المنصور والمقهور ونافذة بِوَجْهِ السُّورْ

المنصور والمقهور ونافذة بِوَجْهِ السُّورْ
بقلم:آصف قزموز

قالوا إن عجوزين مريضين في السن طاعنيْنْ، جمعتهما الصدفة في المستشفى من أصلٍ واحدٍ وَبلدِيْنْ، وغرفة واحدة لِوَحدهما بسريرينْ، فأناخوا بهما على الأسِرَّة ممرضَينْ، ممنوعين من النوم على البطن والجنبينْ. فوضعوا أبو منصور بجانب النافذة الوحيدة وحدهُ، ويسمح له بالجلوس في السرير ساعة واحدة في العصر أو بعدهُ، أما أبو مقهور فكان عليه أن يظل مستلقيا طوال الوقت لا يحملُهُ سوى ظَهْرُهُ.
هذه الحالة جعلت المريضين العجوزين يقضيان وقتهما في تبادل الأحاديث، ولكنهما سَئِما هذا الحال بعد أن استنفذوا ما في جعبتيهما من كلام عن الذات والآخرين، وهما طبعاً لا يرى أحدهما الآخر، فناظراهما في السقف على مدار الساعة، يطلقان العنان لصوتيهما بالغناء بكل ما يشتهيان سَماعَهْ، يا دوب مرَّت علي أربعَه وْعشرينِ ساعَهْ، ضاع الهوى يا خَسارَه وْضاع كل الضِّياعَهْ ( طبعاً هذول معذورين يا جماعة، لأنهم مرضى ممنوعين من الحركة، لكن شو نْقول لَلِموظف اللي بيضيع وقت العمل في الكلام وعلى الفيسبوك وِالتشاتْ، وِالحَكي الفاضي مع النسوان وِالبناتْ، هذا إذا قَعد وِالْتَزَم بمكان العمل زي الخواجاتْ) . وعلى سيرة العلاج والمستشفيات، أحد المسنين، اعتذر أطباؤنا عن إجراء عملية جراحية له، وذلك لخطورة العملية وصعوبتها وكِبَر سن العجوز المريض، فلما ذهب لمستشفى خاص أجريت العملية فوراً وبنجاح، مع أن الشريان المقصود في العملية انفجر قبل بدء العملية بثلاث دقائق، يعني لولا لُطُف ألله كان الزلمة فَلْسَعْ، وبدناش نحكي عن العبد الفقير اللي أجريت لَزُوجْتُه عملية كبرى وكل ما يطلبوا دوا لازم يروح يشتريه من صيدليات خارجيهْ، وفيكوا تتخيلوا أسعار الأدوية اللي بيطلبوها بعد كل عملية جراحيهْ، يعني أصبح المواطن خاضع لعملية جيب مفتوحْ، وِالقَلِب مجروح من قَلِب مَشفوحْ، فَغَنَّت ليلى مراد فين أيامَك يا حبيبِ الرُّوحْ، وْناس صاروا يغنوا عالبُكَا وِالنُّوحْ، وناس صاروا يْغَنُّوا لَلِّي شَرَّدونا مِن بَعِد ما طَخُّو حَمامِ الدُّوحْ، يا حَسِرتي الدار مْسَكَّرة وِالعين دامْعَه وِالقَلِبْ مجروحْ .
المهم، ظل أبو منصور وأبو مقهور يطاقعوا ابْبَعَضْ، ليل نهار تا خِلِصِ الكلامِ المُفتَرَضْ.
