أزمة الثقافة الاستثمارية في فلسطين

أزمة الثقافة الاستثمارية في فلسطين
كتب خاص دنيا الوطن
الحسن بكر
لا يمر يوم إلا ونسمع عن قصص فشل لمشروع "استثماري" في فلسطين ونجد الجميع يسارع بإلقاء اللوم على الوضع السياسي أو الحصار حتى في حالات لا يكون فعليا هذا هو السبب ولكن كما تعودنا فنحن نبحث عن شماعة لتعليق اخطاءنا عليها.

أزمة حقيقية في الاستثمار يمر بها الاقتصاد الفلسطيني ولكن اسبابها بعيدة كل البعد عن الوضع السياسي وانما أزمة في تقافة الاستثمار والوعي الاستثماري.

إن العوائق التي تنتج عن الوضع السياسي هي أمر واقع وليست جديدة وهو ما يجعل القاء اللوم على الوضع السياسي ما هو الا تبرير للخطأ بخطأ آخر.

فالفهم الحالي للاستثمار في فلسطين هو عملية الربح السريع ويسيطر عليها عقلية القطيع مما جعل العديد من المشاريع ليست بالجديدة وانما محاولات فاشلة لتقليد مشاريع ناجحة مما تسبب بمشكلة حقيقية لصاحب المشروع الجديد وكذلك لصاحب المشروع القديم الذي بات عليه محاولة مواجهة التحدي والمنافسة الجديدة التي تعتمد على مبدأ محاولة استعادة بعض السيولة وانقاذ ما يمكن انقاذه.

الامر نفسه للمستثمرين في أسواق المال أيضا ممن بحثوا عن الأرباح السريعة والغنى السريع مما دفع بهم إما للدخول بدون معرفة بالأسواق والمضاربة معتقدين بأن تصرفهم هذا هو استثمار أو اللجوء إلى من قاموا بتشغيل أموالهم بأرباح عالية لم تكن إلا أرباح وهمية وليصبح معها الوضع مرحلة مرت بها جمهورية مصر العربية في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي وأظهرت أزمة مشكلة توظيف الأموال في تلك الفترة.

الاستثمار لم يكن يوما مضاربة أو تقليد وانما دراسة وتخطيط وتنفيذ لهذا التخطيط. وفيما يلجأ الكثير ممن يسمون أنفسهم مستثمرين إلى دفع مبالغ طائلة للإعلان والتسويق وكذلك للديكورات وغيرها من المصاريف الغير مخطط لها نجد القليل ممن يلجأون فعليا لدفع مبالغ معينة لخبراء للقيام بدراسة للسوق ودراسة الجدوى الاقتصادية للمشروع قبل البدء.

عند النظر لقصص نجاح لمستثمرين فلسطينيين أو حتى عالميين نجدهم جميعا قد اتخذوا دربا هاما وهو التخطيط وتنفيذ الخطة بالطريقة الصحيحة.

قد يواجه البعض فشلا ولكنه يبقى محدودا ويمكن السيطرة علية طالما كان العمل مبنيا على خطة وخطة بديلة وليس مبنيا على أحلام ومقارنات خاطئة.

للبدء في الطريق السليم للنجاح في المشروع الاستثماري يجب التفريق بين الاستثمار والمضاربة، وليتمكن الفرد من عمل مثل هذا التفريق لابد أن ينظر إلى المعايير المختلفة للاستثمار واختلافها عن معايير المضاربة وعقلية القطيع.

في حال المضاربة يكون هناك محدد رئيسي وهو عمليات من الشراء المتكرر بانتظار ارتفاع السعر للبيع عنده والاستفادة من فرق السعر وتحقيق مكاسب سريعة برغم مخاطرتها العالية.

وهذا الأمر نجده ينطبق في العديد من الحالات التي يعتبرها البعض استثمارا ولكنها في الحقيقة مضاربة ومنها عمليات شراء الأراضي بهدف المضاربة وشراء الأسهم بهدف المضاربة وكذلك على صعيد الصفقات التجارية أو ما يسميه البعض بالضربات وهي عملية شراء بضاعة بشكل سريع أملا في ارتفاع سعرها بشكل سريع ايضا لبيعها.

كل هذه العمليات وغيرها تندرج ضمن معايير المضاربة ولا يمكن اعتبارها استثمارا، ورغم أنها توفر فرصة عالية للربح ولكنها أيضا كثيرا ما يتعرض من يخوضونها إلى خسائر فادحة وهو حال العديد من المشاريع التي تم فتحها بغزة وكانت مشاريع مضاربية نظرت إلى المدى القصير وتجاهلت المدى الطويل وهو ما يمكن اعتباره مبدأ مشاريع البسطات التي نراها بشكل دائم ولا تختلف عنها الكثير من المشاريع الأخرى التي تسعى إلى استعادة رأس المال بشكل فوري وعادة ما يكون في هذه الحالات رأس المال عبارة عن قروض أو تسهيلات أو ديون شخصية على صاحب هذا المشروع المضاربي.

الاستثمار من جهة أخرى يأتي ضمن دراسة لفترات طويلة غالبا ما تمتد حتى 5 أو 10 سنوات وفي بعض الأحيان قد تكون لفترات أطول كما هو الحال في حالة الاستثمار لمرحلة التقاعد.

ويتم بناء الاستثمار على نوعية الاستثمار ويعتبر مستوى السعر هاما في هذه الحالة حيث يبحث المستثمر عن الاستثمار بالسعر العادل والصحيح وكذلك نوعية الاستثمار من حيث قيمته الفعلية ويضاف إلى ذلك وهو الأهم العائد على الاستثمار.

ونقصد في هذه الحالة عمليات الاستثمار في مشاريع لمدى طويل مثل المشاريع العقارية ذات الدخل الثابت أو المشاريع التجارية التي يتم التخطيط لتغطية رأسمالها خلال فترة طويلة في الوقت الذي تؤمن فيه عائدا مناسبا على الاستثمار.

وينطبق هذا الأمر على بناء المباني بغرض تأجيرها أو شراء أسهم بغرض الاستفادة من الأرباح السنوية لهذه الأسهم أو من خلال افتتاح مشروع استثماري يؤمن فرصة عمل للمستثمر ودخلا مناسبا مع وجود استمرارية له في هذا العائد.

من هنا، أرى أنه من الضروري وقبل أن نبدأ باللوم على الوضع السياسي أن نبحث جيدا عن آفاق الاستثمار السليم وسنجد العديد من الآفاق المتاحة التي يمكنها أن تمثل فرصا للاستثمار على المدى الطويل ونقوم بدراستها بالشكل الصحيح نظرا إلى الاستمرارية وليس المضاربة حتى نحقق فعليا الاستقرار الاقتصادي والمالي للفرد الفلسطيني بداية وللاقتصاد الفلسطيني بشكل عام.

التعليقات