . 
إختفي رئيس الوزراء المكلف في مغارة بعيدة عن الرأي العام والإعلام والتسريبات والحكايات والفبركات الصحفية .. 
عاش في المغارة ثمانية أيام ، وخرج بالتشكيل الوزاري الذي شاهدناه اليوم يؤدي اليمين الدستورية . 

سؤال : هل هناك إسم واحد يسمح بالظن إنه خرج من بنك معلومات المرشح الرئاسي عبد الفتاح السيسي ؟. 
نعم : هناك إسم الوزير عادل البلتاجي ، الذي تولي حقيبة الزراعة ، وكان يتولي مهمة دراسة المشروعات الزراعية خلال الحملة الإنتخابية للسيسي . 

سؤال ثان : هل هناك أسماء تم تكيلفها بدراسة موضوعات محددة ، خلال الفترة الماضية ، وتم تكيلفها بحقائب وزارية في التشكيل الجديد ؟ . 
نعم : هناك علي الأقل إسمان ، التقي بهما المهندس إبراهيم محلب عند تشكيل وزارته الأولي ، ثم تخلي عنهما ، وعادا للظهور ، وكلفهما بحقائب وزارية . الأول الدكتور خالد محمد فهمي وزير البيئة في عهد هشام قنديل ، ولم يدخل الوزارة في تشكيلة محلب الأولي ، لكنه إستمر مستشارا لوزارة البيئة طوال الشهور الثلاثة الماضية ، وهو منصب غير معتاد .. 
أن يظل الوزير السابق موجودا داخل الوزارة .. ومرؤوسا لوزير آخر .. 
هل ظل خالد فهمي ليقوم بدراسات محددة لتطوير وزارة البيئة . ربما . 
هناك أيضا وزير العدل المستشار محمود صابر ، الذي التقاه المهندس محلب في التشكيل الأول ، وإنتفض نادي القضاة رافضا إختياره وزيرا للعدل .. 
فجأة ظهر المستشار ، ليحتل منصب وزير العدل . 
هل ظل مكلفا بوزارة العدل ، ودراستها من الداخل ، حتي يسهل تطويرها فور توليه المنصب … ربما . 

سؤال ثالث : لماذا أبقي رئيس الوزراء علي عشرة وزراء من التشكيلة السابقة ؟ . 
الإجابة الرسمية : إنهم فريق تم إختباره بالفعل ، والتأكد من كفاءته ، وقدرته علي الإنجاز بما في ذلك وزراء الداخلية والتموين والمالية والأوقاف والتعليم والكهرباء والإسكان وربما السياحة .. 
وهناك وزراء مازالوا تحت الإختبار مثل غادة والي وناهد العشري وزيرة القوي العاملة . 
وهناك وزراء محلك سر ، ومع ذلك إستمروا مثل منير فخري عبد النور وأشرف العربي . 

سؤال رابع : الي أي حد تنتمي إختيارات السيسي الي معايير عبد الناصر .. 
هذا السؤال أجاب عليه الإعلامي إبراهيم عيسي في حلقة الأمس ٢٥/٣٠ 

إبراهيم رفع عقيرته بألف كلمة قائلا : إنها إختيارات تقليدية وشخصيات تقليديه وعقلية تقليدية ومعايير تقليديه .. 

وإختار لشرح رؤيته ملف وزارة الخارجية . 
كل وزير خارجية منذ عهد عمرو موسي حتي الآن يتم إختياره علي أساس سجل الخدمة في الولايات المتحدة أو المنظمات الدولية في واشنطن .. 
وعادة مايطرح السؤال علي هذا النحو عند إختيار وزير الخارجية : هاتو لنا سجل السفراء الذين شغلوا مناصب مختلفة في واشنطن .. 
حتي في عهد الثورة : إخترنا محمد العرابي ، ثم كامل عمرو ، ثم نبيل فهمي ، وأخيرا سامح شكري . 

لم نحدد حتي الآن مهام وزارة الخارجية في عصر الثورة . ولم نختر الوزير الذي يتوافق مع رؤية الثورة .. 
لم نختر سفيرا شغل منصب السفارة في طوكيو أو بكين أو نيودلهي ، أو سيؤول أو موسكو .. 

وإستمر إبراهيم عيسي في تقديم نماذج المعايير التقليديه : إخترنا اللواء عادل لبيب وزيرا للتنمية المحلية . هذا الرجل تقليدي الفكر والرؤية والإتجاه .. 
ماذا سيفعل بنا . سيختار المحافظين بنفس المنطق وبنفس قدراته الفكرية . 
سيختار رؤساء المدن بنفس المنطق وبنفس القدرات المتخلفة .. 
وسيظل الحكم المحلي مترديا ، فاسدا ، متخلفا ، ومسيطرا بسوادة علي مستقبل مصر .. 

ثم قارن بين الفكر التقليدي وغير التقليدي : وإختار لذلك الدكتور محمد مختار جمعه وزير الأوقاف . 

إن هذا الرجل بمعيار الفكر التقليدي شخصية إستثنائية . كنا في حاجة الي رجل ، شجاع ، يواجه كل الإنحرافات في ملف الداعاة والدعوة .. 
ونجح الرجل خلال أقل من عام ، من إعادة تنظيم الملف . ولنا أن نتباهي به . ونشدوا بكل ماقام به من أعمال .. 

لكن وزارة الأوقاف ، ليست ملفا للدعاة والدعوة فقط . 
الوزارة لديها ملف إقتصادي من الوزن الثقيل .. 
الديها محفظة أرض وأطيان وعقارات وأموال سائلة ، تسمح أن تكون مستثمرا رئيسيا في مصر ، ومشاركا فعالا في كل المشروعات المطروحة . هل يستطيع الدكتور محمد مختار جمعة القيام بهذه المهمة الحيوية في المرحلة المقبلة .
الإجابة : لا بالتأكيد … 
إذن إخترنا الرجل بمعايير تقليدية ، ونجح الرجل بامتياز في مهمته التقليدية … 
لكنه لن ينجح في تدوير المحفظة المالية الثقيلة لهذه الوزارة .. 
هل يمكن أن نتجاهل محفظة وزارة الأوقاف في المرحلة المقبلة ؟. 

القراءة الرشيدة لملف الوزارة الجديدة يوحي : أننا أمام وزارة تقليدية بإمتياز ، تم إختيارها بمعايير تقليدية بإمتياز ، مع بعض الإستثناءات التي تبشر ببعض النجاح وليس كل النجاح أو نصف النجاح أو حتي ربع النجاح .. 
اللهم خيب ظنونا في هذه القراءة الرشيدة

التعليقات