لكن اللي أنقذ الوضع إنو في كل يوم عصراً، يجلس أبو منصور بسريرِهِ حسب تعليمات الطبيب ساعَة واحِدَه حَصْراً. وهو يصِفُ لأبي مقهور ماذا يرى من النافذة العُلْوِيَّهْ، وكان كل منهما ينتظر هذه الساعة بفارغ الصبر والإرادَوِيَّهْ، لأنها الشيء الوحيد الذي يفرج كربهم ويملأ حياتهم المملة اليائسة بالحيوية. ثم أخذ يسرد لصديقه يومياً ماذا يرى عبر النافذة بِرَوِيَّهْ: حديقةٌ كبيرة تضج وتَعُج بالأطفال والأهالي الذين خرجوا للفسحة والترويح عن النفس، والأطفال يتقافزون في المسبح يلاحقون البط والإوَزْ، وآخرون يسيرون المراكب التي صنعوها من الورق ويلاحقون مخلفات الأشياء الطائشة على سطح البحيرة، ومنظر الرجل الذي يؤجر المراكب للناس المتنزهين في البحيرة وهم يجوبون أرجاء البحيرة فرحين يغنون ويرقصون على المراكب، وكذلك السيدات المتأنقات وهنَّ يتأبطن أذرع الرجال يتمشون حول البحيرة وأطفالهم من حولهم يلهون ويلعبون بأشيائهم، بينما آخرون جلسوا تحت الأشجار الوارفة الظلال يتأملون المناظر البديعة والطبيعة الخلابة، تحت قبة السماء بزرقتها الصافية.
نعم كان يرسم لصديقه كل يوم لوحةً كاملة في حياة وحياةً كامِلةً بِلَوحَهْ.
وكم كانت سعادة العجوز النائم قسراً على ظهره، وهو يسمع من صديقهِ الأثيرْ، المجاور له بالسريرْ، ذلك الوصف الدقيق الرائع، لجمال الحياة خارج نافذة المستشفى، ثم ما يلبث أن يُسْدِلَ جفنيهْ، بهدوءٍ هادلٍ فوق عينيهْ، ويبدأ بتخيل كل ما سمعهُ من جمالٍ، سواء في وصف الأصواتْ، أم الصور والحركاتْ، التي تتراءى له وكأنما يراها في العين حقيقة، وتتسامَع لهُ الأصوات الموصوفة فيسمعها وكأنما في الأذْنِ حقيقة. فلما كان يصف له في أحد الأيام عرضاً عسكرياً ضخماً مَهُولْ، وفرق كشافَة مع مارشات عسكرية وطُبولْ، مع أنه لم يسمع أية أصوات لموسيقى ولا مرشاتْ، إلاَّ أنه كان يسمعها بدقةٍ متناهية بعيني عقلهِ وقلبِهِ العامرة بالإرادة والحياةْ، فاستمتع بها صوتاً وصورهْ، وكأنما يجلس بمشاهدتها من مقصورَهْ، فيصدق بأذنيه السمع عن الأصلِ والصورهْ، إنها طبيعة الأشياء ومقومات الضرورَهْ (على شان هيك غنت صباح عالصورة امْضيلي عالصورَهْ، وْغنت أم كلثوم، أكذب فيك كل الناسِ قلبي، وأسمع فيك كل الناسِ أذني، وبعدين هالايام اللي بيشوفوا بقلوبْهُم وْذينيهُم وْبِسمَعوا بِعيونهم وْبِيْشوفوا بْذينيهُم بس هم الصادقينْ، وْمش بالصدفِه الناس لما بتوصف واحد واقِعْ بِمَطَبْ على بُوزو بيقولوا عنو إنو أعمى القَلِبْ مْفَتْحِ العِنينْ، وْلما بِدْعُوا عَ واحَد بيقولولو العَمَى بِقَلْبَكْ يا بْعيد، وْبيقولوا عينك كريمِه مع إنها في الحقيقة عورَهْ، يعني كل شي مْشَقْلَبْ، وِالكُل مِتْخوزِق وْميخِذ بالدنيا مَقْلَبْ).
