لست خجولاً حين أصارحكم بحقيقتكم!

لست خجولاً حين أصارحكم بحقيقتكم!
بكيبورد الدكتور: عاصف حمدان

   حدث قبل عدة أشهر أن ذهبت للمشاركة في المناوبة (الدوام الليلي) في قسم الطوارىء في مستشفىً حكومي للتدرّب في إطار التطوّع، أي من أجل الإستفادة ومحاولة الإفادة. وبعدما كانت تعجّ بالمرضى طوال المساء، هدأت الطوارئ تماماً مع منتصف الليل. في الثانية فجراً هدأ الهدوء!. ضجيج في الخارج. ضوضاءٌ أحدثتها فرامل سيارات وأبواقها وأبوابها التي كانت تُفتح وتُغلق بقوة. صراخ شبان وعويل امرأة. ثم أكثر من عشرة شباب دخلوا الطوارئ، أحدهم محمولاً صارخاً من ألمه لأنه قد تلقى طعنة سكين في بطنه إثر شجار مع آخرين. وضعوه على السرير. استلم مقيم الجراحة زمام الأمور. استنفر الممرضون. بدأنا رأساً بالإجراءات الطبية اللازمة. ثم اتصلنا على الجرّاح المناوب. وصل الجراح خلال دقيقتين.

    عاين الجرّاح الجرح ثم طمأن الشاب وقال له بوضوح: "الجرح بحاجة إلى استكشاف داخلي، نحن أمام خيارين؛ إما أن نحوّلك الآن إلى مستشفى خاص لإجراء الاستكشاف بالمنظار وإما أن ندخل فوراً للعمليات حيث الاستكشاف الجراحي". وهنا صرخ المريض: "لاااا مش جراحة.. حوّلني عالمنظار". والشاب يعلم أن التحويلة ستكون على حسابه الخاص. المرأة الباكية كانت والدته. سألتْ عن تكلفة المنظار. أجاب أحدهم: "خمسة آلآف". استدرك آخر: "لا، أربعة أو ثلاثة ونص" (آلآف). فوضعت يديها على رأسها فور سماعها الرقم. هول المبلغ بالنسبة لها أنساها مؤقتاً ألم ابنها بل الخطر الذي ربما يُهدد حياته!. جاءت إليه وهمست في أذنه: "يمّا من وين نجيب آلآف للمنظار"، فصرخ قائلاً: "دبروا حالكم!، ما بخليهم يفتحوا بطني لو بدي أموت!". أعجبني رده لأنه اختار بذكاء؛ فالمبلغ ممكن أن يتوفر لاحقاً مهما كان الوضع المادي للعائلة بينما لا يمكن إعادة جدار البطن كما خلقه الله تعالى في حال وافق على الخضوع للجراحة. ولكن طبعاً لا يمكنني التدخل. حاولتْ والدته إقناعه بالعدول عن خياره مرة أخرى ولكنه أصرّ على المنظار.

