مفهوم الزمان في السياسة العربية بقلم: د . نديم سراج الدين
بقلم: الطبيب والمفكر السوري نديم سراج الدين
المانيا
هناك مجموعة من الأسئلة المطروحة والتي تشغلنا وتجبرنا على التفكير والتأمل في الواقع العام وتدفعنا الى إعادة النظر بكل ما يحصل من حولنا من اجل تكوين فكرة كاملة عن الوضع وهذه الفكرة تهيئ لإنجاز تحليل منطقي فني علمي والغوص في العمق من أجل التأسيس لقاعدة ثابتة وسليمة ممكن أن يبنى عليها حوار بناء، وندع للقارئ إمكانية الاستقراء والتقييم.
ماذا يحدث في البلاد العربية!؟ هل ما يحدث كان متوقعاً او انه خارج عن التصور او لعله يحدث لأول مرة ولا يوجد له مقارنة مع تجارب سابقة!؟
هل هذه الأزمات كانت ضرورية اي لابد منها!؟
هل كنا قادرين على تفاديها!؟ ام انها تطورات حتمية في تطورنا السياسي!؟
هل هناك إمكانية اخرى غير الانقلابات والثورات للتغيير من دون سفك دماء او الدمار
الشامل والكامل كما هو الحال في سوريا!؟
للإجابة عن جملة هذه الأسئلة لابد من الدخول الى العمق من اجل فهم الواقع ليس عن طريق السياسة فقط بل بمساعدة الفلسفة اي العقلانية العامة و مبدأ العقل السليم مع الأخذ بعين الإعتبار أولوية المعرفة على المصلحة الشخصية.
ان وظيفة الفلسفة حسب الفيلسوف هيغل هي استيعاب الزمان بالأفكار وصياغة الزمان
والتعبير عنه عن طريق المفاهيم، وفي هذا الإطار عُرف الزمان بالعقل فالعقل هو الزمان والزمان هو العقل, أما السياسة هي تنفيذ الضروري عن طريق الإمكانية ولكن في وقت محدد كتنفيذ برنامج او خطة على عدة سنوات، والقاسم المشترك بين السياسة والفلسفة هو تعريف الوعي العام الإنساني والوعي الخاص الوطني المحلي في فهم تركيبه وكيفية التعامل معه ومن هنا لا بد من تعريف الوعي.
فالوعي هو تحديد محور الانسان في الزمان والمكان أو نقول أنه التوجه العام للإنسان وتحديد موضعه في العالم.
مفهوم الزمان العام
والآن لنركز الموضوع على مفهوم الزمان لمناقشة المبدأ القائل القرار المناسب في الوقت المناسب.
لتوضيح الموضوع جمعنا المفهوم مع الصورة لتطبيق النظرية العلمية على العملية الفنية.
الصورة الأولى تظهر ساعة الفنان دالي مع الساعة المنحنية ذات المحور الواحد حيث نستطيع أن ندير العقارب من المستقبل الى الماضي.
و الصورة الثانية تمثل التحليل العلمي للزمان والفرق بين الحركة الداخلية الحسية والخارجية العددية.
أما الصورة الثالثة تعرض الساعات بعدة محاور بعد تطوير المكان الى الزمان وعدم تحويل المستقبل الى الماضي.
في حين أن الصورة الرابعة تظهر الزمان الطبيعي والمناخي والزمان العددي الحسابي
و اخيراً الصورة الخامسة تعبر عن الزمان التاريخي في الثورتين الفرنسية والشيوعية
ماهو الزمان، العصر، الوقت، .....!؟
بحسب التعريف العلمي الألماني للزمان هو عقل العصر (Zeit-Geist) و هو التعبير المحض الشكلي او المنطقي و النظري العربي.
اما التعريف العلمي الإنكليزي والعربي فهو روح (Spirit of age) و هو التعبير العاطفي العصر عن الإحساس بالزمن.
