لا لا تتصالحوا ..!!
بقلم / علاء جواد مرزوق
بات حراك المصالحة الفلسطينية لا يفارق مجالس الناس بين قلة متفائلة وغالبية حذرة من هذا التفاؤل حتى لا تصاب بخيبة أمل تضيف هماً جديداً إلى همومها المتلاحقة التي لم تنقطع منذ أن أصاب الانقسام الجسد الفلسطيني فأصبه بالوهن والهوان, وبات الفلسطيني يشعر بالخجل من نفسه بعد أن كان يتباهى ويفتخر بفلسطينيته أمام العالم أجمع .
ورغم أن بادرة المصالحة هذه لا تختلف كثيرا عن جميع جولات المصالحات السابقة التي بائت جميعها بالفشل من حيث مقدمات الأسباب والظروف، إلا أن هذه المرة الظروف متهيئة لأن تكون هذه الجولة حاسمة لتتكلل بالنجاح وتصيب الانقسام بضربة قاتلة تنهيه للأبد, ولعل هذا الحذر الذي يخيم على الناس من امكانية نجاح هذه الجولة هو أول هذه الدعائم التي من شأنها أن تنهي الانقسام وتحقق المصالحة الوطنية .
في بداية هذا الانقسام واستمراره وتشابك مخرجاته وتعقيداتها أيقن الكثيرين أنه من الصعوبة انهاء هذا الانقسام وبالفعل قد تدفعهم تعقيدات هذا الانقسام لان يتبنوا وجهة النظر هذه, فلقد أصاب الانقسام كل شيء حولهم حتى أصاب حياتهم الشخصية وخصوصياتهم, ولعل اطلاعي على تفاصيل كثيرة لهذا الانقسام من خلال رسالة الماجستير التي احضرها حول الانقسام وأثاره الاجتماعية والسياسية تدفعني لأن أعذرهم في وجهة النظر هذه التي يتبنونها, لكن هذا الوضع الصعب المتعثر الذي أصاب الناس هو من أوجد ثغرة المصالحة والتي يمكن اختراقها والنفاذ منها نحو انهاء هذا الانقسام .
لكن قبل الوصول إلى هذه الثغرة وكيفية اختراقها, من الضروري الوقوف ولو قليلاً على الأثار الكارثية التي أوجدها هذه الانقسام والتي من خلالها سننفذ لإنهائه .
على الصعيد السياسي خدم الانقسام المشروع الاسرائيلي الذي يقوم على تفتيت الكيانية الفلسطينية والتي تقوم على ابتلاع الأرض وتهويد القدس والاستيطان والقرارات العنصرية أخطرها ما باتوا يراوغوننا به وهو ما يسمى " يهودية الدولة ", اضف الى ذلك استفراد اسرائيل بقطاع غزة وجعله منفصلا عن باقي أجزاء الوطن وتجسد خطر ذلك بإعلان اسرائيل قطاع غزة كيان معادٍ واستفردت به في حربين متتاليتين راح ضحيتها الكثير, بالمقابل باتت تراوغ مع الرئيس محمود عباس في مشروع السلام والمفاوضات على أساس خنجر الانقسام المزروع في خاصرة الحالة الفلسطينية برمتها , كما ان خطر الانقسام طال العلاقات الفلسطينية الخارجية من خلال ما بات يشعر به الفلسطيني من تدهور صورته التي انعكست على سلوك دولة عربية مجاورة وغير مجاورة اتجاهه, ناهيك عن تراجع الاهتمام الدولي بالقضية والحقوق الفلسطينية واقتصرت على الاغاثة الانسانية .
ولم تقتصر هذه الأثار الكارثية على الصعيد السياسي والجغرافي بل امتدت لتطال الحياة الاجتماعية للناس, فقد عمل الانقسام على تفتيت النسيج الاجتماعي والترابط الأسري وقطع العلاقات العائلية حتى بات الانتماء الحزبي يغلب رابطة الأخوة والدم, واستشرى الحقد والكراهية ليلمسها الفرقاء في كل تفاصيل حياتهم حتى أن المصاهرة والزواج لم تسلم من نار الانقسام , بل ان الانقسام طال أرزاق الناس وسبل معيشتهم فمع الانقسام ظهرت شريحة متنفذة سياسيا واقتصاديا ظهر عليها الرغد الفاحش بالمقابل انتشرت البطالة والفقر والحرمان الاجتماعي بشكل مهول خاصة في قطاع غزة هذا ما أوجد نقمة شديد من غالبية الناس ومعها غابت مشاركتهم, فالمرأة قُتل انتاجها وتحولت مادة للحصول على " الكابونة" وفرصة للاسترزاق, والشباب توقف ابداعهم وبات جل تفكيرهم الهجرة الى أي مكان وفي أي ظروف للهروب من حياتهم المأساوية .
هذه الظروف الكارثية وهناك أكثر وأكثر هي بالفعل من أوجدت الثغرة في نفوس الجميع حتى أشد منظري الحزبية أن ينفذوا منها الى المصالحة الحقيقية وانهاء انقسامهم البغيض ولسان حالهم يقول .. الى متى سنبقى منقسمين على أنفسنا ؟ إلى متى ستبقى أهاتنا تنهش حاضرنا ومستقبلنا ونحن صامتون ؟ لماذا لانصلح حالنا ومفتاح هذا الصلاح بأيدنا بوحدة صفنا وانهاء فرقتنا وانهاء الحكم المنفرد التي أثبتت التجربة فشله ؟ يا قادتنا اذا كنتم خائفين من انقسامنا نحن الشعب نطمئنكم أننا جميعا قبلتنا نحو الاخوة والتسامح ورأب الصدع وترك الماضي خلفنا وكلنا أمل هذه المرة أن تتحقق وحدتنا, فالشعب يصرخ بصوت عال اغيثونا يكفى ما أصابنا في سنواتكم السبع العجاف, نريد العيش بكرامة وسلام وطمأنينة, نريد أفق لشبابنا وأبنائنا لا نريد أن يبقى هذا الشبح يطاردنا, لماذا تصممون أن تمضوا بنا نحو المجهول المستفيد الأول فيه الاحتلال والخاسر الوحيد به شعبنا .
بصراحة أملنا يغمره الحذر بسببكم ونخشى أن تخيبوا أمالنا كما في كل المرات, لذلك ابدأوا فورا بتطبيق المصالحة الحقيقية على الأرض والخروج جميعا من المأزق لنعيد روح التفاؤل من جديد بأن الأمل بفلسطينيتنا الشامخة مازالت قائمة نحو التحرير, ومن يقول " لا للمصالحة " أضيفوا " لا " بجانبها لتكون " نعم " لمصالحتنا لنمضي جميعا نحو الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف .

التعليقات