المصالحة الفلسطينية من أين ... وإلى أين ... وجهة نظر

المصالحة الفلسطينية من أين ... وإلى أين ...  وجهة نظر
وجهة نظر
بقلم لواء ركن / عرابي كلوب
لقد أسفرت الانتخابات التشريعية التي جرت في يناير 2006م عن نجاح حركة حماس بالأغلبية وقد احتلت فتح المرتبة الثانية حيث تمخض عن هذه الانتخابات ولادة مجلس تشريعي احتلت فيه حماس الأغلبية وقد أدى ذلك إلى تبادل الأدوار والمواقع بين الحركتين ، فحلت حماس محل فتح في رئاسة المجلس التشريعي كذلك تم تشكيل حكومة من لون واحد وهي الحكومة العاشرة .
وبهذا باتت الحالة الفلسطينية أمام نظام سياسي برأسين
الأول: هو رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية.
والثاني: رئيس الحكومة
لقد شكل المجلس التشريعي هذا ميداناً للصراع بين الحركتين حيث انفجر الخلاف بينهما في أول جلسة يعقدها المجلس ، وأصبح هذا المجلس عاجز عن أداء دوره بفعل هذا الصراع وعجز باقي الكتل عن لعب دور مؤثر فيه، أما حكومة اللون الحزبي الواحد فقد وقعت ضحية السياسات والشعارات حيث فشلت في تطبيق أي من هذه الشعارات.
وقد بات الأمر واضحاً للكافة لاستحالة بقاء هذه الأمور على ما هي عليه واستحالة الاستمرار في سياسة المناكفة وتبادل الاتهامات وعليه فقد تولدت فكرة الدعوة إلى الحوار الوطني.
لقد أبدت فصائل م.ت.ف ترحيباً بالدعوة إلى هذا الحوار باعتباره السبيل الوحيد إلى المراجعة ومعالجة هذه الخلافات والتباينات ، وفي فترة التحضير لهذا الحوار بدأت الأمور واضحة في حالة الاستقطاب الثنائي بين حركتي فتح وحماس.
لقد انطلقت جلسة الحوار الأولى بين غزة ورام الله بنظام الفيديو كونفرس صباح يوم 25/5/2006م، وبعد إلقاء عدة كلمات من كافة التنظيمات والفصائل أصبحت وثيقة الأسرى هي البرنامج للوفاق الوطني حيث باتت تمثل مواقف العديد من القوى السياسية والكتل البرلمانية وهي الوحيدة القادرة على أن تبلور إجماعاً وتوافقاً وطنيين حولها.
بعد مخاض عسير نجحت القوى والفعاليات الفلسطينية بتاريخ 27/6/2006م في الوصول إلى اتفاق حول وثيقة نهائية أطلق عليها (وثيقة الوفاق الوطني) وهي كانت بالأساس وثيقة الأسرى بعد أن أدخلت عليها بعض التعديلات.
لقد تم الدعوة للعمل على تشكيل حكومة وحدة وطنية لضرورات المرحلة وليس من لون حزبي واحد، كما جرى توصيفها حيث يلاحظ في هذا السياق أن الدعوة لحكومة وحدة وطنية استندت إلى البرنامج المشترك للعمل الوطني.
لقد ركزت وثيقة الحوار الوطني على حل الخلافات بالحوار وتحريم اللجوء إلى السلاح، إلا أن هذا الأمر لم يمنع من حصول منازعات عنيفة بما في ذلك اللجوء إلى السلاح والاقتتال في شوارع مدن غزة ومخيماته.
لقد عانت الحالة الفلسطينية من سوء أداء الأجهزة الأمنية وعجزها عن ضبط الأوضاع في الشارع ووضع حد لحالة الفلتان الأمني، بل يجب القول إن بعض هذه الأجهزة تحول إلى السبب الرئيسي لحالة الفلتان الأمني بفعل انغماسها في الخلافات السياسية وانشغال قياداتها بمهمات أخرى على حساب المهمة الرئيسية .