أما فلسفياً الزمان هو اولا تعريف ماهو قبل او بعد موعد محدد كان نقول ما قبل او بعد المسيح وثانيا هو الحركة وهو ايضاً سبب الفناء والخراب فالزمان له نهاية ويسيل في جهة الأبدية اي يسيل في جهة الديمومة ومن هنا فالزمان إما أن يكون أبدي أو أنه غير أبدي فالآلهة بالتفكير الديني هي رمز الأبدية و لها قدسية لأنها لا نهائية والإله هو رمز الخلود وعدم النهاية و بالتالي فإن الإله يحكم العالم في الدنيا والآخرة وهذا يقربنا الى موضوع الحاكم بالقوة الذي يقترب من الألوهية او القدسية و يدّعيها لنفسه فيتعالى على القانون و الشعب كما هو الحال عند فرعون مثلاً، و الذي يفسّر سعي الحاكم للوصول الى القدسية و الحكم الى الأبد اي أنه يريد الحكم الى الآخرة وحتى بعد الآخرة كما هو الحال عند الفراعنة، و تحنيط المومياء للملوك دليل على اعتقادهم أن الحاكم يستمر بالحكم حتى بعد الموت والحاكم الشرقي الحديث يتبنى هذا التاريخ وهذا النوع من الأفكار السياسية و يحاول تفعيلها في الوقت الحديث في حين مثل هذه الأصوات لا نسمعها في الغرب لأن الوعي الإنساني تطور وتحرر والثورة الثقافية الفنية التي حدثت في القرن الثالث عشر والقرن الخامس عشر حررت الإنسان من التقاليد ومبادئ العصور الوسطى فعندما رسم الفنان دافنشي أجسام البشر عارية في الفاتيكان سأله البابا لماذا رسمت الرجال والنساء عاريين وفي البيت المقدس!؟ فأجابه رسمتهم كما خلقهم الله.
لهذا إن وجهة العلم تنحو الى المعرفة و الحقيقة في حين أن وُجهت الفن والثقافة تتجه الى الجمال والسعادة وكما نعلم فإنه اذا وصل العمل الفني الى الكمال والشمول فهذا يعبر عن الحقيقة. فالسياسي ينحو للعلم لخدمة مصالحه ويتناسى ضرورية ومعنى الفن والثقافة، وإن العمل السياسي يتحرك بين الحقيقة والكذب بينما العمل الثقافي الفني يتحرك بين الجمال والسعادة والجنون ومن هنا يقال الفنون جنون وهذا يعني تغلب الإنسان على قوانين المنطق والفكر الصافي ويعني غياب العقل وسيطرة العاطفة لأن العاطفة اهم للحياة من العقل لكن التنافس بينهم يبقى سارياً. فبعد أن أخد الحاكم المطلق صفة القدسية و مُجرّد المس بهذه القدسية قد يعاقب عليها بالموت ظهرت عقلانية الفكر و فلسفة الإنفتاح و النقد الّتي طغت على التفكير السياسي المقدس، فالعقلية التي كانت سائدة في العصور الوسطى سيطر عليها التكفير الديني و صوّرت الفلسفة على أنها خادمة للدّين ولكن العمل والتطور في البحث العلمي والاكتشافات في العلوم الطبيعية مكنت الفلسفة من أن تستقل وسمحت للفلسفة أن تعمل بمعزل عن الدين وهذا أساس السياسة العلمانية والنظام الديمقراطي الغربي و الظاهرة الحديثة المستفزة هي عقلانية الدين و عقيدة العلم، فالعلم اصبح ايديولوجيا دين جديد.
و بالنظر الى الوعود التي يقطعها كل من رجال الدين ورجال السياسة نجد أن رجال الدين يعدون بالجنة أما رجال السياسة فيعدون بالمستقبل المزدهر والحرية المطلقة كالنظام الشيوعي الذي يهدف لإلغاء وجود فرق بالطبقات الاجتماعية او الوعد النازي ببناء دولة مبنية قوية تستمر لألف عام أي التأسيس لدولة مثالية Utopie على كذبة سياسية او خرافة.
فنقول بقواعد اللغة أن هذه الوعود هي أقوال ميتافيزيقية فرضية لا يمكن نقضها معلقة بالهواء وبنفس الوقت لا يمكن برهنتها او نفيها وكما قال أحد السياسيين الرأسماليين لمنافسه الاشتراكي انت قدمت برنامج جميل وجذاب يشبه لائحة الطعام ولكن بدون ذكر الأسعار.
الزمان الفلسفي والزمان العلمي في فن الرسم
نستطيع أن نقسم الزمان الى نوعين: الزمان العام الفلسفي و الزمان الفني.
