أصيبت بحمى شوكية منذ الصغر قلب حياتها :"هناء" تعيش في سجن منذ خمسون عاماً بلا هناء ..صور

أصيبت بحمى شوكية منذ الصغر قلب حياتها :"هناء" تعيش في سجن منذ خمسون عاماً بلا هناء ..صور
رام الله - دنيا الوطن-أسامة الكحلوت
بين أزقة شوارع جوره العقاد بخانيونس جنوب القطاع ، غرفة لا تتعدى مساحتها ثلاثة أمتار ، يكسوها ألواح الاسبست المشقق وأربع جدران تحمل حكاية مسنة عاشت حياتها سجينة داخل هذه الغرفة أكثر من خمسون عاما وحيدة ، بدون أشعة شمس أو متنفس لدخول الهواء سوى شباك صغير يفتح لإيصال الصوت للخارج ، بجسد هزيل عشق طعم الرطوبة والبرد والحرارة داخلها . بحوار أكوام من الملابس البالية وبعض الحاجيات الخاصة .

يضم البيت ثلاث غرف متهالكة في مهب الريح تنتظر رياح قوية لتأخذ معها ما يستر هذا المنزل من ألواح الزينجو ، لتكشف للناس عن حياة أسرة تعيش في مأساة حقيقة مكونة من شقيقتين تعيشان في أسوأ حالة فقر في قطاع غزة بدون معيل أو مساعدات لهن .

وصف بسيط لحياة الشقيقتين وفيقة يوسف مطير " 64 عاما " ، وهناء يوسف مطير "55 عاما " اللتان تعيشان داخل هذا المنزل ، الذي ورثاه عن والداهما بعد وفاتهم ، ليرثا معه الفقر والحرمان والمرض ، وليسطر اغرب حالة لفتاة أصيبت بحمى شوكية منذ صغرها لتعيش أكثر من خمسون عاما بين أربعة جدران  .

وفيقة التي لم تتزوج منذ صغرها لتعيل شقيقتها التي أصيبت بالمرض حتى ألان  ، وهبت حياتها لخدمة شقيقتها التي تعانى من عدة أمراض ، وبدموع انهمرت كثيرا فرحا بقدومنا للاطلاع على حياتهم البائسة ونقلها للعالم ، وحزنا على وضع شقيقتها التي لم يرأف احد على حالها ، شرحت لنا قصتها ، حيث قالت " تربيت مع اسرتى وشقيقتي التي ولدت بعدى منذ صغرنا في بيت بسيط ، وأصيبت شقيقتي هناء منذ صغرها بحمى شوكية حيث وصلت درجة حرارتها 45 درجة ، ونامت في المستشفى أياما طويلة أملا في علاجها ، ثم توفى كل من كان معها داخل الغرفة في المستشفى بإصابتهم بالحمى الشوكية ، وبقيت وحيدة تنتظر العلاج "

وبكلمات متقطعة يتخللها الكثير من الدموع على حالة أختها ، أضافت " ابلغنا الأطباء أنها تعانى من تخلف و حالة نفسية وزيادة كهرباء وبالإمكان متابعة أمورها خارج المستشفى ، ومن سن الخامسة انعزلت عن الأسرة كليا واستقرت في غرفة وحيدة لها لم تخرج منها إلا نادرا ، وأصيبت بعدها بحالات تشنج حتى ألان وفقدان للذاكرة وتبول لا ارادى، ونوبات صراخ متكررة يقشعر لها بدني  من شدتها "

وأشارت وفيقة إلى أن شقيقتها تشعر بالضيف عند اقتراب اى شخص منها ، وتتخذ من غرفتها سجن خاص بها فرضته على نفسها بعيدا عنها ، وتصاب بحالات تشنج تتطلب منها متابعتها من الشباك باستمرار للاطمئنان عليها .

وتروى دموع الصبر لدى الحجة وفيقة لحظاتها داخل المنزل قائلة " أصحو من نومي باكرا لأجهز لها فطورها ، ولا تفطر إلا على سندوتشات ولا تقبل اى شئ غير ذلك ، ولا تتناول على الغذاء إلا الكبدة أو الكفتة والسمك  وبعض الأطعمة الناشفة " النواشف " ، ولا تتناول اى نوع من الطبيخ ، وفى حال تأخر الطعام عنها تبدأ بالصراخ وتقوم بنقر أرضية المنزل من الغضب "

ولا يوجد داخل منزلها اى أجهزة كهربائية ، ويروى مطبخها تاريخ أسرة أنهكها الفقر والحرمات بثلاجة تعتبر هيكل عظمى متواجد داخل المطبخ ، ودولاب صغير يحتوى ملابس بالية اكبر من حجمه متناثرة حوله ، ولا تدخل الشمس منزلها إلا قليلا وقت الظهيرة .

وقالت وفيقة أنها لا تتمكن من الخروج من المنزل نهائيا لمتابعة أمور شقيقتها حين مناداتها ، وقالت " في منتصف الليل أكون نائمة ، وفجأة اسمع صرختها تدوي في إرجاء البيت والمنطقة لشدتها ، فأقوم بفزع من نومي لأقرأ على رأسها القرآن الكريم حتى تشعر بالهدوء وتعود للنوم "

وتحتاج هناء لفرشة جديدة أسبوعيا نظرا لتبولها المتكرر على نفسها بدون شعور ، وطعام خاص وعناية كبيرة في أسرة لا يوجد لها اى مصدر دخل .

ثم صرخت " وين العالم عنا ، وين عايشين إحنا " وهى تحاول إخفاء بعض الدموع التي انهالت بغزارة  " وين العالم وين الحكومة عنا ، ما حدا بيحس ولا يشعر فينا ولا يساعدنا ، اختى خمسين سنة داخل سجنها بدون متابعة أو اهتمام من المسئولين "

نوبات الصرع التي تصيب هناء داخل منزلها تجعلها تقوم بتكسير بلاط المنزل واوانى المطبخ والصحون ، والتحدث بكلمات غريبة وعجيبة .

واستطردت "  عشنا فترات حكومات متعاقبة على غزة ، لم يهتم احد لحالنا ولا ينظر ألينا احد ، ولا نشكو حالنا إلا لله "

وناشدت وفيقة أهل الخير ووزير الشؤون الاجتماعية والحكومتين بغزة والضفة  بمساعدتها على رعاية شقيقتها المريضة داخل سجنها ، حيث لا يوجد اى مصدر دخل لها ، وهى بأمس الحاجة لمصاريف شقيقتها ورعايتها ، ولم تشكو لأحد سوء حياتها طوال إقامتها مع شقيقتها ، إلا أن ظروفها الحالية الصعبة فرضت عليها ذلك . 

وتضاف بذلك صرخة أسرة فلسطينية لسجل المأساة التي تجاهلتها الحكومات الفلسطينية طوال الأعوام السابقة ، على أمل تغير حالهم وتحسين ظروفهم ، فيما تبقى من حياة شقيقتين تخطيا الخمسون عاما من المعاناة .









التعليقات