بين الجلاد والضحية .. كانت باريس الاقتصادية
بقلم : أمين فايق أبو عيشة استاذ الاقتصاد والمحلل المالي
منذ صغري وأكثر ما يقلقني هو لماذا لم يكن لنا وطناً ودولة ؟ ولماذا لم ننشئ اقتصاداً مستقلاً ؟ كنت دائماً أتساءل من هو السبب ومن هو المسبب ؟ كِبرت بعدها بسنوات ودخلت كلية التجارة وتخصصت بالاقتصاد ؟ كنت دائماً أسال أستاذي لماذا وقعنا اتفاقية باريس الاقتصادية وقبل أمها أوسلو ... ؟ لم أكن أتلقي جواباً علمياً ولا حتى فنياً ؟! فكلما طرحت هذا السؤال أجابني أستاذي الفاضل .. القصة طويلة يا بني ؟!... لا تُضيع المحاضرة .!.. ظل هذا السؤال عالقاً في تفكيري حتى وقعت بين يدي هذه الاتفاقية " القصة "، وبداية الحكاية كانت قبل اثنان وعشرون عاماً حيث اعتمدت هذه الاتفاقية على دراسة لجامعة هارفارد قد أعدت في العام 1992م تحت عنوان " مشروع اقتصاد السلام " حيث أيدت ودعمت هذه الدراسة العديد من المشروعات الإقليمية التي كانت مثار جدل على مدى العقدين الماضيين ، المتمثلة في إنشاء صندوق الشرق الأوسط للتنمية ، الاستغلال المشترك لثروات البحر الميت ، قناة البحر المتوسط – البحر الميت ، قناة البحرين ( المتوسط – والميت ) ، تحليه المياه ، لقد كانت هذه الديباجات هي الاتفاقية المستقبلية " برتوكول باريس الاقتصادي " الذي وقع في 29/4/1994م بين اقتصاد يتبع دولة قوية .. من يعيش فيها يمتلك دخلاً عالياً ، وبين اقتصاد ضعيف مرتبط ومعتمد اعتماداً وثيقاً على الأول ، وميزاناً سياسياً يميل دوماً لصالح إسرائيل بشكل تام ومتكامل ، فقد كان ممثلاً عن الجانب الفلسطيني كلاً من ماهر المصري و أحمد قريع وغيرهم وعن الجانب الصهيوني "العبقري " ابرهام شوحط وزير المالية السابق لقد نظم بروتوكول باريس الاقتصادي العلاقات الاقتصادية في أربعة قطاعات : هي العمل، والعلاقات التجارية ، والمسائل المالية ، والترتيبات النقدية ، بموجب ذلك يطلب اتفاق باريس أن تكون حركة العمل بين الضفة الغربية وقطاع غزة وإسرائيل هي الوضع الطبيعي السائد ، لكنه يترك " حجم وظروف حركة العمالة إلى مناطقه " وإذا قام أي جانب بتعليق مؤقّت للحركة الطبيعية ، فسيبلّغ الجانب الآخر على الفور". هذا ما حدث لكن بالمقلوب حين أغلقت إسرائيل معبر ايرز والمنطقة الصناعية وضمت حوالي 120 ألف عامل لجيش البطالة في قطاع غزة وأبقت على حوالي 105 ألف عامل من الضفة الغربية يعملون في الداخل المحتل والمستوطنات ، و أما بالنسبة للعلاقات التجارية ، نص بروتوكول باريس على تبادل البضائع الفلسطينية والإسرائيلية بين الجانبين بلا رسوم أو جمارك ، وبالنسبة للسياسات التي تحكم الاستيراد من أطراف ثالثة ، ينص بروتوكول باريس على أن يتم استخدام نظام التجارة الخارجية وسياسة الاستيراد في إسرائيل كبرنامج لنظام التجارة الخارجية وسياسة الاستيراد في فلسطين وهي نسبة 75% على قيمة المشتريات ( أي لا تستطيع السلطة الفلسطينية فرض رسوم وجبايات أخرى أقل من تلك التي تفرضها إسرائيل ) ، وفي الجانب المالي تجبي وتحصل إسرائيل سنويا ما قيمته 1.5 مليار دولار مقابل استقطاع حوالي 3% كمصاريف ونفقات جباية للمالية الصهيونية وهي ما تسمي مجازاً أموال " المقاصة الضريبية أو عوائد المقاصة "وهو ما سيرفع الأسعار ويولد التضخم والحرمان رغم أن متوسط دخل المواطن الصهيوني هو أربعة أضعاف دخل المواطن الفلسطيني ، فمثلاً البترول يباع للسلطة ولا يجوز خفض أسعاره حتي ولو بالمدى 1% ، حتى لا يتحول الإسرائيليون إلى شراء هذه المشتقات من السوق الفلسطينية ويباع للمواطن