الزمان العام الفلسفي ينقسم بحد ذاته الى قسمين:
1- الزمان التاريخي الذي يتمثل بشخصيات عالمية متميزة غيرت مجرى التاريخ كأفلاطون في الفلسفة مثلا و أحداث تاريخية عظمى كالحروب العالمية الأولى و الثانية و الثورات الفرنسية و الشيوعية كما تظهر الصورة (5)
2- الزمان الطبيعي الذي يتمثل بتعاقب الفصول الأربعة و الليل و النهار.
الزمان الفني فله وجهان: وجه خارجي حسابي Kinesis ووجه داخلي نوعي نفسي Metabole.
كما هو موضّح في الصورة (4) فالوجه الخارجي هو العددي المنتظم والمستقيم كما هو حال الساعة التي نحملها جميعا والوجه الداخلي الحسي الذي يعبر عن التغيير النوعي اللاحسابي النفسي، فحركة الساعة المألوفة اي حركة العقارب من اليسار الى اليمين يمكن عكسها ونتيجة لهذه الفرضية نستطيع القول أن صفات تركيب الماضي هي نفسها صفات تركيب المستقبل يعني إمكانية إعادته ولذلك يمكننا ان ندير العقارب كما نريد و بإسقاط هذا المفهوم على السياسة نستطيع القول أنه اذا كان مفهوم السياسي للوقت سطحي حسابي فمن الممكن إعادة الماضي الى الحاضر كصورة عن تاريخنا العظيم ولكن السؤال هل هذا ممكن بالفعل!؟ نظريا نعم عمليا لا أو صعب جدا.
أما العنصرالداخلي للوقت هو جوهر الوعي على الرغم من كونه غير منتظم ولا عددي والتعبير عنه يكون عن طريق الإحساس والفن كما فعل الرسام الإسباني دالي الذي حنى سطح الساعة أي حنى الوقت العادي بالحفاظ على محور واحد مع العقربين ونحن طورنا هذا الفن الى الزمان المكسور وعبرنا عنه بالتعاون مع البروفيسور الراحل مانفريد دينيس بمجموعة الصور (3) وعرضناها في عدة دول في أوروبا وأمريكا ما أسميناه الوقت بعدة محاور وهذا يعني أن حركة الزمان الداخلي هي حركة غير منتظمة وغير عددية وحتى فوضوية و في نفس الوقت لا يمكن إعادتها لأنها تحصل مرة واحدة فقط و الساعات بعدة محاور لا يمكن إرجاع المستقبل الى الماضي لا نظريا و لا عمليا و نجد أن الشعور الشرقي العربي بالزمان مطّاط في حياته العادية وذو قيمة ثانوية كالوعد بين الصلاتين وما لا ننجزه اليوم ننجزه غداً لأنه يعيش في طبيعة صحراوية تحكمها الشمس و الحرارة و بالتالي فإنها تُليّن وتُرخي جسمه و عقله ومن محاسن هذا التفكير الصبر و الانتظار و نقول الوقت عند الشرقي بيد الله أما عند الغربي فبِيد عبد الله.
لننتقل إلى مفهوم الوقت في السياسة ونسأل هل التغيير يجب أن يكون سريعاً ومفاجئاً أي ثوروياً أم أنه ممكن أن يكون بطيئا عن طريق الإصلاح !؟ وهذا يقودنا الى اعادة النظر بتقييم فهمنا اولا للواقع ثانيا للزمان وثالثا للعنف. من يريد الإصلاح يحاول التغيير عن طريق النقد وليس الرفض و النفي فالمُصلح يولي الحاضر على المستقبل الثوري النظري وغير مستعد لسفك الدماء والإرهاب، فالسياسي لا علم له في داخل نفسية الانسان أو المواطن لأن تفكيره نظري إيديولوجي مدوَّر بين منطق القوة والضعف وهو يعمل حساباته الشيطانية بدون سؤال الانسان العادي الساذج و البسيط، ومن هنا يتوجب على السياسي مشاورة الفنان والعالِم وليس فقط اصحاب القرار و العظمة حتى لا يصبح بمعزل عن الجانب العاطفي لأن السياسة بالنهاية هي فن وليست سلطة و أوامر فقط ومشاورة الفنان ضرورية لأنه هو الوسيط بين السياسي والشعب البسيط ويستطيع عن طريق الموسيقى والغناء مثلاً