حرمت بناتها من الزواج وأطفالهم يعانون الأمرّين:عائلات المتخابرين مع الاحتلال تدمرهم "التهمة والمجتمع

حرمت بناتها من الزواج وأطفالهم يعانون الأمرّين:عائلات المتخابرين مع الاحتلال تدمرهم "التهمة والمجتمع
رام الله - دنيا الوطن-أسامة الكحلوت
"الغلطة الأولى هي الأخيرة " كلمات تلخص حياة المخابرين مع الاحتلال الاسرائيلى ، نظرا لوجودنا تحت سيطرته ويعمل على تدميرنا وقتلنا وتهجيرنا على مدار الساعة ، ويعتبر التعامل مع الاحتلال الاسرائيلى وإرشاده على اى معلومة صغيرة هي خيانة للوطن ، ولو من معلومة صغيرة بذلك يضع المتخابرين أنفسهم كورقة محروقة  إن سقطت لن تعود ،عرضة للمسائلة والاعتقال والمحاكمة  .

في حين أن الله عز وجل يغفر كل ذنوب الإنسان  عند حسنة صغيرة ، لكن الإنسان  ينسى كل حسنات الإنسان ويتمسك بذنب صغير ، وهكذا هم عائلات المخابرين  يدمرون بصدمة خيانة رب الأسرة ليجهز عليهم نظرات المجتمع القاتلة ، متجاهلين كل اعمالهم الطيبة محملينهم ايضا وزر المتخابر من الاسرة .


حياة جديدة تخوضها هذه الأسر بعد تثبيت التهمة على أبنائهم ، فتحول دون تقدم الأسرة وتعليمها وزواجها وتطورها ، ليصرخوا بوجه مجتمع ظالم " ما ذنبي إن أبى عميل " ، محاولين بذلك تحدى نظرة المجتمع والسير في الاتجاه الصحيح ، رغم حالة الفقر التي دفعت بوالدهم لهذا الاتجاه .

لم أتمالك نفسي حينما جلست مع " أم احمد " شابة في الخامسة والثلاثين من عمرها مصرية الجنسية ومتزوجة منذ 18 عاما من فلسطيني ، وهى تلعن هذا المجتمع الظالم الذي دمر أسرتها بالكامل بنظراته القاتلة لأبنائها الأطفال على تهمة أبيهم، ثم تضيف وهى تتحدث بحرقة لتقول " حكم على زوجي عشرون عاما بتهمة التخابر ، رغم انه كان يعمل في شركة سياحة ونقل وقت استهداف مخرطة في منطقة الزيتون التي اتهم بمساعدة الاحتلال على قصفها "

أسئلة دارت في رأسها لحظة سماعها للخبر " مستقبل اسرتى وابنائى "  " مصدر الرزق " أين نتجه " ما هو الحل؟ كيف أتجنب نظرات المجتمع وأهانته واحمي ابنائى ؟ .

ثم تصرخ مجددا في حديثها لدنيا الوطن " لماذا هذا الحكم العالي ، إذا أخطا حاسبوه بسنوات قليلة أو أصلحوا حاله ، وابحثوا في الأسباب التي دفعته لذلك ، تزوجني كزوجة ثانية بعد وفاة زوجته الأولى ، وتزوجت لرعاية 7 أيتام منها ، وأنجبت أربع أطفال ، ولا يوجد اى مصدر رزق للأسرة بكاملها ، ابنتي الصغرى تنام بدموعها كل ليلة بعد سماعها لكلمات المضايقة في المدرسة ، وبناته المتزوجات يتلقن الضرب والاهانة من أزواجهن يوميا ، مجبرات على تحمل الضرب لتجنب الطلاق "

ولم تتخيل في يوما من الأيام أن يقع زوجها ضحية للاحتلال ويسجن بهذه  التهمة ، ولم تفكر يوما أنها ستدخل أقسام من السجون لزيارة زوجها بتهمة التخابر ، وصدمة الخبر ومعرفة الحقيقة أثارت صدمة بين أبنائه وبناته الصغار والكبار ، إلا أن الزوجة حافظت على هدوء الأسرة وسيطرت  عليهم من التشتت ، وأضافت لمراسلنا " لماذا تحاكم الحكومة زوجي ويحاكم المجتمع ابنائى ، لا ذنب لنا في مصيبتنا وإذا كان زوجي اخطأ فلا تلوموا ابنائى واسرتى ، وتقتلونا بنظراتكم وأحاديثكم "

تنام ابنتها بدموع وبكاء كل ليلة وانخفض معدلها الدراسي  من 90 % إلى 70 % ، ويتعرض ابنها الأكبر " 17 عاما " لانتهاك حقوقه ، فبعد اتفاقه مع المشغلين على أجرة يومية "30 شيكلا " يتقلى "15 شيكلا " نهاية عمله  قائلين له " روح دير بالك على اهلك أنت أبوك عميل  والمبلغ منيح " ويتقبل ابنها المبلغ هربا من هذا الحديث .

وفى حين أن بعض الجيران يقدرهم ويحترمهم ويساندهم في محنتهم ، إلا أن النظرات القاتلة كان اكبر من نظرات الاحترام حتى وصلت الاهانات من رجال الشرطة ، حيث أفادت أم احمد أنها حينما  ذهبت لمقصف السجن لتودع مبلغ مائة دولار لزوجها ليشترى حاجياته بعد استدانتها مع جارتها ، صدمت حينما قال لها الشرطي " بديتوا تصرفوا في الدولارات اللي اخذتوهم من العمالة "  لتفاجئه الزوجة بالرد " احترم نفسك أنا موظفة " ليجيبها  " أنا أسف " .

