رسالة من الشيخ تيسير رجب التميمي إلى قداسة البابا فرانسيس الأول بمناسبة زيارته إلى الاراضي المقدس

رسالة من سماحة الشيخ الدكتور تيسير رجب التميمي
إلى قداسة البابا فرانسيس الأول بمناسبة زيارته إلى المقدسة طالباً منه التدخل لرفع الظلم
الذي وقع عليه بسبب كلمة حق القاها أمام البابا السابق أثناء زيارته إلى القدس في 9/5/2009م

قبل خمسة أعوام تقريباً كان بابا الفاتيكان السابق بنديكتوس السادس عشر في زيارة لهذه الأرض المباركة ، ويفترض أن تكون هذه الزيارة رحلة دينية للحج ، ولكن إسرائيل حوَّلتها بوضوح تام إلى زيارة سياسية بامتياز لتحقيق مكاسبه .
وخلال هذه الزيارة ـ وتحديداً بتاريخ 11/5/2009 م ـ دعيتُ للمشاركة في جلسة للحوار بين أتباع الأديان الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام بحضور البابا ؛ ألقيتُ أثناءها كلمة في استقباله تضمنت الترحيب به باعتباره من أعلى المرجعيات المسيحية في العالم التي تزور فلسطين ، وحملت رسالة تنطوي على خطاب يجسد العلاقة المتميزة والتعايش المشترك بين المسلمين والمسيحيين في هذه الديار المقدسة ، وتنقل إليه معاناة الشعب الفلسطيني من ممارسات الاحتلال القمعية وعدوانه ضد البشر والأرض والمقدسات .
لكن يبدو أن هذا النوع من الحوار لا يريد سماع الحقيقة ولا يريد أن يعرفها ، بل ربما يريد أن يصم أذنيه عنها فلا يعتبرها هامة لنجاح مسيرة الحوار المنشود . فقد طلب مني ألاَّ أتكلم ، كيف ذلك ونحن في جلسة لحوار الأديان أنا المسلم الوحيد فيها ، فهل من المنطق ألاَّ تكون لي كلمة ، وهل تكون مشاركتي في الحوار بمجرد الصمت والاستماع فقط ! وهل الحوار فقط أن نتلقَّى من غيرنا ونستسلم لما يملى علينا من غير أن نبدي رأينا ونبين ما عندنا !
تحدثتُ في هذا اللقاء باسم المسلمين ، فإذا لم أتحدث بالحقيقة الساطعة ، وإذا لم أفضح الجرائم البشعة والعدوان الإرهابي الذي وقع على شعبي ومعاناته من ممارسات الاحتلال واعتقال الآلاف من أبنائه رجالاً ونساء وأطفالاً ظلماً وعدواناً ، وانتهاك مقدساته وتدنيس حرماته وحرمانه الصلاة في أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ؛ فسأكون قد قصَّرْتُ تقصيراً كبيراً في أداء رسالتي الوطنية والدينية .
وفي مخالفة لحقي في حرية التعبير ، وإمعاناً في سياسة تكميم الأفواه حاول كثيرون منعي الحديث ، وحاولوا إسكات صوتي والتشويش على كلمتي ؛ مما اضطرني إلى أن أصدع بالحق عالياً ليرتفع فوق التشويش ومحاولات المنع والإسكات وليصل إلى كل الآذان والأسماع ، وهذا نص كلمتي كاملاً :
[ أرحب بقداسة البابا في مدينة القدس عاصمة دولة فلسطين السياسية والوطنية والروحية ، مسرى محمد صلى الله عليه وسلم ، ومهد المسيح عيسى عليه السلام .
فتحها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه خليفة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم المبعوث رحمة للعالمين دون أن تراق فيها قطرة دم واحدة ، وكتب وثيقة الأمن والسلام "العهدة العمرية" استناداً إلى التعاليم التي أنزلت على محمد صلى الله عليه وسلم ، وأرسى أسس العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين فأمن المسيحيين على كنائسهم وصلبانهم وأموالهم وأنفسهم وحرية عباداتهم ، ونحن نسير على هديها في علاقة متميزة نفاخر بها العالم ، فنناضل معاً ونعاني معاً إجراءات الاحتلال الإسرائيلي التعسفية وظلمه ، ونتطلع معاً إلى الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها الأبدية القدس بمقدساتها أرض النبوات ومهبط الرسالات ومهد الحضارات .
حررها صلاح الدين الأيوبي من الغزاة المحتلين بجيشه الذي ضم المسلمين والمسيحيين جنباً إلى جنب ، واستمرت رمزاً للتسامح والسلام حتى سقطت تحت الاحتلال الإسرائيلي عام 67 ، فضمها إلى كيانه متحدياً الشرائع الإلهية ومدنساً لمكانتها الروحية والأعراف والقوانين الدولية ، وتنكر لكل القيم الإنسانية :
