حضرات سادة ومدراء "لوفتهانزا"... يُرجى العلم: احنا خالصين معكم!
بكيبورد: د. عاصف حمدان
قبيل بدء سنتي الأخيرة بكلية الطب قبل سنة إلا نيّف، تحديداً في الفاتح من يوليو الفائت، حلّقتُ إلى دولة ألمانيا للتدريب في قسم جراحة القلب والصدر بمستشفىً جامعي هناك، على الخطوط الألمانية "لوفتهانزا". بعد حوالي ساعة من الإقلاع، نادوا بالميكرفون على أي طبيب موجود بالطائرة للمساعدة! فهمت فوراً طبعاً أن هنالك حالة طارئة لمسافر مريض، فاندفعت مسرعاً فوجدتُ طبيباً قد سبقني، وامرأة مستلقية على الأرض وتتألم بشدة واضعةً يدها على بطنها. وقد جلس الطبيب أمامها دون أن يحرك ساكناً أو ينبس ببنت شفة!. قلت للطبيب: "إكسكيوز مي"! وأشرت له بيدي وأخذت مكانه، فتراجع سريعاً لأنه شعر من اندفاعي بأنني أخصائي طوارئ!. قمت بخطوات متتالية بسرعة، فتأكدت أنها بكامل وعيها، ثم أنها ليست بحالة انهيار، وبدأت بسؤالها بالانجليزية عما حدث معها. كانت تتألم ولكنها تتحدث جيداً نسبياً، وأجابت على كل أسئلتي بما هو مطمْئن طبياً. فخرجتُ بانطباع أنها تعاني من مغص معوي ودوخة بسبب السفر، ليس إلا!
قبل الإقلاع، في حجرة المدخنين في المطار، التقيتُ بشاب يدرس الصيدلة. توقعت أن يكون بحوزته دواء غير الذي معي. تركت المريضة قليلاً، وذهبت إليه حيث يجلس في الطائرة فسألته:"حامل معك أدوية؟"، قال:"اه معي درامامين/ انتيهستامين"، فقلت:" اها ممتاز وهو المطلوب، هاتو يا كبير"، وهو دواء مخصص لمن يعانون من هذه الحالات أثناء السفر بشكل مزمن. وأنا كان معي أدوية منها دواء للمعدة، فقررت إعطاءها الدواءين.
عدت إليها، فجاء كابتن الطائرة وسأل:"هل علينا الهبوط اضطرارياً؟". فور سماعه السؤال؛ انسحب زميلنا الطبيب وعاد وجلس في كرسيه. فكّرت لبُرهة وشعرت أنني ربما أستطيع اتخاذ قرار كهذا، فقلت له انتظر قليلاً. أردت أن أفحص المريضة اكلينيكياً لاستثناء ما قد يكون طارئاً جراحياً. أمرتُ الكابتن ذو الهيبة الكبيرة وأحد أفراد الطاقم(مضيف!) بالابتعاد حفاظاً على خصوصية المريضة، فأطاعوا. استخدمت ستارة موجودة كغطاء للمكان، ويقيت معي مضيفتان. قبيل الفحص، سألتها من وين؟ ففاجأتني بقولها :"from Iraq".. فقلت: يعني بتحكي عربي؟! قالت :إيوه"، قلت متعجباً: حكيتيلي اسمك Elia قالت: اها علياء، فعرفتها على نفسي، فهدأت قليلاً لما عرفت إني فلسطيني. فحصتها فاستثنيت التهاب الزائدة أو أي مشكلة تستدعي التدخل الجراحي الطارىء. ثم طمأنتها بالقول حرفياً:" أمورك ان شا الله منيحة، هذا بس دوخة من التعب والسفر .. ما تتوتريش، يعني (ماكو توتر) بالعراقي ههه".. فصارت تضحك مع أنها كانت ما زالت تتألم!، وسط ذهول المضيفتين اللتين صارتا تنظران لبعضهما البعض بفضول كبير!. ثم أخبرتها أنني سأبلغ الكابتن بأننا نستطيع الإكمال إلى فرانكفورت، وأن يأخدوها من هناك لأقرب مركز صحي، فوافقتْ. وأعطيتها الدواء، وأشرتُ عليها بألا تتناول الطعام وأن تشرب قليلاً من الماء فقط اذا أرادت، وبعد ربع ساعة تقريباً ذهبت للإطمئنان عليها مجدداً فوجدتها قد تحسنت بالكامل والحمد لله.
