الوطن والراتب: أزمة اخلاقية في الثورة

الوطن والراتب: أزمة اخلاقية في الثورة
بقلم : رشاد أبو مدلله

كانت القضية الفلسطينية من أطهر القضايا الثورية بالعالم، وتعتبر الشعار الذي يرفعه الآخرون ليتغنوا بكرامتهم وعزتهم ، وانتمائهم للعروبة ولأوطانهم، كانت هي الثورة والنضال، هي الكرامة والقتال ، هي الشموخ كالجبال،... أقولها كانت ... وتغص بحلقي شوكة مريرة  باطراف حادة مقيتة ، ربما  تحاول أن تمنعى من قول كانت، وربما تبكي هي الأخرى على ما كانت وما آلت.

مرت القضية الفلسطينية بالعديد من الوكسات والوقفات، كان بها الكر والفر، كانت الانتفاضة والسلام، المقاومة والمفاوضات، ولكن يجمع الجميع أن أكبر الوكسات والتي تعادل النكسة والنكبة بوكستها،  هي أحداث 2007 ، أحداث الانقسام الفلسطيني الداخلي والاقتتال الداخلي، تلك الأحداث كانت نكسة ووكسة ونكبة حقيقية بالشعب والقضية الفلسطينية.

عندما أتحدث عن الانقسام ، فأنا أعنى  كل إفرازاته ومفرزاته، وأخص بالذكر ما لم يتحدث عنه آخرون، فربما هي الطريق الصعب ولكن جلد الذات والاعتراف بالخطيئة مهمُ جدا للتصويب والتصحيح، فما حدث من وكسات، من إزهاق للروح الفلسطينية، و سيول الدماء الطاهرة التي روت شوارع غزة بأيدي فلسطينية، ما حدث من شطر الوطن لشطرين وتقسيم الشعب لشعبين، وتوزيع الخيرات – ان وجدت – لجزئين، لهو أهون علي مما سأتحدث عنه.

إن ما لا يعرفه البعض، أو يعرفه ويخاف أن يجاهر به، هو الأزمة الأخلاقية الثورية التي خلفها الإنقسام الفلسطيني، فالانقسام زرع أزمة أخلاقية في الروح الثورية للمواطن الفلسطيني، أصبح الراتب هو القِبلة ، ونسى العديد قبلتنا الأبدية وهي القدس، أصبحت الكهرباء هي المطلب، وتناسى الكثير مطلبنا بالإفراج عن الأسرى تناسوا  من يعيشون بظلام مستمر ومخيف، أصبح الوقود والمعبر هي الفكرة ، وتناسى الشعب ما يحدث من استيطان وتجريف وتهويد لأراضي القدس والضفة الغربية.. نعم، هذا هو الخطر الحقيقي ، هذا أسوأ ما أفرزه الانقسام الفلسطيني، جعل الهموم الحياتية هي الوجهة والمطلب للمواطن الفلسطيني،  كان الإنقسام ورموزه فنانين رائعين، يستخدمون الريشة وأناملهم بشكل رائع ، فهم من رسم الأقنعة لأزماتنا الوطنية وجعلها أزمات حياتية، حتى أصبح المواطن على قناعة تامة بأن  هذه هي قضيتنا، هذه هي مطالبنا، أصبح الشعب يرفع صوته من أجل الراتب ، يتظاهر من أجل الكابونة، يخرج من أجل المعبر، ولكن لا يوجد من يتحرك من اجل الوطن ، فهل كان الانقسام ورموزه لعبة إسرائيلية من البداية لكي تفقد القضية الفلسطينية أخلاقها الثورية، وتصبح ثورة وانتفاضة حياتية بدلا منه تحررية؟

ومن الأمور المؤسفة التي عززها هذا الانقسام البغيض هو المقاومة الممولة، فأصبح المقاوم الفلسطيني، من يرابط ليلا لحماية الحدود، مجرد موظف ، وظيفته هي الرباط، أفقدوا هذا الملاك لونه الأبيض الناصع، وجعلوه يبحث عن متاع قليل في دنياه بدلا عن وطن ولقاء برب الجميع، فإذا تأخر الراتب على هذا الموظف عدة أيام،  يبتعد عن الحدود ويرفض الرباط، حتى يحصل على راتبه، وإذا لم يحصل على وجبته المسائية كل ليل ، يرفض النضال  ويعود لبيته ، هذا الواقع المؤسف، حقا مرير، فأنا لا أشكك في قدرة المقاومة أو وجودها، فالمقاومة هي السلاح الحامي للقضية والوطن، وهي من رفع كلمة فلسطين في كل الأروقة، المقاومة هي من ردت على العدو همجيته وهي من أوقف آلة الحرب الصهيونية، ونحن لن نبنى وطن بدون مقاومة، ولكن أنا هنا أتطرق لازمة خقيقية بدأت تتفشى في أرجاء الوطن، أزمة الأخلاق الثورية، وإذا لم نعالجها سنفقد أخلاقنا كاملا، وربما نفقد كرامتنا وعزتنا، فلا  كرامة بدون مقاومة شفافة ونقية.

ومن الأمور المؤسفة والمخزية والتي تخجلنا عند الحديث عنها ،  هي حدث ويحدث من بعد حكومة الوفاق، أصبح الهم الوحيد هو الراتب، فنجد الموظفين في غزة يمنعون اخوانهم من الحصول على رواتبهم ، حتى يحصلون هم على رواتبهم، وكأن المصالحة مصالحة رواتب لا غير، وتناسى الجميع الكرامة والوطن، تجد رموز هناك لا تهتم إلا بشعارات ملفقة وصور كاذبة ، ولا تهتم بهموم شعب يعاني من الويلات، رسمت حكومة بدون حكومة، ورسموا وزراء بدون عمل ، فقد من أجل شكليات فاهية ، ونجد  ورموز هنا، تنظر لمصالحها ، وتحاول أن تخلى طرفها من أثم هم أرتكبوه ، وتجعل غيرها يحمل خطأها.

وهنا نقول للجميع، كفاكم تثاقلا على قضيتنا، ففلسطين أطهرمن أطهركم، وانتم تلوثون طهارتها، كفى ما عانته بسبب تعنتكم وحافظوا على ما تبقى لدينا من أخلاق في ثورتنا وفي كرامتنا.

التعليقات