* فهدم البيوت وشرد أهلها وصادر عشرات آلاف الدونمات من أراضيها فأقام عليها المستوطنات لإسكان الغرباء المحتلين بعد أن طرد أهلها الأصليين منها .
* وعزلها بجدار الفصل العنصري الذي حولها إلى سجن كبير .
* ومنع المسلمين والمسيحيين من دخولها والصلاة في كنائسها ومساجدها
* وأجرى الحفريات تحت أساس المسجد الأقصى المبارك بقصد هدمه وتدميره لإقامة الهيكل المزعوم مكانه ، وأقام الكنس في محيطه ، وسرق الآثار الإسلامية ونبش قبور الموتى .
* واعتدى بالضرب على على المصلين والرهبان في كنيسة القيامة في عيد الفصح
* وانتهك حرمة السبت حينما استغل فتوى الحاخامات بقتل الأطفال والنساء والشيوخ وهدم عشرات المساجد وآلاف البيوت على أهلها ودمر المشافي والمؤسسات التعليمية في حربه القذرة على قطاع غزة في انتهاك صارخ لحقوق الإنسان لم يسبق له مثيل في هذا العصر ، واهتز له كل صاحب ضمير حي .
قداسة البابا
وبصفتي رئيس الهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس ومقدساتها والمنتخب من كل قياداتها الإسلامية والمسيحية ؛ أناشدكم باسم الله الواحد الأحد الفرد الصمد إدانة هذه الجرائم والضغط على الحكومة الإسرائيلية لوقف عدوانها على الشعب الفلسطيني ، وإطلاق سراح آلاف المعتقلين من زنازين الاحتلال ، وهدم جدار الفصل العنصري وإزالة المستوطنات ، وإعادة الأراضي المصادرة إلى أهلها ، ووقف هدم المنازل في القدس وتهجير أهلها ، لتحقيق السلام العادل الذي يعيد الحقوق إلى أهلها ، والاعتراف بكامل حقوق الشعب الفلسطيني في نيل الحرية والاستقلال وعودة اللاجئين إلى ديارهم التي هجروا منها ، وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف .
إن نجاح الحوار بين أتباع الديانات يقتضي إدانة أي إساءة إلى نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم ، أو إلى الدين الإسلامي وسائر الأنبياء والرسل والكتب السماوية التي أنزلها الله عليهم
أكرر ترحيبي بكم في مدينة القدس محور معجزة الإسراء والمعراج ، والتي هي جزء مهم من عقيدة مليار ونصف مسلم ، وأكثر من ملياري مسيحي في هذا العالم ، فيتوجب عليهم جميعاً الدفاع عن مكانتها وهويتها ]
أثارت هذه الكلمة ردود فعل غاضبة لدى إسرائيل وساستها ؛ لأنها فضحت جرائمها البشعة ضد الشعب الفلسطيني الصابر المصابر في أرضه ، وظهر هذا الغضب بوضوح للمجتمع الدولي كله ، ونقلتْهُ وسائل الإعلام على تنوعها وتعددها ونشرتْهُ حول العالم ، فعلى سبيل المثال لا الحصر :
* نقلت وكالة "معا" الإخبارية الفلسطينية ـ كغيرها من الوكالات المحلية والعربية والعالمية ـ بتاريخ 12/5/2009 أن وزارتي الخارجية والسياحة الإسرائيليتين أصدرتا بياناً مشتركاً ينص على أن إسرائيل تشجب أقوالي بشدة وتصفها بأنها تتسم بالحقد والكراهية ، وأنها تعمل على بثِّ الذعر والكراهية بين الإسرائيليين والفلسطينيين وبين اليهود والمسلمين والمسيحيين .
وهذا ليس بالأمر الغريب على إسرائيل ، فمحاولاتها لإسكات أي صوت يدين جرائمها ، وإجراءاتها عديدة ومستمرة بغير توقف ، واعتاد المجتمع الدولي نهجها في الخداع وقلب الحقائق واختلاق الأكاذيب لتضليل الرأي العام العالمي ، وممارسة التعتيم الإعلامي التام على أية كلمة تكشف أفاعيلها .
* ونقلت الوكالة ذاتها ـ كما نقل غيرها ـ قرار المدير العام للحاخامية الكبرى الإسرائيلية عوديد فينر بأن الأعضاء اليهود لن يشاركوا بعد الآن في الحوار بين الأديان الثلاثة القائم منذ فترة طويلة إلى أن أُمْنَعَ حضور جلساته فقال [ الحاخامية الكبرى لن تواصله ما دام التميمي جزءاً من الوفد الفلسطيني ] .
* بل بلغ بهم التمادي والتدخل في الشأن الداخلي الفلسطيني أكثر من ذلك ، فبتاريخ 12/5/2009 ـ أي في اليوم التالي لهذه الجلسة نقلت كثير من وسائل الإعلام عن وكالة رويتر تأكيد الحاخامات الإسرائيليين أنهم سيقاطعون منتدى الحوار ما لم يتم عزلي من منصبي 

التعليقات