افتتاح مؤتمر العدالة الانتقالية فى السياق الفلسطيني بمشاركة النائب أشرف جمعة بالمملكة المغربية

افتتاح مؤتمر العدالة الانتقالية فى السياق الفلسطيني بمشاركة النائب أشرف جمعة بالمملكة المغربية
انطلقت صباح السبت 10 ماي الجاري بطنجة؛ أولى محطة من أشغال ورشة عمل حول: "العدالة الانتقالية في السياق الفلسطيني والنموذج المغربي"؛ بمشاركة النائب اشرف جمعة عضو المجلس التشريعي الفلسطيني و فعاليات وخبراء وأساتذة باحثين من فلسطين والمغرب وعبر الفيديو كنفرس من مدينة غزة ، يمثلون بالخصوص المؤسسات التالية: مؤسسة دعم فلسطين الدولية، المجلس الوطني لحقوق الإنسان، المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية- مسار، ومؤسسة ،marti ahtisaari centre.

 وفي كلمته بالمناسبة، أشار ذ.عبد القادر أزريع رئيس اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان الرباط-القنيطرة، إلى أن الحديث اليوم عن عدالة انتقالية في فلسطين، هو بداية التأسيس لحوار آخر مختلف بين مكونات الشعب الفلسطيني، في أفق المصالحة الفلسطينية الشاملة.

 وذكر أزريع في سياق الحديث عن ما يمكن أن يربط التجربة الفلسطينية بنظيرتها المغربية، أن تجربة مساراتها الخاصة، ومداخل العدالة الانتقالية بالتالي تختلف باختلاف تجارب الشعوب، مشيرا إلى أن المغرب يعد نموذجا يحتذى به على مستوى الإنصاف والمصالحة، بعدما مسار طويل عرفه الحقل الحقوقي والواقع السياسي بشكل عام. أزريع أضاف أن المسار الفلسطيني، سيكون نوعيا مختلفا لإغناء العدالة الانتقالية ثقافيا وسياسيا...، خاصة مع ما لمفهوم الوطن من حضور بهذا الخصوص، مع ما يرتبط به من تعدد المواقف والرؤى والمقاربات، وهو من دون شك (الوطن) يختلف ما بين فلسطين والمغرب.

وشدد أزريع على أنه الديمقراطية تعد من الآليات الأساسية لنجاح كل تجربة عدالة انتقالية، والتي لا يمكن خلق أفق بشأنها خارج إطار المقاربة الحقوقية. كما أكد أزريع على أن تحقيق المصالحة، لا بد أن يوازيها إيمان عميق بالفكرة للوصول في نهاية المطاف إلى قناعة مترسخة.

ذ.هاني المصري عن المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية-مسارات، أشار في مداخلته إلى أن التجربة الفلسطينية تبدو بعيدة نوعا ما عن العدالة الانتقالية، مشددا بالمقابل إلى أهمية الاستفادة من التجربة المغربية، التي ستساعد الفلسطينيين في إنجاح تجربتهم، في ارتباط بمواجهة الاحتلال. وبما أننا لسنا دولة مستقلة فإننا تحقيق العدالة الانتقالية سيكون مختلفا -يضيف المصري- مع ما تشهده جل المناطق الفلسطينية من صعوبات، وأوضاع يتحكم فيها هاجس الاحتلال بالدرجة الأولى، ووجود معظم أفراد الشعب الفلسطيني خارج البلاد "الشتات". ودعا المصري إلى وجوب التركيز على كيفية مواجهة العراقيل، والخروج من الورشة بتوصيات عمل ترفع إلى السلطات الفلسطينية.

د.سلطان ياسين عن مؤسسة marti ahtisaari centre (مبادرة إدارة الأزمات الدولية)، قدم في البداية نبذة عن المؤسسة المذكورة والتي تهتم بإدارة الأزمات لتحقيق السلم المجتمعي، وذلك عبر: الحوار، الوساطة، وبناء قدرات الأطراف المتنازعة. سلم تعمل المؤسسة على إيجاد السبل الكفيلة لتحقيقه في إطار المصالحة الفلسطينية-الفلسطينية، من خلال دعم الإصلاحات، وتنظيم ندوات وجلسات عمل تذليلا للعقبات. ياسين جدد التأكيد على أنه يمكن استخلاص العديد من النقاط فيما يتعلق بالتجربة المغربية، عملية يجب أن تنسجم مع السياق العام الذي يعرفه المشهد السياسي والقضائي الفلسطيني. ومواجهة الاحتلال لا يجب أن تنفصل عن هذا الحراك لتحقيق العدالة الانتقالية، ولا بد كذلك من دعم عمل لجنة المصالحة الفلسطينية، والخروج بخارطة طريق من خلال ورشة العمل المنظمة بطنجة من أجل تقديمها لأصحاب القرار الفلسطيني -يختم ياسين-.

