كرزم: لماذا الحديث عن منشآت تحلية بحر غزة والمياه الغزيرة المنهوبة إسرائيليا تجري تحت أقدام الفلسطين

كرزم: لماذا الحديث عن منشآت تحلية بحر غزة والمياه الغزيرة المنهوبة إسرائيليا تجري تحت أقدام الفلسطين
رام الله - دنيا الوطن
سلط الخبير البيئي ومدير وحدة الأبحاث في مركز العمل التنموي/  معا جورج كرزم، الضوء في تقرير أخير بعد تعالي أصوات بعض الممولين والجهات الفلسطينية الرسمية وغير الرسمية حول ضرورة إقامة منشآت لتحلية مياه البحر في قطاع غزة؛ بل إن الاتحاد الأوروبي ومنظمة اليونيسف (التابعة للأمم المتحدة) وضعا في آذار الماضي حجر الأساس لمشروع بناء محطة تحلية في القطاع ستزود نحو 75 ألف فلسطيني في خان يونس ورفح في الجنوب، بستة آلاف متر مكعب من مياه الشرب يوميا.  بيان مشترك للاتحاد الأوروبي واليونيسيف أعلن بأن الأخيرة ستنفذ المشروع بفضل توفر منحة مالية له من الاتحاد بقيمة 13.7 مليون دولار أميركي.

وأشار كرزم: يقول الاتحاد الأوروبي بأن منشأة التحلية الجديدة ستوفر مياها عذبة نظيفة لآلاف الأسر الفلسطينية.  ومن المتوقع أن تصبح منشأة التحلية المحاذية للبحر قرب مدينة دير البلح (وسط القطاع) جاهزة للعمل في عام 2015.  ووفق الاتحاد الأوروبي يشكل هذا المشروع "جزءا من التزام أوسع للاتحاد الأوروبي لتحسين حياة الفلسطينيين في كل من غزة والضفة الغربية، وبخاصة في مجال المياه والصرف الصحي وإدارة النفايات الصلبة".

وأشار بيان الاتحاد الأوروبي ومنظمة اليونيسف إلى أن "ما يصل إلى 95% من المياه الجوفية بقطاع غزة غير صالحة للاستهلاك؛ لذا فإن أكثر من أربعة من أصل خمسة فلسطينيين في غزة يشترون مياه الشرب باهظة الثمن من باعة خاصة غير منظمين رسميا؛ ما جعل نسبة إنفاق العديد من الغزيين على المياه تصل إلى ثلث دخلهم".

وبحسب الاتحاد الأوروبي واليونيسيف، فإن بناء محطة تحلية المياه كان خيار سلطة المياه الفلسطينية عام 2011؛ ما سيسهم في الحد من الإفراط في استخراج المياه الجوفية، وبالتالي منع الانهيار التام لخزان المياه الجوفية في غزة؛ علما أن الاستمرار في الضخ المفرط للمياه الجوفية قد يجعل الخزان غير صالح للاستعمال بتاتا حتى عام 2016 بحسب تقارير الأمم المتحدة.

يشار إلى أن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أعلن في بيان أصدره في 20 آذار الماضي، بأن 5.8% فقط من الأسر الفلسطينية في قطاع غزة تتمتع بمياه جيدة وصالحة للشرب؛ نظرا لارتفاع نسبة الملوحة في المياه بسبب تسرب المياه العادمة إلى المياه الجوفية.  وفي المقابل، تعاني نحو 94% من الأسر الفلسطينية في قطاع غزة من مياه شرب متدنية للغاية في جودتها.  وذكر ذات البيان بأن 28% من المياه المزودة للقطاع المنزلي في الضفة والقطاع  يتم شراؤها من شركة المياه الإسرائيلية "ميكوروت".  كما أن نسبة المياه التي يحصل عليها الفلسطينيون من الأحواض الجوفية في الضفة الغربية لا تتجاوز 15%من مجموع المياه المستغلة منها، بينما ينهب الاحتلال الإسرائيلي ما يزيد عن 85% من مياه  الأحواض ذاتها؛ ناهيك عن أن الاحتلال يمنع الفلسطينيين من الاستفادة من مياههم في حوض نهر الاردن منذ العام 1967.