وبهذا فقد شكل وزير الداخلية الأسبق الشهيد/ سعيد صيام قوة أمنية موازية لهذه الأجهزة أطلق عليها القوة التنفيذية تدين بالولاء لحركة حماس، وقد دخلت هذه القوة مع الأجهزة الأمنية في اشتباكات دموية، وبذلك بقي الطرفان فتح وحماس المسببين الرئيسيين لحالة الفوضى والفلتان الأمني.
لقد أصبحت هذه الوثيقة نص فقط كل يحاول أن يفسره على هواه من موقعه السياسي ووفقاً لرؤيته، فإما أن يفسر الوثيقة بما يخدم مصالحه الفئوية، ويعمل على تقزيمها والتهرب من استحقاقاتها، وإما أن يعطيها أبعادها الوطنية بآفاقها الواسعة وبما يخدم المصلحة الوطنية العليا.
وفي ظل حالة الاحتقان السياسي بين حركتي فتح وحماس وقع ما كان قد توقعه الكثيرون وحذروا من خطورته، حيث انفجرت الخلافات بين الحركتين في اشتباكات دامية وحملت هذه الاشتباكات سلسلة من الدروس، بدأت الأنباء تتضارب حول وجود مبادرة قطرية لحسم الخلافات بين الحركتين حيث فوجئ الوزير القطري أثناء زيارته لغزة بأن حدة الخلافات بين رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية ورئيس حكومته قوية إلى درجة أنه فشل في عقد لقاء مشترك معهما، مما اضطره إلى القيام بتحركات مكوكية بينهما.
انفجرت الخلافات بين حركتي فتح وحماس في شوارع غزة والضفة وعلى شاشات الفضائيات وفي المؤتمرات الصحفية والبيانات والتصريحات، لتأخذ طابع الحرب الشاملة بين الطرفين، هددت مصير الحالة الفلسطينية ومستقبلها وقد جاء هذا الانفجار نتيجة الاستقطاب الثنائي والاحتقان المتزايد بين الطرفين.
لقد انتهى الحوار وبدأت جولات من الاقتتال بين الحركتين في بداية عام 2007م في هذه الفترة تحولت القوة التنفيذية التابعة لوزير الداخلية والموالية لحركة حماس إلى قضية خلافية كبرى بين الرئيس محمود عباس ورئيس الحكومية السيد/ إسماعيل هنية.
في ضوء الاشتباكات الدموية التي شهدها قطاع غزة والتي تصاعدت وتيرتها بشكل غير مسبوق، فقد عاشت الحالة الفلسطينية سباقاً محموماً بين المشاورات والحوارات ودعوات التعقل من جهة وبين وتيرة الأجواء وانتهاك المحرمات وفي مقدمتها الدم الفلسطيني وفتح الأبواب أمام استئناف الاقتتال في جولات جديدة أكثر دموية.
لقد مر على قطاع غزة أياماً سوداء في مسلسل الصراع الدموي بين الحركتين فقد سقط ما بين (25-29/1/2007) سقط خلالها 36 قتيلاً وعشرات الجرحى.
وفي هذه الأثناء ولدت المبادرة العربية السعودية التي وافق عليها الطرفان ونظر كثيرون إلى أن لقاء مكة هو الفرصة الأخيرة، لذلك تفاءل هؤلاء بضرورة التوصل إلى اتفاق بين الطرفين ينتهي بذلك الاقتتال.
لقد شكل انفجار الوضع في القطاع واتساع دائرة الاشتباكات بين الطرفين الفرصة المناسبة لإطلاق المبادرة السعودية.
إلا أن الوضع انفجر بصورة مأساوية بتاريخ 15/5/2007م ما سمي في ذلك الوقت بمعارك الأبراج وقد تدخل الوفد الأمني المصري برئاسة اللواء برهان حماد بعد ايام دامية من المعارك.