بعدها جاءت إليّ المضيفة وقالت نريد اسمك وعنوانك لأننا سنشكرك على موقعنا. أكدت عليها أن يكتبوا في عنواني:Palestine State, Tulkarm city (لأن هذا الموقع يفتحه الملايين يومياً)، وأعطتني بطاقتي تسّوق من معارض لوفتهانزا بقيمة 50 يورو كمكافأة. وقالت أنه بإمكاني استخدامهما بأول رحلة قادمة على لوفتهانزا. وبعد عودتي بأسابيع، سافر جرّاحنا الرائع د. ياسر أبو يوسف، والذي عاد مؤخراً من المانيا بعد سنوات طويلة ليبدأ بإجراء عمليات نوعية في فلسطين؛ سافر إلى ألمانيا لحضور مؤتمر هناك، فأعطيته البطاقات، فارتأى مشكوراً وبذوقه الرفيع اختيار ساعة يد، أصبحت فيما بعد، الهدية أو المكافأة الأثمن في حياتي من الناحية المعنوية، ولأول مرة شعرتُ بأنني لست نادماً على دراسة الطب، أتمنى ألا تكون المرة الوحيدة !
وبالطبع فإن المستفيدة الكبرى لم تكن السيدة علياء؛ وإنما كانت لوفتهانزا. ولوفتهانزا عينُها هي الشركة التي خسرت آلآف اليوروهات بسببنا كفلسطينيين عام 1972؛ لأن الطائرة التي اختطفها فدائيو منظمة أيلول الأسود لينفذوا عملية ميونخ البطولية، كانت إحدى طائراتها، وكذلك الطائرة التي اختطفوها بعد أشهر لتحرير أفراد المجموعة الذين لم يُستشهدوا. وفي هذه القصة كان يكفي أن أقول للكابتن: "لا أعرف"، أو أن أنسحب مثل الزميل ليهبطوا ويتكلّفوا آلآف اليوروهات –حسب تقديري- لأن الهبوط الاضطراري يترتب عليه تبعات مالية كثيرة. إذاً هيك احنا بنطلع خالصين معهم.. صح ولا لأ J ؟!
قبيل بدء سنتي الأخيرة بكلية الطب قبل سنة إلا نيّف، تحديداً في الفاتح من يوليو الفائت، حلّقتُ إلى دولة ألمانيا للتدريب في قسم جراحة القلب والصدر بمستشفىً جامعي هناك، على الخطوط الألمانية "لوفتهانزا". بعد حوالي ساعة من الإقلاع، نادوا بالميكرفون على أي طبيب موجود بالطائرة للمساعدة! فهمت فوراً طبعاً أن هنالك حالة طارئة لمسافر مريض، فاندفعت مسرعاً فوجدتُ طبيباً قد سبقني، وامرأة مستلقية على الأرض وتتألم بشدة واضعةً يدها على بطنها. وقد جلس الطبيب أمامها دون أن يحرك ساكناً أو ينبس ببنت شفة!. قلت للطبيب: "إكسكيوز مي"! وأشرت له بيدي وأخذت مكانه، فتراجع سريعاً لأنه شعر من اندفاعي بأنني أخصائي طوارئ!. قمت بخطوات متتالية بسرعة، فتأكدت أنها بكامل وعيها، ثم أنها ليست بحالة انهيار، وبدأت بسؤالها بالانجليزية عما حدث معها. كانت تتألم ولكنها تتحدث جيداً نسبياً، وأجابت على كل أسئلتي بما هو مطمْئن طبياً. فخرجتُ بانطباع أنها تعاني من مغص معوي ودوخة بسبب السفر، ليس إلا!
قبل الإقلاع، في حجرة المدخنين في المطار، التقيتُ بشاب يدرس الصيدلة. توقعت أن يكون بحوزته دواء غير الذي معي. تركت المريضة قليلاً، وذهبت إليه حيث يجلس في الطائرة فسألته:"حامل معك أدوية؟"، قال:"اه معي درامامين/ انتيهستامين"، فقلت:" اها ممتاز وهو المطلوب، هاتو يا كبير"، وهو دواء مخصص لمن يعانون من هذه الحالات أثناء السفر بشكل مزمن. وأنا كان معي أدوية منها دواء للمعدة، فقررت إعطاءها الدواءين.
