ماذا خُطِطَ لتركيا

ماذا خُطِطَ لتركيا
أمامة عكوش - صحفي سوري - دمشق

من غير المفاجئ لدى البعض أن يفوز "حزب أردوغان" - كما بات يطلق عليه مؤخراً - في الانتخابات البلدية التركية ، بعد أن كانت تسميته حزب العدالة والتنمية وهذا واضح بحسب معظم وسائل الإعلام حول العالم بما فيها وسائل إعلام تركية "ليست بالقليلة" ، ولكن هذا الفوز بالنسبة لآخرين غير منطقي على اعتبار أن حكومة أردوغان وحزبه يتعرضون ومنذ شهور لهجمة انتقادات واسعة وصلت إلى المطالبة بإسقاط الحكومة التركية ، هجمات لم يسبق لها مثيل من أحزاب معارضة ومن شريحة جماهيرية واسعة من الشعب التركي بمختلف انتماءاته الحزبية والأيديولوجية .
ليس موضوع طرحنا هنا النسب المئوية التي حصدها حزب أردوغان في هذه المدينة التركية أو تلك ، وليس موضوعنا أيضاً الحلم الذي كان يسعى إليه أردوغان ومن معه من تحقيق ما لم يستطعه منذ توليه سدة الحكم فيما يسمى معقل العلمانيين في تركية "إزمير" وعدم إمكانيته من تحقيق ذلك ، إضافة إلى حلمه بأن لا تؤول إليه النسب التي حصدها في العاصمة السياسية التركية أنقرة إلى ما آلت إليه ، إذ حقق فيها معارضوه نصف الأصوات التي حققها هو + 1% تقريباً لهم .
إذاً .. أهم المناطق التي أوصلت أردوغان إلى النتيجة التي خرجت بها الانتخابات هي العاصمة الاقتصادية إستانبول التي يسميها الشعب التركي دون استثناء بـ"الجزء الغربي من تركيا – تركيا الغرب –" والتي يحلم داعموه وعلى رأسهم هو بانضمام تركيا إلى الحلف الغربي برغبته العارمة التي يسعى خلفها منذ عقد من الزمن وهي الانضواء تحت راية الاتحاد الأوربي وإصرار الجهة الدولية الأخيرة على رفض هذا الانضمام مهما فعلت حكومته من خطوات تؤهلها الانضمام لهم . مما يعني أن استانبول الأكثر علمانية من إزمير لقرب الأولى من الغرب كما يعرف القاصي والداني أكثر من الأخيرة بكثير هي من أوصلت أردوغان لتحقيق الفوز في الانتخابات الأخيرة وهو ما يجعلنا نضع أكثر من إشارة استفهام وتعجب حول هذه الحقيقة المشكوك بها من جهة والمتلاعب بها من جهة أخرى .
فما غيب عن كلمة أردوغان بعد "انتصاره" ومن يشد على إزاره من وسائل إعلام ودول داعمة له "بكل تأكيد لا يهمها استقرار تركيا" ، بل العكس تماماً فالغاية الأولى والأخيرة تأجيج الانتقادات الداخلية التركية بغية الوصول بها إلى صراع قد يطول أمده - حين يبدأ - ، وكل المؤشرات تشير إلى ذلك ، ما غُيبَ أن وسائل الاتصال الاجتماعي نشرت العديد من المناشير التي تقول بأن تزويراً في الانتخابات قد حصل وفي أكثر من مدينة ، وأن تلاعباً جرى على أكثر من صعيد لم ينوه إليه أحد ، إضافة إلى تعمد تغييبهم مجتمعين لوسائل شغب حصلت بين مؤيدين له ومعارضين أثناء عملية الاقتراع راح ضحيتها ثمانية ضحايا وعشرات الجرحى .
وهنا بعض مما تداوله بعض رواد المواقع الاجتماعية والنشطاء الحقوقيين لحالات تشير إلى عدم سير العملية الانتخابية بالنزاهة التي وصفوها بـ"النزيهة" ، إذ نشر أحد الحسابات التي تهتم بالسياسة والحقوق القانونية «سوشيال بورت» صورة لبعض استمارات الاقتراع المحترقة ، معلقا أن «بعض التقارير تثبت أن حزب إردوغان قام بتدمير وحرق عدد من استمارات المنافسين" . وفي سياق متصل نشرت المخرجة الهولندية «ديفيَن إياس» على حسابها الشخصي على موقع «تويتر» صورة لعمليات فرز على ضوء الشموع، معلقة أنه "قد تم التبليغ عن انقطاع الكهرباء في 45 مدينة تركية ، تزامنا مع بدأ عمليات الفرز" .