    اتصل الجراح بالمستشفى الخاص وأخبرهم بنيّة التحويل. جاءت والدته وحاولت إقناعه مجدداً. فاضطر حتى للصراخ في وجهها قائلاً: "يما خلص روحي روّحي!". فضربت بيدها على وجهها وابتعدت حزينةً مستسلمةً لمّا رأت إصراره على عدم الموافقة على خيار الجراحة الرخيص نسبياً. بعدها بدقيقة اقترب الجراح وسأل:" اه شو قررت؟"، فنظر الشاب إلى والدته ثم إلى الجراح.. ثم تنهد آخذاً نفساً عميقاً، وقال بصوت خافت جداً وهو يهزّ رأسه: " عالعمليات دكتور"!!!!... عندها أنا صُدمت فعلاً. منذ ثلاثة سنوات وأنا أتدرب في المستشفيات وقد رأيت العديد من الحالات المستعصية والمعقدة والمضاعَفة والمؤسفة فصرت لا أتأثر بسهولة بقصص المعاناة، ليس لأنّ مشاعري انطفأت -لا سمح الله- بل لأنّ رؤية هذه الحالات جعلتني أكثر فهماً للواقع المؤسف في بلدنا. أما في هذه الحالة فلم أقوى على احتمال المفاجأة فأخذتُ زاويةً في الطوارئ لأكفكف دموعي!. ذهبنا به إلى العمليات وتم شق بطنه بجرح طوليّ طوله 20 سنتمتراً بدلاً من ثقب المنظار (2سم) وذلك لتصليح أو تخييط جرح بسيط في الأمعاء وآخر أبسط في المرارة فقط. وفي صبيحة اليوم التالي رأيته لا يقوى على المشي ليس بسبب طعنة السكين بل بسبب جرح العملية. رقد لأيام أخر في المستشفى للعناية بالجرح، واليوم وغداً سيبقى بطنه مشوّهاً وربما يعاني من مشاكل أخرى كالفتق أو غيره.. أيضاً ليس بسبب السكين بل بسبب عدم قدرة أهله على تغطية ثمن عملية المنظار!

    ولعل أدق تشبيه تمثيليّ على قصة هذا الشاب العشريني تُجسده قصة تلك المرأة الشريفة العفيفة التي توفى اللهُ زوجها مثلاً، ثم جاع أطفالها، ثم جاءها الأنذال ليبتزوها وليحاصروها بين ذكورتهم الحيوانية وبين أسرّة القذارة التي تربوا فوقها، فوبختهم وصرختْ في وجوههم، ثم تقاعس "الشرفاء" عن مساعدتها، فجاع أولادها أكثر، ثم جاءها الأوغاد ثانيةً، فاضطرت أن تسلمهم جسدها الطاهر؛ لتنقذ أطفالها. ولأن هذا السيناريو هو الذي استخدمه الراحل النواب لتصوير تخاذل حكام العار عن نصرة القدس، عروس عروبتهم، حين قال: "وسحبتم كل خناجركم.. وتنافختم شرفاً.. تُغتصب بصمتٍ لتصون العِرض.. لست خجولاً حين أصارحكم بحقيقتكم".. (طبعاً الكلمات التالية في القصيدة أبلغ وأدق تعبيراً!)؛ لهذا السبب، فقد استشرفتُ كلمته في عنوان هذه المقالة لأقول للمسؤولين عن هذا الواقع:-

   لست خجولاً يا أصحاب الملايين حين أصارحكم بتقاعسكم عن رفد المستشفيات الحكومية بأحدث المعدات علماً أن ثمن جهاز المنظار لا يساوي الا بضعة عشرات الآلآف من دولاراتكم التي لا تتوانون عن إنفاقها في مجالات تافهة. لست خجولاً يا وزراء الصحة المتعاقبين حين أصارحكم بعدم اهتمامكم بهذا الموضوع. ولست خجولاً حين أسألكم عن تفسير تواجد هذه الأجهزة في جميع المستشفيات الخاصة مهما دنا أو علا شأنها وعدم تواجدها في كل مستشفياتكم!. وحيث إن بعض العمليات الجراحية - مثل استئصال الزائدة أو المرارة وغيرها- انتهت من كل العالم و من قطاع فلسطين الخاص وما زالت فقط في مشافي الحكومة؛ فإنني لست خجولاً أيضاً أن أطالبكم أن تأخذوا قراراً بالتحويل المجاني لكل هذه الحالات إلى القطاع الخاص نفسه، لحين توفير أجهزة المنظار في كل مستشفياتنا!. طبعاً المنظار هو مجرد مثال ينحسب على أمثلة أخرى. وأخيراً أرجو المعذرة... فأنا تماماً مثل أخي مظفر: لست خجولاً حين أصارحكم بحقيقتكم!!!

التعليقات