قضى كلا العجوزين أياماً جميلة ممتعَة، نجحوا خلالها بتمزيق اليأس والمَلَل، وسَعدوا أيما سعادةْ، لكن لأنو الزين عُمْرُو ما كِمِلْ، والأوقات الجميلَة سرعان ما تنقضي بلمح البَصَرْ، دخلت الممرضة كعادتها غرفة المريضيْن الحبيسينْ، لتجد أبو مسرورْ الذي كان سريره بجانب النافذة قد فارق الحياة، واضعاً حداًّ لسعادة صديقه الآخر المنتظر عل دكة الموت المحتوم( مش عارف إذا كان استخدامنا لمصطلح الطرف الآخر في إشارة لإسرائيل له علاقَة بذات المقاربة بهذه الحقائق المدرجة آنفاً، وهل غيابنا عنه يضع حداًّ لسعادتهِ بلقائنا والتفاوض معنا، أم يزيده نكداً عدم غيابنا. يعني، دارَت الأيام وْمرَّت الأيام، وْهل الفجرِ بعد الهَجْر، بِلونو الوردي بِيْصَبَّح، وْنور الصُّبح صَحَّى الفَرح وقال للحُب قوم افْرَحْ. طبعاً ما عدا عندنا الأمور معكوسِه، وِالناسْ مَوكوسِهْ، الخَصِم بيتْغَنى بالسلامْ، مع إنوا مْسَخِمنا بِسْخام، بِخُطَط لئيمِه وْمَدروسِهْ، تا يْخَلينا انظَل حايسين ابْحُوسِهْ).
اكتأبَ أبو مَقهور بينما كان يسترق السَّمعَ والممرضة تطلب عبر الهاتِف المساعَدَهْ، لنقل جثَّة أبو منصور الهامِدَهْ، وعَرف أنَّه كان يتحدث طوال الليل مع جثة صديقهِ البارِدَهْ، من دون جَدوى ولا فائِدَهْ. يعني أبو مقهور ناشِف ريقوا مْنِ السَّهَرْ، وأبومنصور كايِن لا حِسّْ ولا خَبَرْ، وأطلَق لصوتِه العنان يغني من الضَّجَرْ، لَبِستُ ثوبَ العَيْشِ لَم أسْتَشَر، وَحِرْتُ فيهِ بينَ شَتَّى الفِكَرْ، وسَوفَ أنْضُ الثوبَ عني ولَم أدرِك لماذا جِئْتُ أينَ المَفَرْ، فما أطالَ النوم عُمراٍ ولا قَصَّرَ في الأعمارِ طولِ السَّهَرْ.
عندها، طلب أبو مقهور من الممرضَة، نَقلَهُ بجانب النافذَةِ المُبْغِضَهْ . وانتصبت أمامه الذكريات والحقيقة بوقاحَهْ. فَصُعِقَ عندما عرف أن أبو منصور لم يكن يرى كان أعمى البَصَرْ، أخذ ينْشِد متذكراً قول الشاعر المُعتَبَرْ، يا أمُّ ما شكل السماء وما الضياء وما القَمَرْ، بجمالها تتحدثون ولا أرى منها الأثَرْ، يا أمي مدي لي يديكِ عسى يزايلني الضَّجَرْ، الله يلطُفُ بي ويصرفُ ما أقاسي من كَدَرْ. وِدْموعو طولوا وِيغني، ما اقْدَر وِالنبي اوَدَّعَكْ، خُذني يا حبيبي مَعَكْ، مثل الظل أنا بَتْبَعَكْ، حتى لَو طِلِعتِ القَمَرْ يا روحي بَلاشِ السَّفَرْ. إشي بِيْقَطْعِ القَلِبْ وْبِيْفِتِّ الحَجَرْ، وَلكُم افهموا يا ناس اسمعوا يا بَشَرْ.