في ظل كل هذا لم يأتِ أحد على ذكر أن "قضية مرمرة" السفينة التركية التي اعتدي عليها من قبل "الكيان الصهيوني" قبل أعوام وقضى من الضحايا وقتها من قضى "رحمهم الله" ، فلم ترى تلك القضية النور حول ما "قيل أنه خلاف تركي مع الكيان الصهيوني بسببها" استمر لسنوات على خلفية الاعتداء السافر ، ليُحَلَّ قبل أيام قليلة من عملية التصويت على الانتخابات البلدية التركية ، وهو الأمر الذي لا يختلف عليه عاقلان أنه خدم حزب أردوغان باعتبار أنه حُلَّ كما كان يريد ويطالب هو وحزبه "أو هكذا أشيع" ، فهذا كله إن كان لا يعني أي أحد خارج الحدود التركية "وهو ليس كذلك" ، إلا أنه يعني وبشكل مباشر الشعب التركي ويؤثر بطريقة أو بأخرى في نتيجة صناديق الاقتراع البلدية وحتى أي انتخابات أخرى ، وهو الأمر الذي ركزت عليه كثيراً وسائل الإعلام الحكومية من جهة والمؤيدة لإردوغان وحزبه من جهة أخرى ، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا "لماذا لم ترى قضية مرمرة المزعومة حلاً قبل هذا التاريخ - وهي التي وصل عمرها لسنوات - !؟" .