ويضف كرزم: وفقا لصفقة أوسلو "التزمت" إسرائيل ببيع السلطة الفلسطينية 27.9 مليون متر مكعب من المياه سنويا؛ منها 5 ملايين يفترض إيصالها لقطاع غزة.  إسرائيل "قررت"، وفق أوسلو، بأن الاحتياجات الفلسطينية المستقبلية هي80 مليون متر مكعب إضافي سنويا.  وبسبب القيود الإسرائيلية المفروضة على تطوير وحفر آبار جديدة، فضلا عن تقييد حرية حركتهم، ينتج الفلسطينيون حاليا 87 مليون متر مكعب فقط من المياه في الضفة الغربية، أي أقل بنحو 21 مليون متر مكعب مما خصصته صفقة أوسلو.  وقد زادت إسرائيل كمية المياه التي تبيعها سنويا للفلسطينيين، فبلغت حوالي 60 مليون متر مكعب، أي أكثر مما نصت عليه اتفاقية أوسلو الثانية.  وهذا يعني مزيدا من إمعان المحتل في بيع الفلسطينيين مياههم المنهوبة وبالتالي تعميق تبعيتهم للمحتل (آفاق البيئة والتنمية، نيسان 2014).

 

تعاون مع المحتل

الغريب حقا، وفق كرزم، أن "المتحمسين" لمشاريع التحلية في غزة من ممولين ورسميين فلسطينيين، يتجاهلون تماما بأن إسرائيل تعد أكبر "المتحمسين" أصلا لحث الفلسطينيين على تحلية مياه بحر غزة، أو شراء المياه المحلاة من إسرائيل ذاتها. ويكمن وراء هذه "الحماسة" دافع سياسي-أمني-استراتيجي يتمثل في ضمان إسرائيل مواصلة نهبها المطلق للمياه الفلسطينية العذبة، وبالتالي مطالبة الفلسطينيين بسد عجزهم المائي الخطير الناجم عن السرقة الإسرائيلية المفتوحة للمياه، من خلال إنتاج أو استعمال المياه المحلاة؛ وبالتالي تكريس النهب الإسرائيلي للمياه العذبة.

في الحقيقة، مشاريع تحلية المياه في غزة تصب في سياق المشاريع الإسرائيلية المائية الإستراتيجية الهادفة إلى تثبيت وشرعنة النهب الإسرائيلي الضخم للموارد المائية الفلسطينية.

الجدير ذكره أن إسرائيل طالما ادعت في السنوات الأخيرة بأنها خصصت قطعة أرض لإقامة منشأة لتحلية مياه البحر لصالح السلطة الفلسطينية، وذلك في المنطقة الصناعية بمدينة الخضيرة!  إلا أن سلطة المياه الفلسطينية، وطيلة سنوات طويلة، نفت مرارا جملة وتفصيلا علاقة السلطة بادعاء إسرائيل حول منشأة تحلية مياه البحر.

ولفت كرزم أيضاً أنه من المثير للدهشة، أن السلطة الفلسطينية فاجأت الجميع حينما وقَّعَت في التاسع من كانون أول 2013 (في واشنطن)، بشكل فجائي، على اتفاق إسرائيلي-أردني-فلسطيني جديدا سمي "مذكرة تفاهم" لإنتاج مياه محلاة في منطقة العقبة.  ومن بين أمور أخرى، نصت المذكرة على وجود "استعداد" إسرائيلي "لبيع 20-30 مليون متر مكعب من المياه من محطات تحلية المياه الإسرائيلية، ليتم تسليمها في نقاط التوريد المتفق عليها" للسلطة الفلسطينية!  بمعنى، وافقت السلطة على شراء المياه المحلاة من إسرائيل، رغم أن المياه الغزيرة المنهوبة إسرائيليا تجري بكميات هائلة تحت أقدام الفلسطينيين!  وتم الاتفاق مع الاحتلال للحصول على المياه المحلاة، بينما لا تزال الحقوق المائية الفلسطينية في الأحواض الجوفية ونهر الأردن مسلوبة؛ ما يعني، موضوعيا، تعاونا مع المحتل لنسف الحقوق المائية الفلسطينية؛ ونسف الادعاءات السابقة بعدم التعاون مع الإسرائيليين في مجال المياه المحلاة قبل حصول الفلسطينيين على حقوقهم المائية في حوض نهر الأردن والمياه الجوفية في الضفة الغربية!

