بلاغ صحافي حول السجال الدوائر حول الإعلام العمومي

رام الله - دنيا الوطن
منذ مدة ونحن نتابع باهتمام بالغ تطورات السجال والتراشق الاعلامي والسياسي الدائر بين طرف حكومي ينطلق من موقع الوصاية على قطاع الاتصال والإعلام (رئيس الحكومة، - وزير الاتصال)  وطرف اداري ينطلق من موقع مسؤولية اشرافه وتدبيره لمؤسسات الاعلام السمعي البصري العمومي بقنواته المختلفة ( الرئيس المدير العام لقنوات القطب العمومي،- المدير العام للقناة الثانية، نائبة المدير العام المكلفة بالأخبار والبرامج الاخبارية).

 

وانطلاقا من الحس بالمسؤولية الوطنية، ورغبة منا في عدم الانجرار الى دوائر صراع اخترنا منذ البدء-وطيلة تجربتنا النضالية ان لا نكون رقما في حسابات اي طرف من اطرافه، وان لا نصطف إلا الى جانب المهنيين والقيم المهنية الرفيعة والحس الديمقراطي العالي الذي يلازمها.

 

ووعيا منا بدقة المرحلة التي يجتازها المغرب في رحلة بحثه المستمر لرسم نموذجه الامثل في الانتقال الديمقراطي، وما يتطلبه ذلك من تراضيات وتوافقات منتجة خصوصا، حينما يتعلق الامر بقطاع يساهم بشكل جوهري في صناعة  الوعي والذوق العام وفي التربية على المواطنة وبث روح التعبئة العامة حول القضايا الكبرى للوطن.

 

وإدراكا منا بان لكل نقاش عمومي صادق قواعده وأخلاقه، مع ما يعنيه ذلك من توفير لمناخات الحرية والتعبير الحر الذي يحترم تعدد الآراء، واختلاف المقاربات، وتفاوت التقديرات دون تكبيل لروح الاجتهاد والنقد، وبعيدا عن التجريح والشخصنة والمس بكرامة الافراد والجماعات والمؤسسات.

 

استحضارا لكل هاته المنطلقات المنهجية والمبدئية، وسعيا منا لتوضيح موقفنا مما جرى ويجري منذ واقعة دفاتر التحملات وما تلاها من تقاطبات وتجاذبات، وصولا الى  المواقف المعبر عنها من طرف السيد وزير الاتصال برحاب الغرفة الاولى للبرلمان، ارتأينا كنقابة مستخدمي القناة الثانية المنضوية تحت لواء الاتحاد النغربي للشغل انه من الواجب علينا الادلاء بالتوضيحات التالية:

 

·       ان المستوى الذي وصلت اليه اشواط النزاع بين طرفي الصراع لا يليق بذكاء المغاربة، ولا يوفر ادنى درجات الاحترام والمراعاة تجاه القوة البشرية العاملة بهذا القطاع الذي تجمع كل الاصوات على انه قطاع حيوي واستراتيجي.

 

·       ان ما يفسر حدية هذه التصريحات والتصريحات المضادة، هو ارتهان طرفيها الى نظرتين اختزاليتين لدور ووظيفة الاعلام العمومي، طرف يعتبره مجرد اداة حكومية خاضعة لتوجيهاته، وطرف لا يخفي ان قنوات الاعلام العمومي هي وسيلة يجب ان تكون في يد الدولة وحدها.

 

·       ان التحرر قليلا من آثار هذه النظرة التقاطبية يفتح الباب مشرعا امام انبثاق معالم نظرة مغايرة ترى في مؤسسات الاعلام العمومي فضاءات مجتمعية في ملكية المواطنين جميعا، على اختلاف انتماءاتهم الثقافية والسياسية والمدنية والعقدية، وترى فيها ايضا ساحة لتطارح الاجتهادات والأفكار والبرامج والمشاريع دون تمييز او منع او اقصاء وفقا لمقتضيات دولة الحق والقانون.

 

·       ان التمثل والاقتناع بالمنطق الديمقراطي يقتضي في كل شخصية تتحمل وزر المسؤولية العمومية ان تقبل لزوما حق الآخرين في انتقادها، والاختلاف معها، وتوجيه سهام المساءلة لها، دون ان يعتبر ذلك كفرا او جزءا من منطق مؤامرة تريد بالآخر شرا.

