مقارنة: الفترة الانتقالية لتوحيد الألمانيتين لم تنته بعد.. وبـ48 ساعة انتهى الانقسام الفلسطيني !

مقارنة: الفترة الانتقالية لتوحيد الألمانيتين لم تنته بعد.. وبـ48 ساعة انتهى الانقسام الفلسطيني !
كتب غازي مرتجى
أن تبحث عن حالة مشابهة للحالة الفلسطينية حيث يقبع ما يقارب 4 مليون فلسطيني في كنتونات تُسمى الأراضي الفلسطينية لتنقسم فيما بعد وتصبح غزّة دولة والضفة دولة أخرى .. لن تجد حالة مشابهة للحالة الشاذة التي عاشها الشعب الفلسطيني .. لكنك ستجد وضعاً مقارباً يُمكن البناء عليه .

انتهت الحرب العالمية الثانية  فتقسمّت ألمانيا إلى 4 أقسام ما لبثت أن استقرّت على منطقتين الأولى والتي تضم العاصمة برلين تُسمى ألمانيا الفيدرالية -ألمانيا الغربية- وتضم المناطق التي خضعت للولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بعد الحرب العالمية الثانية , أما المناطق التي سيطر عليها الاتحاد السوفييتي فتم تسميتها جمهورية ألمانيا الديمقراطية وكانت بعيدة كل البعد عن الديمقراطية وأصبحت فيما بعد تسمى -ألمانيا الشرقية- .

منذ عام 1949 بدأت ألمانيا الغربية بالتطوّر كما نظيراتها في أوروبا والولايات المتحدة واصبحت ألمانيا الغربية مركزاً للتطوّر ومحّج للألمانيين الشرقيين ممن يريد الهروب من الوضع المأساوي في الشرقية .. أما ألمانيا الشرقية فقد اعتمدت النظام الشيوعي ولم تهتم كغيرها من الدول القابعة تحت سطوة ولواء الشيوعية العالمية الى التطور الاقتصادي وأصبح فيها الوزير والغفير .. واحد , النهضة الاقتصادية في ألمانيا الغربية خلال الثلاثين عاماَ الأولى سميت في كتب التاريخ بالمعجزة الاقتصادية بينما كانت المانيا الشرقية تقبع في حالة من التخلف وقمع الحريات وكانت محط انظار المدافعين عن حقوق الانسان .. في وضعنا الفلسطيني هناك تشابهاً في بعض النقاط فالمحافظات الشمالية استطاعت ان تنهض اقتصادياً بشكل كبير خلال فترة الانقسام الفلسطيني المعروف تسلسله التاريخي لنا , وفي المحافظات الجنوبية اعتمد المواطنين على المساعدات الانسانية وعدنا أدراجنا إلى بداية التاريخ حيث تلوث المياه وانقطاع الكهرباء المتكرر ونقص الاساسيات .. حصار ما بعده حصار !

بعد تولّي غورباتشوف رئاسة الاتحاد السوفييتي وما أدى فيما بعد الى انهيار الاتحاد السوفييتي العالمي وبما أنّ المانيا الشرقية تعتبر "تبع" للاتحاد السوفييتي وكان حُكام ألمانيا الغربية تحكمهم العصبية الألمانية والذي تعتبر الجنس الالماني مفضلاً على نظرائه فقد استمرّ الغربيون بالطلب من الشرقيين بضرورة اعادة توحيد الالمانيتين وكان هدف الغربيين اعادة لم الشمل فهم يعلمون تماماً أنّ ضم المانيا الشرقية سيكلفهم الكثير والوضع الاقتصادي لألمانيا الشرقية لا يشجّع أكبر قوة اقتصادية في العالم لضمها , الاقتصاد الغربي لألمانيا كان في أوجه واعتبرت ألمانيا الغربية إحدى اهم الدول الاقتصادية في العالم ومع ضم ألمانيا الشرقية سيتغير كل شيء .

موظفون وأمنيون يتبعون لألمانيا الشرقية الدولة التي تعتبر نفسها دولة بوليسية أمنية ولك أن تعلم أن عدد منتسبي الجهاز الأمني "جهاز امن الدولة او ما يسمى ستاسي" مائة ألف موظف و 2 مليون متعاون .. كان جميعهم يتقاضون اموال رمزية من المانيا الشرقية عدا عن موظفي الوزارات والمؤسسات الحكومية والتي لم أجد لها احصائية رسمية .. في حالنا الفلسطيني نختلف قليلاً عن ذلك بوجود موظفين يتبعون المحافظات الشمالية مالياً يجلسون في بيوتهم في المحافظات الجنوبية والدولة الجديدة في المحافظات الجنوبية قامت بتوظيف 50 ألف آخرين .. فأصبح لدينا من كل زوج اثنين ..!

