ملامح المستقبل الصحي في الدولة الفلسطينية المستقلة
بقلم الدكتور فتحي ابومغلي
ان الرؤية الفلسطينية للحق في الصحة يجب ان تتركز باتجاه السعي لتطوير جودة الخدمات الصحية وضمان الوصول الامن واليسير لهذه الخدمات من قبل جميع المقيمين على ارض الدولة الفلسطينية المستقلة، سواء اكانوا مواطنين ام ضيوفا" وزائرين، اصحاب دخل وقادرين على الدفع او فقراء غير قادرين ماليا" او عاطلين عن العمل او غير قادرين على العمل وانتاج دخل، وهذا يقتضي استكمال شبكة الخدمات الصحية وخاصة شبكة خدمات الرعاية الصحية الاولية بشكل يوفر الوصول الامن والسلس لهذه الخدمات ووضع معايير واضحة ومعتمدة وملزمة لتوزيع هذه الخدمات من حيث المستوى والتجهيز والكوادر الصحية وبنفس الوقت ضمان استدامة الخدمات الصحية ذات الجودة العالية كتوفر الكادر الصحي المناسب وتوفر الادوية والمستهلكات بشكل مستمر وتوفر الاجهزة والمعدات الحديثة والملائمة وهذا لا يتم بدون العمل على ضمان توفير التمويل المالي الكافي والمستدام وهذا يقتضي تطبيق نظام تأمين صحي الزامي الذي سيمكن سلطة او دولة محدودة الموارد، بل ان موردها الرئيس هو الضرائب بكافة اشكالها ومسمياتها، على الانفاق على خدمات صحية عالية الجودة وهنا لا بد من التأكيد وبكل وضوح ان الصحة وان لم تكن سلعة تباع وتشترى فهي قيمة لها ثمن ولا بد من وجود جهة او جهات تدفع هذا الثمن.
في العديد من الدول الغنية والتي تملك ثروات توفر لها دخلا" تنفق منه على خدمات المواطنين ورفاههم، تتحمل الدولة كلفة توفير كل ما يتعلق بتمام الصحة للمواطنين، اما في البلدان التي لا يتوفر لها مصادر دخل مستدام، فجيوب المواطنين هي مصدر التمويل الاساسي للدولة ويكون واجب الدولة في هذه الحالات وضع القوانين التي تنظم عملية تحصيل كلفة الانفاق على الصحة، بالشكل الذي يضمن الحق في الوصول الى الخدمات الصحية لكافة المواطنين وخاصة الفئات المهمشة والتي لا تستطيع ان تساهم في كلفة الصحة او ثمنها ومن هنا تأتي ضرورة وجود قانون تأمين صحي فلسطيني الزامي الذي يضمن توفير الدخل المطلوب للانفاق على الصحة دون المساس بحق كل مواطن بالوصول اليسير للخدمات الصحية والتمتع بالحق في الصحة مهما كان دخله او قدرته على الانفاق.
وفي الختام نقول ان وجود الاحتلال، سيبقى دائما" عائقا" اساسيا" ولكن ليس وحيدا" للتنمية بكافة اشكالها، ومنها التنمية الصحية، وفي حرمان الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه غير القابلة للتصرف ومنها حقه في الصحة، ولكننا نؤكد اننا نجحنا كشعب، وفي ظل اصعب الظروف ، قبل استلام السلطة وبعد ذلك، ان نحافظ على القدرة على العطاء المميز وخاصة في القطاع الصحي، ولا بد ان نكون قادرين على ان نعمل بنفس الوقت الذي نسعى فيه الى انهاء الاحتلال، الى استكمال بناء النظام الصحي القادر على الوصول الى اعمال الحق في الصحة لجميع المواطنين، وهذا يحتاج بداية الى الادارة الجيدة والكفوءة للقطاع الصحي التي تعتمد في عملها على البيانات والمعلومات والملتزمة بتحقيق الشراكة اللازمة والتكاملية بين كافة مقدمي الخدمات كما انه لا بد من اعادة النظر في بعض القوانين مثل قانون الصحة العامة وتفعيل قوانين اخرى مثل قانون المعاقين وانجاز اخرى مثل قانون الضمان الاجتماعي وقانون مكافحة المخدرات وقانون الاحوال الشخصية وقانون العقوبات وقانون للغذاء وربما للدواء والتي لا يتسع المجال للحديث عنها باسهاب وعن ارتباطها بضمان الحق في الصحة.
كما لا بد من توطين الخدمات الطبية التشخيصية والعلاجية المتخصصة والتي يتم من اجل توفيرها تحويل المرضى للعلاج خارج البلاد وما يترتب على ذلك من هدر لجزء كبير من مقدراتنا المالية، ولا يتم توطين الخدمات الا من خلال تعزيز قدراتنا الطبية البشرية بتوفير التدريب والتأهيل اللازمين وتوفير حوافز مادية ومعنوية تحد من نزف الكفاءات الطبية وتغيير ثقافة التحويلة التي بناها الاحتلال واستهواها الكثيرون.
ويبقى اولا" واخيرا" دور العامل البشري المؤهل والمدرب والكافي والملتزم بتطبيق القوانين نصا" وروحا" والالتزام بتقديم الخدمة بالشكل الصحيح والاهم من ذلك الايمان بحق المواطن في الصحة والتعبير عن هذا الايمان من قبل كافة العاملين في الصحة قولا" وممارسة.

التعليقات