 

·       ان الصراع الديمقراطي لا يعني في اية من مخرجاته الحط من قيمة المؤسسات، كما انه لا يعني ايضا وضعها فوق المساءلة والانتقاد. وهنا لا بد لنا ان نؤكد على ان المسافة واضحة صريحة بين نقد السياسات والتوجهات، وبين الكيل بالشتيمة والقذف في حق الاشخاص وحياتهم الخاصة او استغلال الادوات العمومية لتصفية الحساب السياسي، والتحريض ضد اشخاص او مؤسسات .

 

·       ان انتقاد السياسات البرامجية والإخبارية هو امر مطلوب في كل الأحوال، غير ان صفة المهنية والطابع العلمي في النقد الاعلامي تتطلب في شخص من ينتقد عدم البقاء في دائرة الاحكام المسبقة غير المبنية على علم بما يتم انتقاده، وبالتالي التمييز بين ما هو مهني وما هو غير مهني في ما يصدر من تصريحات خصوصا ان كان المنتقد من عيار وزير مشرف على قطاع الاعلام. وعليه فاعتماد دعوى عدم المساس بالأخلاق والهوية والتراث والتقاليد والأعراف هو خطاب لا يستقيم حينما نكون بصدد النقد المهني، ويفتح الباب امام خطاب يمتح من قاموس عتيق  من قبيل نعت القنوات التلفزيونية والعاملين بها بخدام الماخور التركي اوالميكسيكي او البرازيلي.

 

·       ان هذه الخرجات التي نعتبر أنها لا تأخذ بعين الاعتبار صوت المهنيين كقوة فكر واقتراح، لها من الانعكاسات السلبية الشئ الكثير على وضع المؤسسات الاعلامية العمومية وصورتها داخل المجتمع وفي علاقتها مع الدولة، كما انها مسببة لزعزعة ثقة شركائها الاقتصاديين وتعريض نموذجها الاقتصادي للتراجع والانكماش، وهو ما قد يهدد وجودها مستقبلا. الامر الذي يشغلنا، كنقابة مسؤولة، على استمرار هذه المؤسسة كجزء من المرفق العمومي الوطني، وكمصدر عيش للعاملين بها .

 

ان خطاب الاصلاح الذي يتحدث عنه طرفي الصراع، يقتضي عوض الانزلاق الى سهولة الحسابات الصغيرة والذاتية،  توفير الاجواء الصحية  لكي ينصت الجميع الى الجميع دون تعال، وبتواضع الكبار الذين حينما يتعلق الامر بالقضايا الكبرى للبلاد، تجدهم يتسلحون بالحكمة وبالاستخدام الاقصى للعقل. ولعل اقصر السبل الى ذلك هو اعتناق عقيدة الحوار الجماعي والمشترك. هذه كانت عقيدتنا كنقابة لمستخدمي القناة الثانية منذ نشأتها، وكذلك  كان هذا سبيلنا حينما راهنت الدولة على القناة الثانية لفتح طريق الاصلاح منذ مطلع التسعينات، ولم يسجل المسار التاريخي لنقابتنا غيابها او انسحابها او ابتعادها عن تقديم آرائها وتصوراتها كلما تطلب الامر ذلك.

 

ولعل الجميع يذكر ارضية مطالب الاصلاح التي بادرنا رفقة زملائنا في الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة الى صياغتها بين جدران هذه المؤسسة ذات ربيع سنة ٢٠١١، والمرافعات الماراطونية التي خضناها تفاوضا مع رئاسة قنوات القطب العمومي، والتي توجت بتنظيم جلسات الحوار البين مهني التي ساهمت فيها نخبة من المهنيين والأكاديميين من المغرب وخارجه، حيث اثمرت عن انجاز تقرير شامل معزز بتوصيات اعتبرها المشاركون مخارج وحلول ممكنة لازمة الاعلام السمعي البصري العمومي بالمغرب. غير أنها لم تجد، للأسف، طريقها نحو التطبيق المتفق بشانه مع رئاسة القطب، وهو الامر الذي كان سيغنينا عن السقوط في انزلاقات اليوم.

 

اننا في نقابة مستخدمي القناة الثانية المنضوية تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، لسنا من عشاق البقاء في الماضي والبكاء على الاطلال، ان لنا اعتقاد راسخ ان الفرصة لا زالت سانحة حتى اليوم من اجل استدراك الفرصة الضائعة وتحويل ازمة اليوم الى معبر لاستشراف مستقبل أكثر إشراقا.




 

التعليقات