حماس بين نموذج حزب الله الناجح والسودان الفاشل
كتب غازي مرتجى
سألتها عن تعامل الإعلام المصري المُجحف بحق قطاع غزة , فأجابت بأنّ المصريين يفرقّون بين المواطنين الغزيّين وحماس وحزب الله ..هذا الحديث كان جزءاً من لقاء كنت قد أجريته ولم أنشره بالطبع مع أمين عام أحد الأحزاب المصرية .. ونائب أمين عام شبكة عربية معروفة .. حال "النُخبة" المصريّة الطارئة والتي ظهرت بعد ثورة يناير تكشف حجم الهوّة بين الثقافة ومن يمتطيها هناك ..أمينة عام "الحزب" مُقتنعة تماماً بأنّ حزب الله متواجد في غزة مع حماس وليس في لبنان .. ومن منظور آخر وفي حال حاولنا "فبركة" تفكيرها وتطويعه ليُصبح نظرية سياسية ستجد ما يُقنع ..
كيف ..؟
حماس وبعد ذهابها نحو انهاء الانقسام واقامة حكومة وفاق وطني مُشكلة من التكنوقراط بدأت تفكر بـ"نموذج حزب الله" الناجح والابتعاد عن نموذج "السودان" الفاشل .
نموذج السودان أودى بدولة السودان إلى دولتين , واكتفى "البشير" بدويلة في الشمال لا بترول فيها ولا زرع إلا ما رحم ربي .. وبدلاً من أن تصبح السودان "سلّة غذاء" فعلية للوطن العربي أصبحت "سلة مهملات" برئيس ممنوع من السفر ومطلوب للمحكمة العالمية واحتلّ "الجنوب" ميليشيات وجدت في نظام الحكم "المهتريء" سبباً للخروج ضده وتشكيل تحالفات دولية تؤدي في النهاية الى الانفصال التام عن السودان العربي ويُسيطر المنشقّون على خيرات السودان البترولية التي لم يستغلها نظام حكم "البشير" الاخواني لصالح المواطن بل بقيت السودان كما هي وأصبح يُضرب بهم مثلاً في الفقر والكسل معا ً !
اما نموذج حزب الله الذي أسّس كياناً يخصه بجنوب البلد الصغير لكنه لم ينفصل عن دولته التي بامكاناته وسلاحه وعتاده وذخيرته يستطيع السيطرة عليها خلال دقائق خمسة وأجرى تجربة ناجحة لمدة 12 ساعة فقط عندما سيطر على بيروت قبل سنوات .. ما لبث ان عاد الى ثكناته وكيانه مُرسلاً برسالة شديدة اللهجة لكافة الأطراف اللبنانية .
كيان حزب الله مُسيطر فعلياً على القرارات اللبنانية العليا , فلا يُمكن تعيين رئيس لبناني دون موافقته وليس بامكان اي طرف لبناني اتخاذ اي قرار دون استشارة الحزب , ولا يُمكن لأي وزير هناك اللعب بذيله إلا بـ"رضا" حزب الله .. ولا يجوز لأي طرف لبناني الحديث أمام العالم إلا بـ"بركات" حزب الله ..
"حزب الله" بامكانه السيطرة على عدد مقاعد في مجلس النوّاب اللبناني -خاصة قبل الاحداث السوريّة- لكنه اكتفى بما تم الاتفاق عليه في "الطائف" ولم يتلاعب ولم يُسل لعابه "انتصار تموز" أو "الالتفاف الشعبي" حوله .. بل استمرّ على هوينه وديدنه بأن يكون "بيضة القبّان" ويحاول كسب ودّه أطراف لبنانية متصارعة بينها تاريخياً .
حركة حماس شاركت في الانتخابات التشريعية 2006 وفازت باغلبية كانت متوقعّة لكن ليس بالقدر الذي حازت عليه الحركة , وشكلّت الحكومة الأولى فواجهت حصاراً شديدا ً.. ولم يمض عام ونصف وإذ بأحداث الانقسام الدموية فتسيطر حركة حماس صاحبة الثقل العسكري على قطاع غزة ويبدأ مسلسل الانقسام الفلسطيني الذي انتهى مؤخراً في منزل "اسماعيل هنية" .
عدد كبير من مناصري حماس يتمنّون عدم مشاركتها في انتخابات الرئاسة ويُصرّون على مشاركتها في البرلمان والمجلس الوطني وعيونهم شاخصة أمام نموذج حزب الله ..
مهمة حماس في اي برلمان يجب ان تكون كما حزب الله , فالقرار الفلسطيني لا يُمكن اعتماده وتمريره سوى بموافقة حمساوية ولا يمكن الغوص في اي تفاصيل دون استشارة حماس و"رضاها" .. فالقرار الوطني لا يُمكن اختزاله في حزب واحد او تنظيم واحد ..
نموذج حزب الله قائم ولا يُمكن لأي طرف إقليمي أو دولي تحميل "الحزب" مسؤوليات مواطني الدولة اللبنانية وفي نفس السياق لا يُمكن تجاهلهم .
السعودية من الدول التي وضعت "حزب الله" بمؤسسات العسكرية والسياسية والمدنية .. الخ ضمن قوائم الارهاب , لكنها في المقابل تُقدّم "المليارات" للدولة اللبنانية ويستفيد من تلك المليارات حزب الله مع اللبنانيين .
الحالة الاقليمية والدولية لا تُبشّر بانفراجة تجعل من حماس طرفاً يمكن قبوله دولياً دون الأطراف الفلسطينية الأخرى , فدول العالم تعتبر مقاومة المحتل "ارهاباً" ولا يُمكن تغيير تلك النظرة الدولية حتى لو "فرشنا الطريق بالورود والوعود" , فحركة حماس ستبقى منبوذة ما لم تعترف بالشرعية الدولية وقرارات الرباعية والاعتراف باسرائيل كذلك .. لكن فلسطينياً لا يمكن اقصاء حماس عن المشهد السياسي او العسكري , وأرى أن تتخذ الحركة خطوة للخلف وتُعيد قراءة المشهد السياسي الدولي الاقليمي ولتعمل على نموذج حزب الله الناجح بدلاً من تجربة نماذج جديدة قد تُكلّف الفلسطينيين والقضية فصلاً جديداً من المعاناة ..

التعليقات