قصص فلسطينية من الواقع المؤلم .أبناء يتطاولون على آبائهم وآخرون يودعونهم دور المسنين ولا يسألون عنهم

قصص فلسطينية من الواقع المؤلم .أبناء يتطاولون على آبائهم وآخرون يودعونهم دور المسنين ولا يسألون عنهم
ارشيفية
دنيا الوطن/ تحقيق رامي الغف

جلس المسن صافي 84 عام في غرفة رقم 36 في دار المسنين في غزة وقد بانت على تقاسيم وجهه المنهك والمتعب علامات الأسى والتأثر يحاول عبثا حبس دموعه من خلف نظاراته العتيقة أن تنساب فوق وجنتيه لتبلل ( لحيته ) البيضاء وبالكاد تسمع صوته المتهدج مستفهما ( ليش عملوا فيا هيك ) ؟! فصافي كغيره من كبار السن الذين يرقدون في هذا المركز الإيوائي من أجل الاهتمام بهم وبأوضاعهم.
المواطن صافي عاد إلى وطنه فلسطين بعد أن عادت قوات الثورة إلى ارض الوطن بالعام 96 وهو عسكري متقاعد فقد أرضة وبيته نتيجة استيلاء إخوته وأبناء عمومته عليهم، ورموه بالشارع يفترش الأرض ويلتحف السماء، فما كان من أهل الخير إلا جلبوه إلى هذا المركز الإيوائي بعد أن تنكر الجميع له ولحقوقه.
*عقوق الوالدين*
(دنيا الوطن) زارت مركز المسنين وتجولت في أروقته وقامت بهذا الاستطلاع، لعلنا نتابع بعض الحالات الإنسانية لكبار السن ونذكرهم بعد أن نساهم أو تناسهم المقربين لهم، ومحطتنا الأولى كانت مع المواطن صافي 84 الذي يقول، خرجت من هذه الدنيا بزوجه متوفاة فلا أبن ولا بنت تركت بيت وقطعة أرض متواضعتين في قريتي في محافظة بيت لحم، التحقت بقوات الثورة عندما كان عمري 14 عاما وتنقلت من بلد عربي لآخر، وعند عودة القوات الفلسطينية لأرض الوطن عدت الى ارض الوطن ويا ليت ما رجعت، فقد رموني أهلي بالشارع واستولوا على بيتي وارضي، واتهموني بالمجنون من أجل الاستيلاء على أملاكي، فما كان إلا أن لجأت لمركز المسنين من أجل تكمله ما تبقى من عمري هنا.
ويتابع المواطن صافي حتى معاشي التقاعدي لم احصل عليه بحجة إني لم أحصل على الهوية الوطنية، علما باني ذهبت إلى دائرة الرواتب، فقالوا لي لا يحق لك أن تتقاضى راتب، لأن اسمك لم يدرج بكشوفات الرواتب بعد عودتك لأرض الوطن، ويتابع أنا هنا في قطاع غزة منذ 17 عاما لم أتقاضى راتب وأعيش على تبرعات الناس وما يقدموه لنا في مركز المسنين من مأكل ومشرب.
المسن أبو خميس  (77عاما)، له قصة غريبة لكنها تتكرر دائما فهو يقول، إني رجل قد رزقني الله ثروة كبيرة وثلاثة أبناء وعندما كبر أبنائي أخذوا يديرون عملي، لكنهم اتفقوا على تقاسم أموالي وأنا على قيد الحياة.
ويضيف، صحيح انهم لا يعملون أي شيء الا بموافقتي، لكن بمرور الوقت أخذ كل واحد نصيبه من الأموال وزوجته وأبناءه، وذهبوا ولم أعد أراهم إلا في المناسبات.
ويشير أبو خميس، في آخر مرة دخلت المستشفى لم يهتم بي أحد منهم، بل جاءوا مثلما جاء الجيران والغرباء، ومع مرور الوقت بدؤوا يتضايقون مني فلم يهتموا بي ولا بوضعي الصحي ، وجاءوا بي إلى هنا منذ 3 سنوات ولم أشاهدهم منذ ذلك الوقت.