وعن التجربة المغربية وسياق إعمال مسار العدالة الانتقالية، أشار ذ.الحبيب بلكوش عضو المجلس الوطني لحقوق الإنسان ورئيس مركز دراسات حقوق الإنسان والدمقراطية، إلى أن الانشغالات بخصوص العدالة الانتقالية، باتت تجتاح عددا من الدول: المغرب، فلسطين وصولا إلى الدول التي ارتبطت مؤخرا بالربيع العربي، وهو وضع ولدته معاناة المنطقة بكاملها في مجال حقوق الإنسان، حتى باتت العدالة الانتقالية تتحمل أحيانا أكثر مما تطيق.

العدالة الانتقالية آلية ومبحث تبلور عبر مسار طويل فيما يخص معالجة البشرية لحقوق الإنسان في إطار الانتقال الديمقراطي -يضيف بلكوش-، وهي تراكم لمجموعة من التجارب منذ الحرب العالمية الثانية وصولا إلى التسعينات، مسار توجه على مستوى الأمم المتحدة بإحداث آلية خاصة بالعدالة الانتقالية، حتى تضمن حقوق الناس الذين انتهكت حقوقهم وتجبر أضرارهم، وينخرطوا في مسار الانتقال الديمقراطي لبلدانهم.

 إن الحديث عن معرفة الحقيقة لا يعني تصفية الحساب بل هو محاولة لتلمس ما الذي صار في مجتمع ما من همجية وانتهاك لحقوق الإنسان في فترة معينة، وحين نرسم مسار الإصلاحات في ميدان ما، فإننا نعبر عن إرادة سياسية تسير بنا نحو أفق أرحب، حتى الوصول لمصالحة المجتمع مع ذاته ومؤسساته ومصالحة الفرقاء -يشير بلكوش-، وهي مسارات تختلف من بلد إلى آخر.

بلكوش أوضح سؤال العدالة الانتقالية يستوجب الإشارة إلى الهدف المتوخى منها (ماذا نريد من العدالة الانتقالية) معرجا على تجارب مجموعة من الدول بعذا الخصوص (مصر، جنوب إفريقيا، الشيلي...)، إضافة إلى أنه لا بد من توفر شروط أدنى متجسدة في الإرادة السياسية المشتركة، التي من شأنها رسم خارطة طريق تجعل من آلية العدالة الانتقالية أولا تجعل مسألة أساسية في التحول الديمقراطي.

 بلكوش ذكر بكون المغرب اختار تجربة العدالة الانتقالية وهي تجربة لم تكن تشبه تجربة أخرى، على اعتبار أن كل واحدة من هذه التجارب محكومة بسياق سياسي وموازين القوى والجمع بين تفاعل انتظارات ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان ومستلزمات التحول الديمقراطي.

وتاريخ المغرب لما بعد السنوات الأولى للاستقلال تميز بذلك التنازع بين الحركة الوطنية والمؤسسة الملكية، وبالمقابل كل المؤشرات كانت تحيل على أن الأوضاع العامة للبلاد كانت صعبة من حيث انتشار الأمية، ضعف البنية التحتية. وكان من اللازم أمام هذا الوضع بناء دولة حديثة، في ظل وجود فكرة الحزب الواحد الذي كان يريد الاستحواذ بشكل فردي على الحكم (الصراع على السلطة السياسية)، مما خلق العديد من جبهات الصراع التي وصلت إلى التصفيات الجسدية، وضع ورثته هيئة الإنصاف والمصالحة فيما يخص اشتغالها.

 بلكوش اعتبر أن لحظة الوعي لدى كل الفرقاء فرضت التفكير بشكل آخر، كانت سببا في مسلسل انفتاح سياسي واسع، كان من تجلياته القيام عبر مجموعة من الإصلاحات (الإفراج عن المعتقلين، عودة المنفيين...)، مسلسل جاء في ظل تفاعلات دولية وإقليمية ووطنية (الإضرابات العامة، المطالبة بالإصلاحات، تشكل العديد من الهئيات الحقوقية)، لدعم الدينامية الديمقراطية، هذا التفاعل بين الدولة والمجتمع مكن من تحقيق مسار العدالة الانتقالية، والتي بدأت بتحقيق مصالحة الملكية مع المعارضة (حكومة التناوب التوافقي برئاسة ذ.عبد الرحمان اليوسفي).