بسعر هو ضعف شراءه وبنفس سعر بيعه في السوق الصهيوني وهو ما يولد تضخماً متزايداً ، ورغم نص الاتفاقية على معاملة إسرائيل بالمثل للمستوردين الفلسطينيين والإسرائيليين ، فإنها لا تطبق التعامل بالمثل ,وفي مجال الترتيبات النقدية نجد أن إسرائيل منعت السلطة الفلسطينية من إصدار عملة نقدية فلسطينية (وهذا ما ثبته البروتوكول) ، في الوقت الذي فرضت فيه إبقاء العملة الإسرائيلية (الشيكل) متداولاً في الأسواق الفلسطينية ، وهذا ما سيؤثر على مستويات الأسعار في المناطق الفلسطينية ، ذلك أن الشيكل معرض دوماً للارتفاع أو التراجع ، الأمر الذي يؤثر في الاقتصاد الفلسطيني بطريقة سلبية من خلال حرمانه لريع الإصدار النقدي للعملة الوطنية " السينوريج " ، ويعمل على ربط هذا الاقتصاد الهش والمبتدئ بالاقتصاد الإسرائيلي ، البروتوكول نص أيضاً على اعتماد قيمة ضريبة الشراء نفسها في الأسواق الإسرائيلية والفلسطينية، مع العلم أنها تبلغ الآن 18% في إسرائيل الهدف منها حماية صناعاتها المحلية ، وفي الختام أقول أن الاتفاق يعتبر بين طرف سيد وطرف آخر تابع ، وقد حدد سقفه التفاوضي سلفاً من قبل المفاوض السياسي ، وهو لن يحقق أياً من المطالب الفلسطينية الاقتصادية تحت كل الظروف ، فقواعده الأساسية ستبقى طالما بقيت حالة عدم التوازن والهيمنة والتفرد الداعم لإسرائيل، وطالما بقي الضعف والضياع العربي مخيماً على المنطقة ، فإلي متى سيبقي الضحية يرتاد على أعتاب الجلاد .. أم أن الذكرى ستظل تعيد نفسها بنفسها في عالم نسي الضحية ... . أننا نتطلع أن يعدل أو يلغي برتوكول باريس الاقتصادي ... ففعلياً مضت مدة صلاحيته الخمس سنوات عند توقيعه ...وأن يكون وراء ذلك قول وفعل!.... وألا تظل باريس الاقتصادية تبيع الوهم للناس ...فهل من مستجيب!.؟ ..
دمتم بعز ،،،
منذ صغري وأكثر ما يقلقني هو لماذا لم يكن لنا وطناً ودولة ؟ ولماذا لم ننشئ اقتصاداً مستقلاً ؟ كنت دائماً أتساءل من هو السبب ومن هو المسبب ؟ كِبرت بعدها بسنوات ودخلت كلية التجارة وتخصصت بالاقتصاد ؟ كنت دائماً أسال أستاذي لماذا وقعنا اتفاقية باريس الاقتصادية وقبل أمها أوسلو ... ؟ لم أكن أتلقي جواباً علمياً ولا حتى فنياً ؟! فكلما طرحت هذا السؤال أجابني أستاذي الفاضل .. القصة طويلة يا بني ؟!... لا تُضيع المحاضرة .!.. ظل هذا السؤال عالقاً في تفكيري حتى وقعت بين يدي هذه الاتفاقية " القصة "، وبداية الحكاية كانت قبل اثنان وعشرون عاماً حيث اعتمدت هذه الاتفاقية على دراسة لجامعة هارفارد قد أعدت في العام 1992م تحت عنوان " مشروع اقتصاد السلام " حيث أيدت ودعمت هذه الدراسة العديد من المشروعات الإقليمية التي كانت مثار جدل على مدى العقدين الماضيين ، المتمثلة في إنشاء صندوق الشرق الأوسط للتنمية ، الاستغلال المشترك لثروات البحر الميت ، قناة البحر المتوسط – البحر الميت ، قناة البحرين ( المتوسط – والميت ) ، تحليه المياه ، لقد كانت هذه الديباجات هي الاتفاقية المستقبلية " برتوكول باريس الاقتصادي " الذي وقع في 29/4/1994م بين اقتصاد يتبع دولة قوية .. من يعيش فيها يمتلك دخلاً عالياً ، وبين اقتصاد ضعيف مرتبط ومعتمد اعتماداً وثيقاً على الأول ، وميزاناً سياسياً يميل دوماً لصالح إسرائيل بشكل تام ومتكامل ، فقد كان ممثلاً عن الجانب الفلسطيني كلاً من ماهر المصري و أحمد قريع وغيرهم وعن الجانب الصهيوني "العبقري " ابرهام شوحط وزير المالية السابق لقد نظم بروتوكول باريس الاقتصادي العلاقات الاقتصادية في أربعة قطاعات : هي العمل، والعلاقات