* ظاهرة ليست بجديدة*
يقول الدكتور الشيخ إبراهيم الراعي، أن ظاهرة العقوق ونسيان الجميل والتجاهل تجاه حقوق الوالدين وكبار السن في الأسرة والمجتمع سمة ليست جديدة، بل هي موجودة في البشر كلما تباعدوا عن الهدي الإلهي، لكنها تتزايد وبشكل ملحوظ في أوقات وأماكن وظروف معينة كالمرحة التي نعيشها الآن، خاصة حين نرى مظاهر ذلك الجفاء تمتد إلى أقرب الناس من الوالدين والإخوان والأجداد والأعمام والأخوال ونحوهم من الأقارب، في صور بدأت تتنامى، ولم يعرفها مجتمعنا من قبل، وما زالت - بحمد الله - الخيرية في البر والتواصل في مجتمعاتنا هي الأصل والأكثر، ولكن محافظة على هذا الخير يجب أن يتنادى المصلحون والمربون لتحديد وتوصيف الأسباب ومعرفة الأدواء ومن ثم الوصفات النافعة والمؤثر.
*مشاكل صحية ونفسية*
اتصلنا بالدكتور حسن سلامة أخصائي في علم النفس والاجتماع في جامعة القدس فقال، أن كبار السن تنتابهم حالات نفسية خاصة منها الشعور بأن ما كان في الماضي أفضل من الحاضر، ومنها الشكوى الدائمة ومنها التصلب في الرأي وادعاء الصواب دائما والعزلة والشعور بأنه قد بلغ نهاية المطاف.
ويضيف سلامة مهما بذلنا من عناية فان من الطبيعي أن تستمر مشاكلهم الصحية فعلى الأبناء أن يكونوا أكثر ايجابية في التعامل مع أبائهم وأمهاتهم بصبر وتفهم فليس من المنطق أن تطلب من بلغ السبعين عاما أن يحمل نفس أفكارنا وان يكون مرحا دائما بل يجب أن نتقبله كما هو، لان سنة الحياة هي أن الأب والأم هم الذين يربون ولا يمكن أن نعكس هذه العملية عندما يكبر الأبناء فيرغبون أن يعلموا إباءهم مفاهيم جديدة.
* الحياة جزاء ومكافأة*
من جانبه يرى الدكتور محمد المصري أستاذ الدراسات الإسلامية المشارك بكلية اصول الدين، أنه لا يُقدم على عقوق الوالدين إلا فاقد المروءة سيئ الخلق قليل الدين، ومن كان كذلك مع أوثق الناس به وأكثرهم تفضلاً عليه، كان مع الناس أدنى مروءة وأسوأ خلقاً وأقل ديناً، وقال: إن بعض الأبناء قد يبرر عقوقهم لآبائهم وأمهاتهم بقسوة هؤلاء الآباء والأمهات، وظلمهم له، وتعديهم عليه، وأنا لا أنكر أن بعض الآباء يفعلون ذلك، وأن بعضهم يشتد في القسوة والتأديب حتى ليضرب ولده فيكسر له يداً أو يقصم له ظهراً، وهي قسوة جاهلة ظالمة بلا شك، لكنها لا تبرر العقوق بحال، فالولد كثيراً ما يخطئ في الحكم على الأب والأم بالقسوة والظلم، وكثيراً ما تخفي عليه الحكمة، لصغره وطفولته من قسوة أبويه، وشدتهما عليه في التأديب، وكثيراً ما يكون ذلك بدافع الشفقة والرحمة من دون أن يرى الولد أن في ذلك شفقة أو رحمة، ولقد مررنا كلنا بهذا الدور وبهذه الحالة، فكم كنا نبكي من قسوة آبائنا علينا، ومن حرماننا من بعض ما نشتهي، ومن منعنا بعض ما نريد أن نفعل؟ وكنا نتهمهم يومئذ بالظلم والقسوة، ثم ما نلبث حين نعي الحياة ونفهمها أن نتبين فضلهما علينا في ذلك المنع والحرمان.