إسرائيل تستغل نهبها للمياه العربية والفلسطينية، من ناحية، وتقنياتها الخاصة بإنتاج المزيد من المياه المحلاة، من ناحية أخرى، كي تبيع المياه للعرب والفلسطينيين مباشرة من محطات التحلية، أو كي تنخرط في إنشاء مرافق تحلية مماثلة في البلدان العربية.

 

الاتفاقيات الاستعمارية تركت غزة تواجه وحدها الظلم والتعطيش

ويفيد كرزم بأن الجهات الدولية والفلسطينية الرسمية لم توضح لنا، في سياق تهليلها لمشاريع التحلية، لماذا 95% من المياه الجوفية بقطاع غزة غير صالحة للاستهلاك الآدمي، ولماذا أكثر من أربعة من أصل خمسة فلسطينيين في غزة يشترون مياه الشرب باهظة الثمن، ولماذا الإفراط في استخراج المياه الجوفية؛ ما قد يؤدي إلى "الانهيار التام لخزان المياه الجوفية في غزة"؟  أليست تلك الجهات ذاتها مساهمة بشكل مباشر أو غير مباشر في الواقع المائي المزري والخطير الذي وصلت إليه غزة، بل وتكريسه؛ ذلك أن الاتفاقيات الاستعمارية مع الإسرائيليين (أوسلو 2 المرحلية)، تركت قطاع غزة يواجه وحده الظلم والتعطيش المائيين الرهيبين المفروضين عليه؛ إذ، وفقا للاتفاقيات، "يجب" على القطاع أن يتدبر شأنه المائي لوحده، وأن يعتمد فقط على المياه الجوفية الشحيحة داخل حدوده؛ ما أجبر الغزيين على الضخ المفرط للمياه؛ الأمر الذي تسبب في تسرب متواصل لمياه البحر ومياه الصرف الصحي إلى المياه الجوفية، وبالتالي، أصبح أكثر من 90% من المياه العذبة غير صالحة للشرب.  الاتفاقيات الاستعمارية كرست وثبتت سلب الحقوق الوطنية، وفتتت الجغرافيا الفلسطينية وعمقت التجزئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وانعدام السيادة.  

 أزمة المياه في غزة كان يمكن حلها، إلى حد بعيد، من خلال تطوير بنية تحتية مائية تربط غزة بسائر أنحاء فلسطين، أو على الأقل ربطها بالآبار الجوفية الغنية في الضفة الغربية، بحيث يتم تمديد خط مياه بين الضفة وغزة لتزويد الأخيرة بكميات كبيرة من المياه اللازمة لتغطية العجز المائي الخطير والمتزايد مع زيادة النمو السكاني.  أو أن يخصص لقطاع غزة جزء من مئات ملايين الأمتار المكعبة من المياه العذبة التي تنهبها إسرائيل سنويا من حوض نهر الأردن وتحولها نحو منطقة النقب المحاذية تماما لغزة.

كما يمكن حل جزء لا يستهان به من أزمة غزة المائية المفتعلة أصلا من قبل الاحتلال، من خلال وقف نهب إسرائيل لمياه الأمطار المتدفقة في وادي غزة من جهة الأرض المحتلة عام 1948، من خلال الأحواض والمصائد المائية التي نصبها الاحتلال على حدود قطاع غزة لمنع تسرب مياه الضفة إلى هناك.  في الواقع، الاتفاقات الإسرائيلية-الفلسطينية شرعنت عملية النهب هذه التي كانت قائمة قبل إبرامها.

وفي المدى القصير، يمكن شراء المياه (المنهوبة) من إسرائيل، ضمن إطار ذات الترتيبات والشروط المعمول بها في الضفة الغربية؛ علما أن سعر المتر المكعب من المياه التي تشترى في الضفة من شركة "ميكوروت" الاستعمارية نحو 2.85 شيقل إسرائيلي، بينما أرخص سعر ممكن للمتر المكعب من المياه المحلاة لا يقل عن 4 شيقل. 