التجارية ، والمسائل المالية ، والترتيبات النقدية ، بموجب ذلك يطلب اتفاق باريس أن تكون حركة العمل بين الضفة الغربية وقطاع غزة وإسرائيل هي الوضع الطبيعي السائد ، لكنه يترك " حجم وظروف حركة العمالة إلى مناطقه " وإذا قام أي جانب بتعليق مؤقّت للحركة الطبيعية ، فسيبلّغ الجانب الآخر على الفور". هذا ما حدث لكن بالمقلوب حين أغلقت إسرائيل معبر ايرز والمنطقة الصناعية وضمت حوالي 120 ألف عامل لجيش البطالة في قطاع غزة وأبقت على حوالي 105 ألف عامل من الضفة الغربية يعملون في الداخل المحتل والمستوطنات ، و أما بالنسبة للعلاقات التجارية ، نص بروتوكول باريس على تبادل البضائع الفلسطينية والإسرائيلية بين الجانبين بلا رسوم أو جمارك ، وبالنسبة للسياسات التي تحكم الاستيراد من أطراف ثالثة ، ينص بروتوكول باريس على أن يتم استخدام نظام التجارة الخارجية وسياسة الاستيراد في إسرائيل كبرنامج لنظام التجارة الخارجية وسياسة الاستيراد في فلسطين وهي نسبة 75% على قيمة المشتريات ( أي لا تستطيع السلطة الفلسطينية فرض رسوم وجبايات أخرى أقل من تلك التي تفرضها إسرائيل ) ، وفي الجانب المالي تجبي وتحصل إسرائيل سنويا ما قيمته 1.5 مليار دولار مقابل استقطاع حوالي 3% كمصاريف ونفقات جباية للمالية الصهيونية وهي ما تسمي مجازاً أموال " المقاصة الضريبية أو عوائد المقاصة "وهو ما سيرفع الأسعار ويولد التضخم والحرمان رغم أن متوسط دخل المواطن الصهيوني هو أربعة أضعاف دخل المواطن الفلسطيني ، فمثلاً البترول يباع للسلطة ولا يجوز خفض أسعاره حتي ولو بالمدى 1% ، حتى لا يتحول الإسرائيليون إلى شراء هذه المشتقات من السوق الفلسطينية ويباع للمواطن بسعر هو ضعف شراءه وبنفس سعر بيعه في السوق الصهيوني وهو ما يولد تضخماً متزايداً ، ورغم نص الاتفاقية على معاملة إسرائيل بالمثل للمستوردين الفلسطينيين والإسرائيليين ، فإنها لا تطبق التعامل بالمثل ,وفي مجال الترتيبات النقدية نجد أن إسرائيل منعت السلطة الفلسطينية من إصدار عملة نقدية فلسطينية (وهذا ما ثبته البروتوكول) ، في الوقت الذي فرضت فيه إبقاء العملة الإسرائيلية (الشيكل) متداولاً في الأسواق الفلسطينية ، وهذا ما سيؤثر على مستويات الأسعار في المناطق الفلسطينية ، ذلك أن الشيكل معرض دوماً للارتفاع أو التراجع ، الأمر الذي يؤثر في الاقتصاد الفلسطيني بطريقة سلبية من خلال حرمانه لريع الإصدار النقدي للعملة الوطنية " السينوريج " ، ويعمل على ربط هذا الاقتصاد الهش والمبتدئ بالاقتصاد الإسرائيلي ، البروتوكول نص أيضاً على اعتماد قيمة ضريبة الشراء نفسها في الأسواق الإسرائيلية والفلسطينية، مع العلم أنها تبلغ الآن 18% في إسرائيل الهدف منها حماية صناعاتها المحلية ، وفي الختام أقول أن الاتفاق يعتبر بين طرف سيد وطرف آخر تابع ، وقد حدد سقفه التفاوضي سلفاً من قبل المفاوض السياسي ، وهو لن يحقق أياً من المطالب الفلسطينية الاقتصادية تحت كل الظروف ، فقواعده الأساسية ستبقى طالما بقيت حالة عدم التوازن والهيمنة والتفرد الداعم لإسرائيل، وطالما بقي الضعف والضياع العربي مخيماً على المنطقة ، فإلي متى سيبقي الضحية يرتاد على أعتاب الجلاد .. أم أن الذكرى ستظل تعيد نفسها بنفسها في عالم نسي الضحية ... . أننا نتطلع أن يعدل أو يلغي برتوكول باريس الاقتصادي ... ففعلياً مضت مدة صلاحيته الخمس سنوات عند توقيعه ...وأن يكون وراء ذلك قول وفعل!.... وألا تظل باريس الاقتصادية تبيع الوهم للناس ...فهل من مستجيب!.؟ ..
دمتم بعز ،،،

التعليقات