واستطرد د. المصري قائلاً: وهب أباك ظالماً فيما صنع بك، ألا تغتفر له ذلك لقاء ما سبق له من فضل عليك يوم كنت رضيعاً، ووليداً، وطفلاً صغيراً، لا تجد في الكون من يحنو عليك غيره وينفق عليك سواه؟ وأقول للأبناء والبنات لا تنسوا فضل آبائكم وأمهاتكم عليكم، وإن غاب عنكم الآن مشهدهم، فانظروا إلى صنيعهم بإخوانكم الصغار، انظروا إلى أمهاتكم حين يلدن أخواتكم كم يتألمن وكم يصرخن، ثم انظروا إليهن بعد ذلك كم يسهرن وكم يأرقن وكم يجزعن، وانظروا إلى آبائكم كيف يكدحون في الحياة ويتعبون من أجل تربية إخوتكم الصغار، وتعليمهم، وتطبيبهم.
وطالب د.المصري الأبناء بأن يكونوا على ثقة أن الحياة جزاء ومكافأة، فمن أحسن منكم إلى أبوية وبرهما وحنا عليهما، رزقه الله أولاداً يحنون عليه ويبرونه ويحسنون إليه، ومن عق منكم أبويه عوقب بأولاد يعقونه وينكرونه ويسيئون إليه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بروا آباءكم تبركم أبناؤكم.
* أسباب الظاهرة*
وقد ذكر لنا الدكتور الراعي أبرز أسباب هذه الظاهرة ومنها: ضَعف أو انعدام التنشئة الشرعية للأولاد، سواء في البيت أو المدرسة أو الشارع، القائمة على استشعار الفضائل والبر والصلة كقيمة أساسية لا يمكن التنازل عنها بأي حال من الأحوال، وحجم المؤثرات والصوارف عن الاستماع المركز لما يجب أن يسمع من الوالدين أو الخطيب أو المعلم، ومن القنوات الفضائية والألعاب الإلكترونية وبرامج التواصل الاجتماعي وانتشار أجهزة الجوالات الذكية؛ الأمر الذي صرف الجيل أو كاد عن مجالس الآباء والموجهين وقادة الأسر في المجتمع، والفقر العاطفي الذي ربما يجده الأبناء من الوالدين يسبب انشغال كل طرف بخصوصياته وأحواله؛ حيث أثر ذلك في العلاقة الحميمية الدافئة بين الوالدين والأولاد، وظروف العمل والحياة التي باعدت نوعاً ما من التقارب والتواصل الواجب بين الشباب وكبار السن من الوالدين أو من الأقارب، والشعور بالاستغناء لدى بعض أفراد الجيل الحاضر، وربما ازدراء الجيل الذي سبقه، زيادة التعلق بالدنيا واصطباغ الحياة بالصبغة المادية التي تحكمت في العلاقات، وصارت الحسابات في كثير من الأحوال حسابات مادية تُقاس بها، وتوزن عليها، وأولاً وأخيراً ضَعف التدين، وقلة الوازع الديني الذي يبني في القلب النظر للدار الآخرة واحتساب الأجر عند الله تعالى.
وفي ختام استطلاع دنيا الوطن هذا فيجب أن نؤكد على أن المسنين من الرجال والنساء لهم حق مقدس في ممارسة دورهم في الحياة كما هم الشباب، بل ربما يستحقون منا أن نوليهم اهتماما اكبر من خلال متابعة حالاتهم الصحية والنفسية والمادية كذلك وفي ذات الوقت نحن ندعو كافة المنظمات الإنسانية ومؤسسات المجتمع المدني والدوائر الطبية والاجتماعية ومسئولي الحكومة، على أيجاد مساكن خاصة للمسنين والاهتمام بها أن وجدت وللتذكير فقط أن هذه المساكن تهمنا جميعا لأننا جميعا إذا طال عمرنا فسنقف في صفوف المسنين يوما ما.

التعليقات