وطالبت من المجتمع أن يساعدها على النهوض بعد الصدمة ، وان يساعد أبنائها للانخراط في المجتمع لأن هذا الذنب يحاكم عليه الأب من الحكومة وتحاكم عليه الأسرة من الشعب ، وهذا خطا قتل .

أما صديقتها  الأخرى " أم سامي " امرأة خمسينية لكن البهجة والبسمة غادرت وجهها ، بعد القبض على زوجها الذي كان يعمل في محل للدجاج بتهمة التخابر مع الاحتلال والحكم عليه بالإعدام ، إحساس كان يتحدث خلال الجلسة لا كلمات ، حزن تترجمه نظرة عيونها متحسرة على أسرتها التي ينهشها الأقارب والمجتمع بعد الحكم على زوجها .

وجهها كلوحة جميلة أطفئت الأنوار منه ، صدمتها أفقدتها البسمة لتحافظ على أسرتها ، ثم بكت وقالت لمراسل دنيا الوطن " عندي 9 أبناء وبنات ، أربعة منهم كان يدرسون في الجامعات بمعدلات مرتفعة ، لكن بعد سجن زوجي انعدم مصدر الدخل في المنزل وتركوا جامعتهم ليجلسوا في البيت ، حتى ابنتي في الثانوية العامة أصرت على ترك المدرسة بعد الهمز واللمز عليها من بنات المدرسة والابتعاد عنها "


وتابعت " يطرق بابي كل يوم شبان راغبين للزواج من بناتي ، لكنني ارفض تجنبا  من اى مشاكل قد تحدث مستقبلا بينهم وبين بناتي ومعايرتهن بوالدهن ظالمة أو مظلومة ، والدخول في اهانات تقتل بناتي نفسيا ومعنويا "

وتشير أم  سامي أن إخوة زوجها ثمانية  ، ولم يقدم اى منهم مساعدة مالية لأسرتها  ، مع العلم أن ابنها من المتفوقين في الفيزياء وترك الجامعة  لعدم تمكنه من توفير الرسوم ، وابنها الثاني  متمكن في صيانة الأجهزة الكهربائية ، لكن السمعة التي أحاطت بأسرته لم تمكنه من الحصول على اى فرصة عمل في هذا المجال أو غيره ، مما جعلهم جميعا مقيمين في منزلهم على مدار الساعة .

وتقسم بالله قائلة " إحنا مش عايشينا إحنا مدفونين في البيت وننظر للأيام تسير بجانبنا ، بدون مصدر رزق أو التحاق في المدارس أو الجامعات ، وتتمنى  أن تعود الحياة لأسرتها بمساعدة المجتمع على تخطيها العقبات بعيدا عن نظرات التهميش والاحتقار ، وان يتوفر المبلغ الكافي لإكمال دراسة أبنائها الجامعيين وإيصالهم لبر الأمان .

ولم تصدق الكثير من العائلات بوجود مؤسسة تهتم بحياتهم بعد الحكم على رب الأسرة ، وحاولن الكثير من الفتيات الانتحار للتخلص من حياتهن المأساوية ، إلا أن الهيئة الأهلية لرعاية الأسرة خصصت مشروعا لرعاية  اسر المخابرين مع الاحتلال بمساعدتهم ماديا ومعنويا ، وألحقاهم بدورات دعم نفسي ومعنوي ، وإعادة بعض الطلبة الذين تركوا المدرسة من نظرات المجتمع والتعليقات المهينة  واعتكافهم في المنزل .

من جهته قال كايد حماد المدير التنفيذي للمؤسسة " بدأنا في مشروع رعاية اسر المخابرين منتصف العام الماضي بتمويل ذاتي من المؤسسة ، ووقعنا عقدا مع الحكومة لمساعدتنا على إنجاح المشروع بتشغيل شخصا من كل أسرة في مكتب العمل ، وإدراج بعض الأسماء في كشوف الشؤون الاجتماعية ، وقد حصلنا بقائمة لأسماء المخابرين مع الاحتلال مكونة من 150 اسم من المحكومين "


وأضاف لدنيا الوطن " نتعامل مع الموقوفين بهذه التهمة وندعمهم بطريق غير مباشرة تجنبا لإثبات هذه التهمة عليه في حال تسليم أسرته مساعدات رسمية ،  ووجدنا تعاون كامل من هذه الأسر، وقمنا بإعادة العشرات من الطلبة إلى مدارسهم وإلحاقهم بدروس تقوية نتيجة الوضع النفسي السيئ  ، وتسديد بعض المستحقات عن الجامعيين لإكمال  دراستهم الجامعية ، ونقدم مساعدات غذائية وأجهزة كهربائية حسب حاجة الأسرة "

وأضاف حماد  إن الهيئة تسعى إلى إقناع أفراد المجتمع بإنصاف هذه الفئة وعدم نبذهم وسد طرق استغلالهم من قبل الاحتلال والقضاء على التمييز القائم تجاه عائلات المتخابرين من خلال وضع قوانين لحمايتهم.

وأشار حماد  إن المشروع كشف عن مصائب تواجه هذه الفئة المهشمة والمغلوبة على أمرها بسبب تصرف فردي من قبل رب الأسرة، وانتقد تصرفات الكثير من المواطنين تجاه هذه الشريحة من المواطنين الذين لا ذنب لهم بما اقترفه آباؤهم







التعليقات