ليس ببعيدٍ عن الطرح السابق وإن كان لا يشبهه كثيراً ولكنه يصبُّ في ذات الخانة ، ففي ذات التوقيت الذي كانت تنشر فيه وسائل الإعلام التركية الحكومية والمؤيدة لأردوغان " رضوخ الكيان الصهيوني لرغبة أردوغان في قضية مرمرة" ، كانت تبث وسائل إعلام تركية معارضة وأخرى عربية وعالمية خبراً مفاده منع تركيا لخدمة يوتيوب في أعقاب تسريب ملفات صوتية مسربة لاجتماع أمني يناقش خطة للتحايل بغية عمل عسكري في سوريا ، بعد أن حجبت قبل ذلك بأسابيع ثلاثة خدمة توتير والانتظار من المحكمة الدستورية العليا التركية لنقد قرار الحجب والطلب بالعدول عن القرار إلى أن انقضت فترة الانتخابات وفوز حزب أردوغان" لأنه يحد من - الحريات العامة والشخصية - كما قالت في قرارها الذي صدر "بعد يومين على إعلان نتيجة الانتخابات!.." ، ولكن "يبدو أنه لم يكن كذلك من وجهة نظرها قبل البدء بالانتخابات!.." .
سُمع في التسجيل أصوات لمسؤولين عسكريين واستخباراتيين أتراك يناقشون خطة لافتعال اشتباك أو قصف صاروخي سوري لجعله حجة لشن رد عسكري تركي ضدها ، ويسمع أيضاً صوت رئيس جهاز الاستخبارات التركية هاكان فيدان قائلاً:" سأرسل 4 رجال لسوريا لعمل ما يلزم ، وخلق سبب للحرب بأوامر قصف صاروخي على تركيا ، أو يمكننا التحضير لهجوم على قصر سليمان شاه - جد مؤسس الإمبراطورية العثمانية في سورية - إذا استدعى الأمر ذلك" ، كما وأكد كلاً من وزير الخارجية التركي داوود أوغلو ونائب رئيس الأركان التركي الذين كانا حاضرين الاجتماع حدوث هذا اللقاء الأمني السري في حديثهما للصحافة وفقا لعدد من الصحف التركية بالقول:"لا نعرف من يخدم تسريب اجتماع كهذا ، وهو مساس بالأمن القومي" ، وقال وزير الدفاع التركي عصمت يلماز "إن التنصت على اجتماع أمني سري يعتبر عملية تجسس ضد الدولة" .
أثار التسريب حفيظة أردوغان الذي انتقد خصومه بشدة لقيامهم بهذا التسريب ونقلت وكالة الأناضول قوله :" هذا عمل غير أخلاقي ، وخسيس ، وانحطاط ، وانعدام للشرف .. متسائلاً: لصالح من يتم التنصت على اجتماع هام للغاية وتسريب مضمونه؟". ولأول مرة بعد شهور خرج الرئيس التركي عبد الله غل عن صمته الذي بات يعتبر مؤخراً حكيم الدبلوماسية التركية واعتبر ما جرى "خيانة عظمى لتركية وتمس بالأمن القومي التركي" .
كل الاتهامات حول بث هذا التسجيل وتسريبه لوسائل الإعلام أشارت بشكل مباشر أو غير مباشر إلى فتح الله غولن الحليف السابق والشريك التاريخي لأردوغان ، والحليف الحالي لأمريكا والقاطن فيها "العدو اللدود الحالي لصديق وشريك الأمس" ، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو ما الذي يفيد تسريب مثل هكذا تسجيل سري والأخطر من كل التسريبات التي سبقته من غولن إن كان فعلاً هو من قام به ضد أردوغان في التوقيت الذي سُرِّبَ به؟ .. ليس هذا التسريب إلا خدمة لأردوغان وحزبه بطريقة أو بأخرى ، المراد منها أولاً وأخيراً التفاف الشعب التركي حول بعضه وحكومته كي "لا يُمسَّ أمنهم القومي" كما رُدِّدَ على أكثر من لسان بمن فيهم بعض القادة في صفوف المعارضة .
"فوز" وتزوير وحالة من عدم الاستقرار وانتقادات شديدة وتظاهرات وضحايا من جهة ، مرمرة وحجب وسائل التواصل الاجتماعي وتحرك المحكمة الدستورية العليا التركية لنقد قرار الحجب والطلب بـ"العدول عن القرار بعد انقضاء فترة الانتخابات" والتسريبات وأخطرها وأشهرها آخرها الذي أخرج غُل عن صمته وقال حوله ما قال ، وكل المعنيين به صرّحوا جراءه بما صرحوا وصولاً لرأسهم أردوغان معتبراً كما اعتبر مَن قبله ومَن معه وكلهم أكدوا على أنه "مساس بالأمن القومي التركي" من جهة أخرى ، كل هذا صبَّ في مصلحة أردوغان وحزبه دون أن يدرك العديد من الشعب والعديد من وسائل الإعلام ذلك ودون أن يأتي أحد على ذكره ، ولكن كل هذا لا يعني تحقيق طموح من أُريدَ له أن ينتصر في الانتخابات البلدية والذي يردد منذ عقد من الزمن وحتى الآن بإعادة أمجاد أجداده العثمانيين من خلاله وهو شيء محال حصوله لأنه ليس من مصلحة أية دولة من العظمى ومن الإقليمية القوية والعربية .
إذاً .. ماذا يُراد لتركيا وشعبها من كل ما خُططَ له وتمَّ كما أُريدَ فعلاً " أو هكذا يبدو حتى اللحظة؟" ، هل أُريدَ من صناع القرار الدولي أن لا يجري التغيير في تركيا بالوسائل "الديمقراطية المدنية السلمية" ضد آخر معاقل الإسلام السياسي لدولة جمهورية في العالم – تركيا -؟" ، - لا نتمنى ذلك "للشعب التركي" ، ولكنه يبدو ما يُرادُ فعلاً في المرحلة المقبلة بغية المزيد من الزعزعة وعدم الاستقرار ونشر الفوضى "غير الخلاقة" في منطقة لم تهدأ ، ولا يبدو أنها ستهدأ قريباً ، ولكن هذه المرة في الداخل التركي وعبر بوابتها بشكل يبدو خطيراً للغاية وغير مسبوق .. - للأسف - .

التعليقات