غشني في السعر، لا البضاعة

غشني في السعر، لا البضاعة
بقلم/ توفيق أبو شومر

بالأمس  26/4/2014 شاهدتُ تحقيقا صحفيا جريئا في القناة الفرنسية الخامسة، أثار قضية كبيرة تستحق أن يكون لها نصيبُ كبيرٌ في الإعلام عند العرب، وهي قضية الغش في أوزان البضائع، فقد عرض التحقيقُ طُرقَ الغش في أوزان البضائع، وأشار إلى أن هناك فرقا بين الوزن المكتوب والوزن الحقيقي، وهذا الفرق يُربحُ الشركاتِ المنتجةَ ملايين الدولارات، وعرض التقرير طرق احتيال الشركات في زيادة أوزان البضائع، إما بالأغلفة، أما بوسائل أخرى.

وعرضَ التقريرُ الغشَّ في اللحوم  والأسماك المجمدة، فيُزاد وزنُها بواسطة حقنها بالماء، مما يزيد أوزانها بنسبة الثلث، ولم يكتفٍ التقريرُ بذلك، بل أشار أيضا إلى خلل الموازين الإلكترونية، وآليات صيانتها!

إن سيادة القانون هي السببُ الرئيس في التقدم والنهضة، كما أن المتابعةَ والتفتيش جزءٌ رئيس من منظومة تطبيق القوانين، كذلك فإن جمعيات حماية المواطنين هي الركن الثالث الذي يحقق السيادة، أما الركن الرابع فهو بالتأكيد الإعلام الحر الحارس على القوانين!

                                    تحدثتُ مع صديقٍ عن هذا الموضوع فابتسم وهو يقول: ليتَ الغشَّ عندنا يقتصرُ على الوزن، فذلك أهونُ، ولكن الغش الأكثر خطورة في بلدنا، هو الغش في البضاعةِ نفسها، وهذه جريمة تستحقُّ أن تكون لها الصدارة في مجتمعنا!

فالسياسة عندنا صادرتْ كل ما عداها، ولم يعد يهمنا من أمر حياتنا سوى تصريحات وخطابات وأقوال فرسان الأحزاب السياسيين، ولم تعد الأحزاب تُسخِّر جهودها لمتابعة حياة المواطنين وخدمتهم، بقدر ما تسعى لإنهاكهم بالضرائب والفواتير والمستحقات الأخرى، بدون أن تؤدي لهم أبسط الخدمات، أي، حماية صحتهم، فالصحة الجسدية مطلبٌ رئيس للصحة النفسية والوطنية! وأضاف:

هل اشتريت بعض الأجبان التي تُباع في الأسواق بمبالغ رخيصة جدا؟ غلافها يقول: جبن خالص من حليب بقري طازج، غير أنها في الحقيقة مجموعة أخلاط ونكهات لا علاقة لها بالحليب الطازج، فهي ضارة!!

هل اشتريت لحوم المارتديلا في الأسواق الشعبية؟ كثيرون يشترونها، إنها كذلك أخلاطٌ ضارة لا علاقة لها بالعبارات المكتوبة فوقها!

هل اشتريت المشروبات الغازية والعصائر المعبأة في البيوت؟ إنها أيضا بأصباغها الزاهية سرطانات آجلة !!

أما عن العبوات الملونة التي يستهلكها الصغار، فهي الأخطر لأنها تحتوي على سموم ناقعات!!

أنا أعرف بأنك ياصديقي صوَّرتَ بهاتفك المحمول ذات يومِ حقلا من الملوخية اليانعة، وهي تسقى بماء المجاري، ثم تُباع في الأسواق لنأكلها، وما خفي كان أعظم!!

                                           قلتُ: أنتَ على حق، فقصة موازين البضائع المضَلِّلة، ليست على جدول أعمالنا، فهي مؤجلة، لأن هناك خطرا أكبر، فنحن نستهلك مغلفات وأوارق وعلب مُزيفة، وبضائع سامة!!

قديما قالتْ العربُ: غشني في السعر، ولا تغشَّني في البضاعة!!

فإذا كان الاحتلالُ كارثةً، وكان الإغلاقُ والفقر مصيبةً، فإن الأخطرَ منهما هو أن يصبح التسمم والغشُّ أمرا ثانويا في مجتمعنا، لا يستحق أن نناقشه باهتمام، وأن نسعى إلى وضع حدٍ لهذه الكارثة، فهي أخطر من الاحتلال والفقر والحصار، لأنها تصيبُ جيلنا كله بالأمراض، فيغدو جيلا مُعوَّقا، يحتاج إلى العلاج والدواء فقط، جيلا، غير قادر على القيام بواجباته الوطنية!

                                       إن كلَّ حزبٍ يغضُّ الطرفَ عن مسؤوليته نحو صحة المواطن وبيئته، هي جماعةٌ لا تستحق أن تُسمى حزبا وطنيا نضاليا!

كما أن كل جمعية غير ربحية تَقْصِرُ اهتمامها على رصد الانتهاكاتِ السياسية والقمع الفكري فقط، ولا تعالج قضايا الغش والفساد في المجتمع، هي في الحقيقة جمعية ربحية مأجورة، تسعى لإثراء جيوب مؤسسيها!

وكل إعلامي يمنعُ الصحفيين المغامرين من ملاحقة هذه الجرائم، ليكشف فساد التجار والسماسرة والوسطاء، لغرض كسب إعلانات الشركات، ونيل رضاها ودعمها المالي، هو إعلامي مُضلِّل، يشارك من حيث لا يدري في الجريمة! 

التعليقات