التعبير عن تصوره عن الحياة والحب والعاطفة. وفي الاغنية التي تقول" غيبي يا شمس غيبي متواعد أنا وحبيبي" مثال على الزمان الداخلي بالشعور بالاشتياق والتوتر او العكس أي بالملل واللامبالاة. وبالعودة الى التفكير الفلسفي يوجد معادلة تقول " ماهو واقع هو معقول وماهو معقول هو الواقع" وكما أسلفنا فإن العقل هو الزمان حسب هيغل وبناءا عليه فتكون علاقة الزمان بالواقع إما متطابقة او غير متطابقة وبالتالي قد يكون تفكيرنا إما مع الوقت او ضده والسؤال الذي يطرح نفسه : هل الوقت الراهن مناسب لتنفيذ ثورة أم إجراء إصلاح !؟
للإجابة عن هذا السؤال لابد من الإمعان في تحليل الوعي التي هي دراسة الزمان كما أسلفنا، فإذا كان مفهوم الوقت او الزمان عند الإنسان منتظم ويمكن التنبؤ به فمن الممكن التخطيط لعمل سياسي متكامل وناجح أما اذا كان مفهوم الزمان عشوائي فوضوي إرتجالي فإن النهاية هي الخراب والدمار، و بالتفكير العقلاني الفلسفي لا نقول أننا مع أو ضد الثورة و لكننا نتساءل إن كان الوقت قد حان لإنجاز ثورة أو إنه لم يحن بعد لأن الثورات قد تؤدي الى التراجع و التخلف و الخراب بدلا من التقدم و الازدهار إن لم يكن الوقت أو الزمان مناسباً لإجراءها وهذا التحليل هو تحليل علمي ومنطقي ويمكن توظيفه كأداة لتعليل وفهم الأوضاع الراهنة أو على الأقل عدم السماح بتكرار نفس الأخطاء و كما قال هيقل "تاريخ العالَم هو محكمة العالَم. "
بإسقاط جملة هذه النقاط التي ذكرناها سابقاً نستطيع القول إن عدم نجاح النخبة العربية في السياسة بغض النظر عن توجهاتهم هو عدم معرفتهم الكافية و الوافية في فلسفة الزمان التي هي القاعدة لكل أيديولوجية سواءً أكانت اشتراكية او رأسمالية على الرغم من وجود النية الطيبة لديهم و بالنسبة لنا نُفضّل موت النظريات على موت البشر.
نديم سراج الدين، ريغنسبورغ ، ألمانيا 05.05.2014
دراسة التحليل العلمي للزمان و التعبير عنه بالرسم الفني

الصورة (1): صورة للفنان دالي تعبَر عن إنحناء الساعة بمحور واحد و تعبَر عن تمديد أو تقصير الزمن، نظريا يمكننا أن ندير العقارب من المستقبل الى الماضي أما عمليا صعب جدا أو غير ممكن
أنواع الزمان من الفراغ الإقليدي و الغير إقليدي والفراغ المكسور

kinesis الصورة (2): التحليل العلمي للزمان و الفرق بين الحركة الخارجية العددية Metabole والوقت الداخلي الفني و التعبير عن القفزة النوعية للزمن في الحركة. الصور تعبر بوضوح عن عدم رجوع الزمن الى الماضي و عدم التنبؤ بالمستقبل.
عدم إرجاع المستقبل الى الماضي
الزمان المكان
الزمان المكان


الصورة (3): تمثل تطوير مفهوم المكان إلى الزمان والساعات بعدة محاور حسب سراج ودينيس مع زيادة الأبعاد- الزمان كأفق مفتوح, ونستطيع تشبيه حركة الوقت بحركة السحاب الغير منتظمة نحو الأمام و الخلف مع نتائجها بعدم إمكانية التنبؤ بالمستقبل و الرجوع الى الماضي.

الصورة (4): المركز يعبر عن الزمان الطبيعي الارضي النوعي كالفصول و التغيرات المناخية Fraktale Zeit يعبر عن الزمن العددي Metron و المحيط الحسابي ضمن نطاق الفراغ الاقليدي.
تعليق:
ابجدية الفن او الرسم تتكون من النقطة و الخط و المساحة و ادواته هي الشكل و اللون


الصورة (5): الثورة الفرنسية 1789 و الثورة الشيوعية البلشفية 1917

التعليقات