لقد تدخلت وساطات عربية عدة من أجل إيجاد توافق يعيد إلى العمل الوطني الفلسطيني وحدته، وتوصل بعضها لتفاهمات مهمة كانت تصلح أساساً لحكومة وحدة وطنية، لكن كلها باءت بالفشل وانزلق الموقف في حزيران عام 2007م إلى مواجهة أمنية شاملة في قطاع غزة انتهت بسيطرة حركة حماس على القطاع وتقويض سلطة الرئيس محمود عباس.
بعد ذلك أطلقت مصر دعوتها للفصائل الفلسطينية لاستئناف الحوار حول سبيل إنهاء الانقسام والتوصل إلى حكومة توافق وطني تنهض بأعباء التحديات القائمة.
لقد مهدت مصر لعقد الحوار الشامل بعقد حوار ثنائي بين حركتي فتح وحماس يومي 23-24/فبراير 2009م توصل إلى اتفاق على وقف الحملات الإعلامية المتبادلة وضبط التجاوزات ومعالجة ملف المعتقلين من الجانبين وتشكيل لجنتين إحداهما في غزة والأخرى في الضفة لتلقي الشكاوى، ومهد هذا الاتفاق الدعوة لجولة حوار شامل شارك فيها ممثلو فصائل العمل الوطني والإسلامي الفلسطيني وعدد من الشخصيات الوطنية الفلسطينية المستقلة بهدف إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية .
وفي ختام جلسة الحوار الشامل أصدرت الفصائل الفلسطينية بياناً في 26 شباط 2009م ، أبرز أن الحوار استهدف الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية وإعادة بناء المؤسسات الوطنية وفي المقدمة منها منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية على أسس وطنية وديمقراطية جامعة، كما تم تشكيل خمس لجان للحوار هي: لجنة الحكومة وتهدف إلى الوصول إلى تشكيل حكومة توافق وطني، ولجنة الأمن لبحث بناء الأجهزة الأمنية على أسس مهنية غير فصائلية ، ولجنة منظمة التحرير الفلسطينية وتفعيلها وإعادة بنائها وكذلك إعادة بناء مؤسساتها وفقاً لإعلان القاهرة ووثيقة الوفاق الوطني، ولجنة الانتخابات وتهدف إلى بحث إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بما لا يتجاوز موعدها المحدد في القانون، ولجنة المصالحة الوطنية وتهدف إلى ترسيخ ثقافة التسامح والديمقراطية وقيم الاحترام المتبادل وتحريم الاقتتال الداخلي فضلاً عن لجنة عليا للتوجيه.
وتم التفاهم على الإطار العام لمهمات اللجان وآليات عملها بحيث تبدأ عملها في العاشر من شهر مارس 2009م وأن تنجز أعمالها قبل نهاية الشهر نفسه، كما تم الاتفاق على الشروع في الإفراج الفوري عن المعتقلين السياسيين في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، ووقف كل أشكال الملاحقة والانتهاك للحقوق والحريات الديمقراطية ، ووقف الحملات الإعلامية ومتابعة كل ذلك وفقاً لآليات تم الاتفاق عليها.
حققت المفاوضات تقدما في بعض القضايا المطروحة لكنها تعثرت في مواجهة أربع قضايا رئيسية: هي تشكيل الحكومة وبرنامجها، ووضع صيغة تمكن حركتي حماس والجهاد من المشاركة بالقرار الفلسطيني في الفترة ما بين تشكيل الحكومة الجديدة وانتخاب مجلس وطني لمنظمة التحرير الفلسطينية وأرجئ استكمال الحوار حول هذه الموضوعات إلى حين رجوع الوفود الفلسطينية إلى قيادتها.
وفي هذا السياق قامت حركة فتح وبادرت إلى توقيع الورقة المصرية ولم توقع حركة حماس على هذه الورقة.
استغل الرئيس محمود عباس هذه اللحظة التاريخية وتقدم بمبادرة عرض خلالها على حركة حماس بأنه مستعد للتوجه إلى غزة بهدف تنفيذ اقتراح من شقين :
الأول : تشكيل حكومة انتقالية من المستقلين من ذوي الكفاءات.