هذا المدخل كان ضروريا لتحقيق مطلب العدالة الانتقالية، التي لم تكن مطلبا سياسيا وإنما مطلبا حقوقيا بامتياز. مع بداية التسعينات، تطورت فكرة المصالحة إذن إلى عقد مناظرة وطنية دعت إليها حركات حقوق الإنسان، وكان الانفراج السياسي مع وصول الملك محمد السادس إلى سدة الحكم، هذا التفاعل مع مختلف ديناميات الإصلاح المجتمعي مس عددا من الواجهات (مكون الأمازيغية، مدونة الأسرة..)، وجعل للمجتمع المدني مكانة متميزة في العملية الإصلاحية -يشير بلكوش- بلكوش ذكر أن إحداث هيأة للتحكيم لجبر الضرر بداية أثارت العديد من الانتقادات، وكانت المطالب بأكثر من مجرد جبر للضرر، وجاءت هيأة الإنصاف والمصالحة باتت الدينامية أكبر وأوسع في احتضان المشروع، والإرادة السياسية كانت حاضرة بقوة في هذا السياق، وحتى لما أحدثت الهيأة خرجت العديد من الأحزاب السياسية (اليمين واليسار) لتعرب عن قلقها وعن انشغالها من هذا المسلسل، إضافة إلى أجهزة نافذة في الدولة كانت كذلك قلقة من هذا المسار، وبالتالي فإن إدارة فترة إحداث هذه الديناميات تستوجب الإرادة السياسية وتبصرا كبيرا في كيفية إدارة التخوفات والانشغالات، لأنها قد تعيق تحقيق مسلسل الإصلاح لأهدافه المتوخاة، وهذا ما سهل بشكل ما العملية التي تمت مع إحداث الهيأة.

 بلكوش قال أن التجربة المغربية تعد من أطول المدد التي اشتغلت عليها لجان كشف الحقيقة (من 1956 إلى 1999)، والمجالات التي غطتها كانت شاملة (التعذيب، الاختطاف، قتل خارج إطار القانون، الاعتقال التعسفي....)، وبشكل عام كان المجهود كبيرا في قراءة هذه المرحلة التاريخية واستخلاص العبر وتحديد المسؤوليات على مستوى المؤسسات.

 استطاعت هيأة الإنصاف والمصالحة إذن أن تطلق دينامية في مجال جبر الضرر الفردي بشكل بارز، وهي تعد من أبرز التجارب على المستوى الدولي، لأن خاصية تجربة الهيأة في المغرب هي أنها حددت من يتابع تفعيل هذه التوصيات، حيث كانت هناك انخراط ملكي وعلى مستوى السلطة الحكومية التي وفرت كل الإمكانيات لتنفيذ التوصيات المذكورة، وتوصيات تم التنصيص على جزء منها في الوثيقة الدستورية، ودينامية الإصلاح ماتزال مستمرة في مسار العدالة الانتقالية بالمغرب.

 

وظلت مجموعة من القضايا في هذه الملفات ذات الطابع الرمزي (ملف بنبركة، ملف المانوزي) عالقة، بكل ما تستوجبه من معالجة واجتهاد، ويجب الاستفادة من كل الإصلاحات التي شهدتها عدد من المؤسسات، في بناء مغرب جديد على أساس قاعدة مشتركة تم الاتفاق بشأنه والتي تتمثل في الوثيقة الدستورية.

وفي كلمة الناشطة المجتمعية فاطمة عاشور من غزة أشارت في مدخل كلمتها إلى الأسباب التي جعلتها غير قادرة في المشاركة الفعلية ضمن أشغال الورشة، وعبرت عن أملها في أن يتوقف الانقسام الفلسطيني وتتحقق العدالة الانتقالية، حتى تتجاوز آثار الانقسام الفلسطيني التي تمتد اليوم من غزة إلى الضفة الغربية.

 عاشور شددت على ضرورة التركيز على مفهوم العدالة الانتقالية في هذه الفترة التاريخية، وإلا سيظل واقع الحال يراوح الأزمة. لتدعو المشاركين في الورشة إلى الاستفادة من التجربة المغربية لاستنارة التجربة الفلسطينية.

 

وفي كلمة السيد اسامة الطويل من غزة أكد على أهمية الأخذ من التجربة المغربية، لما قد يكون لها من آثار إيجابية على مستوى العدالة الانتقالية الفلسطينية.

وتأسف الطويل على حال الانقسام الفلسطيني، الذي تسبب في شرخ اجتماعي كانت له انعكاسات على كل المجالات.

 لطويل أشار إلى أن القيام بعملية المصالحة السياسية من شأنه خلق مصالحة مجتمعية شاملة، وبالأخص جبر ضرر الكثير من أهل عزة. وطي ملف الانقسام بالمقابل سيمحي المعاناة وسيقوي لحمة الشعب الفلسطيني، وفي حال عدم تشكل جبهة فلسطينية قوية، فلن تنجح المصالحة، وهي الجبهة التي يجب أن تحمل على عاتقها هم استعادة الهوية الفلسطينية -يختم الطويل-.













التعليقات