وهنا، قرر أن يتحامَلَ على نفسِهِ، مستعيناً بإرادتِهِ وإيمانِهِ وبأسِهِ، ليجلِسَ وَسْطَ آلامِهِ في السريرِ على فَقْدِهِ، وببُطءٍ شَديدٍ استدارَ الى النافذَةِ لِيرى بِاُمِّ عَيْنِهِ، فرأى جداراً أصَم قد سَدَّ الفضاءَ والخارجِ عن وَجْهِهِ، فَتَعجَّب أبو مقهورْ مما فَعلَ الصديق قبلَ وفاتِهِ، وتعجبت الممرضة أكثر من اندهاشِهِ وردِّهِ.
فلما قصَّ عليها ما كان يروي ويَصِف لهُ صاحبَهُ، مما كان يرى عبر النافذَةِ وهو يُداعِبَهْ، من أحداثٍ مُسلياتٍ وجمال الماء والخضراء والهَوى العليلُ يُصاحبَهْ. أسقطت الممرضة في يَدَيْها، وأرتِجَ عليها بلسانها وشَفَتَيْها، وبعد أن تَأْتَأَتْ ومأْمَأَتْ قائلةً لهُ ولمن حوالَيْها: لكن المتوفى كان رجلا أعمى، فلم يكن يرى حتى هذا الجدارِ الأصَمْ، ولا قاصٍ ولا دانٍ ولا مُهِمَّ ولا أهَمْ، فكنتَ السعيدَ والمُسْعِدِ لكن الحب هو الأهَمْ. ولربما أراد أن يجعل حياتَكْ سعيدِهْ، في فترة مرضكَ المديدِهْ، وْكونَك فقير من أبناء الثورَة المجيدِهْ، كحيان وْطَفرانْ عالحديدِهْ.
مفارقات عجيبة وعجائب غريبة، أبو منصور الأعمى وضع الراحة في قلب إنسان يائس دون أن يعرفه أو يراهْ، فقضى نحبهُ مخلفاً أبو مقهور المبصِر يعيش آلامَهُ دهراً وراهْ. هي صور ومآس وأفراح من صنع البشَرْ، والمسألة بالمفيد المختصَرْ، أن ثمة خذلانا في الحياة لا يغتَفَرْ، وجحودا لا يقوى عليهِ بَشَرْ، نعم، فمن لا يحب صعود الجبال، يعش أبد الدهرِ بين الحُفَرْ ، فما أطال النوم عُمراً ولا قصر في الأعمار طولُ السَّهَرْ، إفهموا يا عالم إفهموا يا بَجَم إفهموا يا بقَرْ. لماذا تستعجلون الرحيلْ، حيَّرتموني وحارَ معي الدليلْ، أصْبُروا عالميت تا تطلع روحوا، ضاعَ الأمان والوفاءُ بانقراضٍ جيلاً بعد جيلْ، فالمالُ والسلطان هو اختبار المعدنِ الأصيلْ. وعلى راي إمي ابْنِسْتاهَل اللي بيصير فينا وِبْحَقْنا قَليلْ.
تُرى، لماذا العالَم بلا حُبٍّ ولا وفاءَ ولا كَرَمْ، مع الغني ولا الفقيرِ ولا الطويلِ ولا القَزَمْ، اللصُّ باغٍ والجَهْلُ طاغٍ والبريءُ مُتَّهَمْ، لماذا الكُرْهُ والجُحودُ يعُمُّ أرجاءَ البلادَ والأمَمْ، لماذا النَّفْخُ وهذا الطَّفْحُ ونحن من حمَلَ الصليبَ معَ الألَمْ، لماذا نفتقد الشموخَ والزُّهُوَّ ما بين عرب أو عجَمْ، فنحن من صنعوا مجدَ الحياةَ من رحمِ العَدَمْ، ونحن من أقْرى الضيوفَ وألبَسَ المحتاجَ من الرأسِ حتى القَدَمْ، ونحن من نَصَرَ المظْلومَ ومن رفعوا لواء العلم والقرطاسَ والقَلَمْ، نعم قد يستَوِي الأعمى مع البصير وعِنْد الحقّ للمظلومِ، مع الظالِم لا يستوي دَمٌ بِدَمْ.

[email protected]

التعليقات