بعيداً عن السرد التاريخي للحالة الألمانية لك أن تعرف أنّه وبعد التوحيد فقد أصدرت الحكومة الموحدّة قرارات عدّة أهمها عدم تملك الالمانيين الغربيين في شرق المانيا للاراضي لمدة 20 عام , وتم تشكيل لجنة ينتهي عملها بعد 30 عام بالتمام والكمال لمعالجة آثار الانقسام بين الدولتين ..!

41 عاما من الانقسام بين المانيا الغربية والشرقية اضطرت الدولة لتشكيل لجنة لازالة اثار الانقسام الالماني تنتهي في 2020 .. بمعنى أنها لم تنته حتى اللحظة ..! , لجنة لمدة ثلاثين عاما بينما نحن لم نشكل حتى اللحظة اي لجنة وشكلنا حكومة مهمتها 6 اشهر ومن احدى اهم اهدافها ازالة اثار الانقسام الفلسطيني ويندرج تحت العنوان الفضفاض عناوين رئيسية اهمها الموظفين والوضع الاقتصادي والحالة المزرية في الجنوب حيث قطاع غزة وتوحيد البرنامج السياسي ..و و و و .. الخ لا يسعني تعداد المشاكل التي نجمت عن الانقسام في سطرين ..!

في حال اردنا اجراء حسابات بسيطة بعيداً عن اعتبار المانيا قوة اقتصادية كبيرة وبعيداً عن وجود احتلال لدينا فأقل مهلة مقارنة بالوضع الالماني لانهاء الانقسام يجب أن تكون 5 أعوام طبعاً مقرونة بجدول زمني محدّد وباجراءات صارمة وبنهضة اقتصادية في الجنوب والشمال متزامنتين .. دون محاصصة ..!

في المانيا كانت قوة اقتصادية بمعنى انها لا تعتمد على "الشحتة" كما في حالنا الفلسطيني وفي ألمانيا  التي لا زالت تعاني حتى اللحظة من ضم الشرقية فاقت المصروفات على اعادة اعمار المانيا الشرقية لاكثر من 100 مليار يورو .. ويكفي وصف احد خبراء الاقتصاد بأنّ ضم ألمانيا الشرقية لألمانيا الغربية منع الغربية من تسيّد العالم بدلاً من الولايات المتحدة .. اقتصادياً وعسكرياً ..

في حالنا الفلسطيني لا يمكن ان نتوقع ان تُحل مشاكل الانقسام واعادة التوحيد بيوم وليلة ولا شك أن اجراءات السنوات السبع الماضية كانت كفيلة بتخريب كل شيء والعودة لنقطة السالب مليون , وفي الحال الفلسطيني نختلف قليلاً عن الألمانيتين بوجودنا تحت احتلال اسرائيلي مدمّر بمعنى أن الدولة والتنظيمات كلها تقبع تحت احتلال ومن أهم اهدافها مقاومة اجراءات هذا الاحتلال سواء سياسيا او مدنيا او عسكريا .. بكافة الطرق , ومعنى اعادة التوحيد والعمل على عودة الامور الى نصابها يعني تجميد مقاومة المحتل قليلاً والانتباه لمقاومة رافضي الصلح ..

الانقسام الالماني كُتب في التاريخ قليلاً عنه ولكن النهضة التي عمّت بعد انهائه كُتب عنها عشرات الكتب وأصبحت مرجعاً لأي دولة تريد النجاح ضمن مقومّات صعبة وضغوطات عالية , وفي التاريخ كُتب أنّ توحيد الألمانيتين لم يكن ليحدث لولا قناعة قادة ألمانيا الغربية بضرورة التوحيد واخماد الاصوات التي نادت في حينها الى عدم توحيد شطري المانيا والسبب الاكثر الحاحاً كان الوضع الاقتصادي الصعب الذي ستعاني منه المانيا بعد ضم الشرقية لها .

يعيش في المانيا اليوم 85 مليون الماني تقريباً ويعتبر جيشها الاقوى عالمياً في المركز التاسع ويضم 19 مليون جندي تنفق الدولة على جيشها ما يقارب الـ40 مليار دولار بينما لا زالت تنفق على اعادة اعمار المانيا الشرقية سنوياً ملايين الدولارات .. وبعد ان واجهت المانيا انكسارا اقتصاديا في العقد الاخير من القرن الماضي نهضت حتى اصبحت احد اهم القوى الاقتصادية في العالم ومن ضمن اهم ثمان قوى اقتصادية تتحكم باقتصاد العالم .

أسقط الألمان جدار برلين واقتنعوا تماماً بأنّ الوحدة أهم من تصدّر العالم منقسمين .. ولا زلنا نحاول نحن اسقاط تراكمات السنوات السبع من صدورنا لنقتنع فقط بضرورة تقاسم ايرادات "الشحتة" بين الجنوب والشمال .. ولم نتمكّن حتى الآن ..!

التعليقات