عدت إليها، فجاء كابتن الطائرة وسأل:"هل علينا الهبوط اضطرارياً؟". فور سماعه السؤال؛ انسحب زميلنا الطبيب وعاد وجلس في كرسيه. فكّرت لبُرهة وشعرت أنني ربما أستطيع اتخاذ قرار كهذا، فقلت له انتظر قليلاً. أردت أن أفحص المريضة اكلينيكياً لاستثناء ما قد يكون طارئاً جراحياً. أمرتُ الكابتن ذو الهيبة الكبيرة وأحد أفراد الطاقم(مضيف!) بالابتعاد حفاظاً على خصوصية المريضة، فأطاعوا. استخدمت ستارة موجودة كغطاء للمكان، ويقيت معي مضيفتان. قبيل الفحص، سألتها من وين؟ ففاجأتني بقولها :"from Iraq".. فقلت: يعني بتحكي عربي؟! قالت :إيوه"، قلت متعجباً: حكيتيلي اسمك Elia قالت: اها علياء، فعرفتها على نفسي، فهدأت قليلاً لما عرفت إني فلسطيني. فحصتها فاستثنيت التهاب الزائدة أو أي مشكلة تستدعي التدخل الجراحي الطارىء. ثم طمأنتها بالقول حرفياً:" أمورك ان شا الله منيحة، هذا بس دوخة من التعب والسفر .. ما تتوتريش، يعني (ماكو توتر) بالعراقي ههه".. فصارت تضحك مع أنها كانت ما زالت تتألم!، وسط ذهول المضيفتين اللتين صارتا تنظران لبعضهما البعض بفضول كبير!. ثم أخبرتها أنني سأبلغ الكابتن بأننا نستطيع الإكمال إلى فرانكفورت، وأن يأخدوها من هناك لأقرب مركز صحي، فوافقتْ. وأعطيتها الدواء، وأشرتُ عليها بألا تتناول الطعام وأن تشرب قليلاً من الماء فقط اذا أرادت، وبعد ربع ساعة تقريباً ذهبت للإطمئنان عليها مجدداً فوجدتها قد تحسنت بالكامل والحمد لله.
بعدها جاءت إليّ المضيفة وقالت نريد اسمك وعنوانك لأننا سنشكرك على موقعنا. أكدت عليها أن يكتبوا في عنواني:Palestine State, Tulkarm city (لأن هذا الموقع يفتحه الملايين يومياً)، وأعطتني بطاقتي تسّوق من معارض لوفتهانزا بقيمة 50 يورو كمكافأة. وقالت أنه بإمكاني استخدامهما بأول رحلة قادمة على لوفتهانزا. وبعد عودتي بأسابيع، سافر جرّاحنا الرائع د. ياسر أبو يوسف، والذي عاد مؤخراً من المانيا بعد سنوات طويلة ليبدأ بإجراء عمليات نوعية في فلسطين؛ سافر إلى ألمانيا لحضور مؤتمر هناك، فأعطيته البطاقات، فارتأى مشكوراً وبذوقه الرفيع اختيار ساعة يد، أصبحت فيما بعد، الهدية أو المكافأة الأثمن في حياتي من الناحية المعنوية، ولأول مرة شعرتُ بأنني لست نادماً على دراسة الطب، أتمنى ألا تكون المرة الوحيدة !
وبالطبع فإن المستفيدة الكبرى لم تكن السيدة علياء؛ وإنما كانت لوفتهانزا. ولوفتهانزا عينُها هي الشركة التي خسرت آلآف اليوروهات بسببنا كفلسطينيين عام 1972؛ لأن الطائرة التي اختطفها فدائيو منظمة أيلول الأسود لينفذوا عملية ميونخ البطولية، كانت إحدى طائراتها، وكذلك الطائرة التي اختطفوها بعد أشهر لتحرير أفراد المجموعة الذين لم يُستشهدوا. وفي هذه القصة كان يكفي أن أقول للكابتن: "لا أعرف"، أو أن أنسحب مثل الزميل ليهبطوا ويتكلّفوا آلآف اليوروهات –حسب تقديري- لأن الهبوط الاضطراري يترتب عليه تبعات مالية كثيرة. إذاً هيك احنا بنطلع خالصين معهم.. صح ولا لأ J ؟!

التعليقات