 

تهميش المخاطر البيئية الكبيرة

المشكلة وفق كرزم أن أنصار محطات التحلية لا يغيبون فقط الأبعاد السياسية الأمنية الإستراتيجية الإسرائيلية الكامنة خلف الدعوة لتحلية مياه البحر؛ بل يعمدون أيضا إلى تهميش المخاطر البيئية الكبيرة التي ستتسبب بها مشاريع التحلية في غزة، والتي تعتبر مشاريع مكلفة جدا سياسيا، اقتصاديا وبيئيا.

ويتمثل أول هذه المخاطر في احتلال مساحات كبيرة من الأراضي؛ إذ أن منشآت التحلية تحتل مساحات واسعة من الأراضي مرتفعة الثمن، بمحاذاة شواطئ البحر.  وبالطبع، مثل هذه المشاريع بقطاع غزة الصغير جدا بمساحته (نحو 365 كم2)، ستفاقم الازدحام السكاني الكبير الذي يعاني منه الغزيون، والذي يعد الأعلى في العالم.

كما يعد التلوث بالضجيج من أبرز أشكال التلوث الناجم عن مشاريع تحلية المياه، وبخاصة في المناطق الصغيرة بمساحتها والمكتظة سكانيا، كما حال القطاع؛ وينتج هذا التلوث من مضخات الضغط العالي والمولدات الخاصة بإنتاج الطاقة.  علاوة على الأذى الكبير الذي سيلحق بالطبيعة وبمشهد البيئة البحرية؛ والناجم أساسا من المباني والمنشآت والأنابيب وما إلى ذلك.

يضاف إلى ذلك، كما يذكر كرزم في تقريره، الأضرار المتوقعة على الأنظمة الإيكولوجية والبيئة البحرية؛ نتيجة تثبيت الأنابيب وضخ كميات ضخمة من مياه البحر؛ ومن ثم إعادة ضخ المخلفات الملحية إلى البحر؛ إلى جانب ضخ الكيماويات والمواد العالقة والحديد ومواد أخرى ناتجة عن التحلية، إلى البحر أيضا.  ناهيك عن الاستهلاك الضخم للطاقة؛ إذ أن عملية التحلية تستهلك كميات كبيرة من الكهرباء طيلة أشهر السنة؛ ما سيعزز وقوع أهلنا في غزة تحت رحمة الاحتلال و"كرمه" في تزويد الكهرباء والوقود وقطع الغيار اللازمة لتشغيل المنشأة في ظل الحصار التجويعي المحكم.  ناهيك أن منشأة التحلية قد تكون معرضة للقصف الإسرائيلي والتدمير في أية لحظة، وبالتالي تعريض مئات آلاف الناس للعطش الحقيقي.  وكلنا يذكر ما حدث عام 2006 مع محطة توليد الكهرباء في غزة، حين قصفتها الطائرات الحربية الإسرائيلية؛ فَشُلَّ عملها لفترة طويلة.                        

وختم كرزم: ستفاقم منشآت التحلية تلويث المياه الجوفية الملوثة أصلا في قطاع غزة، بسبب تسرب مزيد من المياه المالحة إليها، ما سيقضي نهائيا على ما تبقى من مياه جوفية قليلة صالحة للشرب.  ونتيجة عمليات التحلية، يتوقع بعض الهيدرولوجيين أن يتحول لون مياه البحر في شاطئ غزة إلى الأحمر؛ وذلك نتيجة التقاء الحديد بالمياه.             

إذن، قبل التفكير بحلول لأزمة المياه، مدمرة للبيئة ومثبتة لسرقة إسرائيل لمواردنا المائية العذبة، ألا يجدر بالجهات الممولة والدولية أن تضغط على الاحتلال أولا لإرغامه على وقف نهبه للمياه الفلسطينية الجوفية والسطحية، وإجباره أيضا على نقل المياه التي يستولي عليها في الضفة إلى غزة، ووضع حد لما تقوم به إسرائيل من عمليات حجز وتحويل لمياه الأمطار المتدفقة من الضفة والأراضي المحتلة عام 1948 نحو القطاع.  هذا إلى جانب ممارسة حقنا المشروع في النضال الوطني لانتزاع سيادتنا السياسية على أرضنا ومواردنا الطبيعية والمائية.

التعليقات