الثاني: أن تنحصر مهمة هذه الحكومة في الإعداد للانتخابات الرئاسية والتشريعية وانتخاب المجلس الوطني وفي إعادة ما دمره العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة نهاية عام 2008 وبداية عام 2009.
وقد شكلت هذه المبادرة لجميع الأطراف مخرجاً وخاصة مصر كي تقوم باستئناف مساعيها والتي توجت بتوقيع حركتي فتح وحماس على اتفاق المصالحة في القاهرة بتاريخ 4/5/2011م، هذه الاتفاق الذي تضمن أساساً الورقة المصرية إضافة إلى محضر اجتماع حركتي فتح وحماس الذي عقد في القاهرة بتاريخ 24/4/2011م
وقد كان السهم الأساس هو طي صفحة الانقسام المدمر وتحقيق المصالحة على أسس وطنية وديمقراطية تؤمن خلالها جميع الأطراف بالشراكة وبحق الاختلاف بالتعددية السياسية والفكرية،
والاحتكام إلى صناديق الاقتراع والانتخابات كوسيلة سلمية وديمقراطية لتداول السلطة واحترام مبدأ سيادة القانون في إطار سلطة واحدة وسلاح واحد.
ومع توقيع اتفاق المصالحة في القاهرة بتاريخ 4/5/2011م يكون الشعب الفلسطيني قد خطى الخطوة الأولى على طريق إنهاء حالة الانقسام وطي نظرياً صفحة هذا الانقسام.
وقد حددت الوثائق خاصة وثيقة اتفاق الوفاق الوطني( الوثيقة المصرية) الإجراءات والآليات التي تحقق المصالحة وتلبي المبادئ والأسس المشار إليها وهي كالتالي:
منظمة التحرير الفلسطينية وإجراءات تفعليها.
الانتخابات والمقصود هنا الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني الفلسطيني.
الأمن: حددت الوثائق أسس ومعايير إعادة بناء الأجهزة الأمنية .
تشكيل حكومة من كفاءات وطنية حكومة مستقلين.
تفعيل المجلس التشريعي طبقاً للقانون الأساسي.
ومنذ ذلك التاريخ أي تاريخ 4/5/2011م والذي بذل الراعي المصري كل الدعم والتأكيد لهذه الاتفاق ونحن ننتظر تطبيق ما اتفق عليه في القاهرة.
وخلال السنوات الثلاث الماضية وقعت حركتي فتح وحماس على الآتي:
إعلان الدوحة الموقع بتاريخ 6/2/2012م في قطر.
الاتفاق الرسمي بين حركتي فتح وحماس الموقع بتاريخ 20/5/2012م في القاهرة.
إعلان الشاطئ الأخير الموقع بتاريخ 23/4/2014م في مدينة غزة.
خلال هذه السنوات الثلاث الماضية حدثت تغييرات في المنطقة العربية ساهمت في الإسراع إلى المصالحة الفلسطينية والسير بخطواتها إلى الأمام
وهنا لابد من توجيه أسئلة إلى طرفي الاتفاق:
هل هذا الإعلان والاتفاقات السابقة هي لإدارة خلاف أم لإدارة أزمة أم لإدارة مصالحة.
لماذا كل هذا التباطؤ في إجراءات المصالحة.
لماذا لا يتم شرح إعلان الشاطئ الموقع بتاريخ 23/4/2014م والاتفاقات السابقة لكوادر الحركتين المدنيين والعسكريين.
هل هناك ضمانات لإدامة المصالحة وإلزام كافة الأطراف بها.
كيف سيتم إلزام الأجنحة العسكرية المسلحة للفصائل والتنظيمات بهذا الاتفاق.
هل ستلتزم أياً من الحركتين فتح وحماس بنتائج الانتخابات التشريعية والقادمة التي من المقرر إجراءها في بداية عام 2015م.
هذه الأسئلة وأسئلة أخرى كثيرة بحاجة إلى إجابات شافية .
والله الموفق

التعليقات