حصان الاقتصاد وعربة السياسة

حصان الاقتصاد وعربة السياسة
بقلم : أمين فايق أبو عيشة – أستاذ الاقتصاد والمحلل المالي

سؤال صغير بحجمه كبير بمضمونة كان يتردد على مسامعي وفي مقاعد دراستي الأكاديمية والعلمية .. كثيرا ما تكرر هذا السؤال مرراً حينما كنت ادرس الاقتصاد بغزة والأردن قبل سنوات ، عاد هذا السؤال نفسه للطرح مرة أخري لكن التوقيت والظرف يختلف ، مع إعادة توقيع اتفاق مخيم الشاطئ للمصالحة ،سألني أحد أصدقائي أيهما يأتي أولا الاقتصاد أم السياسة ؟! طوال دراستي للاقتصاد حاولت أن أحل هذا اللغز بشيء من العلمية والفلسفية .. كنت أجيُب بالقول انه كلما تقدمت السياسة للقيادة برزت أحداث جعلت من الاقتصاد هو المحرك الأساسي والقائد وكلما ظهر الاقتصاد كقائد قوي أخمدته السياسة وطمسته بقوة !!! ، لأجل ذلك برز السؤال التالي في وجهي ووجه السائلين عن الحقيقة : ما هي نوع العلاقة بين السياسة والاقتصاد ؟؟ اكتشفت بعدها بسنوات انه من الخطأ أن أقدم إجابة قاطعة على هذا التساؤل ، لكن الذي افهمه هو أن السياسة إن وجدت وجد الاقتصاد.. لقد عاني الشعب الفلسطيني طوال الأعوام الماضية من سبع سنوات عجاف ويزيد تجرع الشعب والوطن من خلالها مرارة الانقسام والحصار معاً ، فإذا كان الأول انتهاءه ذو صبغة سياسية فإن الثاني زواله ذو صفة مالية واقتصادية وكلا الحالتان لا يمكن فصل إحداها عن الاخري ، طوال هذه السنوات تسألت من الأهم ... زوال الانقسام ... أم رفع الحصار؟! ، حينما استنهضت السياسة لرفع الاقتصاد تذكرت ما تعلمته طوال أعوام وسنوات من أن الاقتصاد هو من حافظ وسيحافظ على عدم تسؤول الشعوب والأمم وهو من سيجلب مقومات سياسة ودولة متينة ، ولكن بعد فكر جدلي عدت للمربع الأول.. من هو الأهم الاقتصاد أم السياسة ؟.. رغم اختلاف الآراء والنظريات حول تحديد من هو الحصان ومن العربة ، حيث يري البعض أن الصعيد السياسي هو المحرك الرئيسي لمختلف نواحي الشعب الفلسطيني ، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية ، يري الآخرون أن الحراك الاقتصادي هو الداعم الرئيسي لأي دولة ومن ثم تأتي السياسية ، إلا أن وجهه النظر الثالثة وأنا منهم اليوم تري أنه لا يمكن فصل السياسة عن الاقتصاد فكلاهما وجهان لعملة واحدة وهي الدولة القوية ، التي يجب أن يسير فيها الاقتصاد مع السياسة وبالتوازي لأنه لا يمكن تحديد من يتبع الأخر ، لا يمكن أن تكون قوياً ألا حين تكون موحداً ، فبلا شك أن الاستقرار السياسي سيصاحبه تحسناً اقتصادياً وسيعمل على نقل الاقتصاد من اقتصاد صمود وعيش إلى اقتصاد وطن ودولة وحياة ، ولن يتم ذلك إلا بوجود علاقة تكاملية بين الاقتصاد والسياسة ، لقد عملنا في الحقل السياسي عشرون عاماً ويزيد وضحينا وضخينا مليارات الدولارات لتحسين أحزابنا السياسية وأهملنا الاقتصاد فوصلنا لنفق مظلم فزال العيش واعدم القطاع الخاص ودمرت المنظومة الهيكلية للاقتصاد ، إن علاج ذلك يتطلب إعادة توجيه القطاع الخاص كطرف مهم وضروري في التنمية الاقتصادية للدولة ، كما يجب ضخ مليارات الدولارات من الاستثمارات في القواعد الإنتاجية وعلاج معدلات البطالة العالية و تحسين منظومة النشاط الاقتصادي بما يضمن التطبيق الفعلي لمبدأ وسياسة إحلال الواردات ، وكذلك إعادة التنظيم المالي والنقدي في علاقاتنا مع الكيان الصهيوني والمتعلق بمدي مبررات الاعتماد على الشيكل كنقد متداول للشعب الفلسطيني ، والنظر في رفع دعوي قضائية تحاكم عمليات القرصنة المستمرة من قبل دولة الكيان بالنسبة لعائدات المقاصة ، والاهم من ذلك تفعيل آلية التكافل العربي وظيفياً ومالياً ، وفوق كل ذلك إعادة تقييم وتقويم عمل الصندوق السيادي الفلسطيني – صندوق الاستثمار الفلسطيني كجزء مهم لتمويل نفقات الشعب الفلسطيني ، من خلال تعيين إدارة جديدة تعمل على التوجيه والرقابة الجيدة لأموال هذا المورد المالي المهم بما يضمن الحصول على أعلى العوائد .... وختاماً نقول قد لا نستطيع في يوم من الأيام أن نجد حلولاً كاملة ومتكاملة لاقتصادنا المدمر لكنني أوكد أن في جعبتنا الكثير من أنصافها ... حتماً ستكتمل يوماً ...لان فلسطين ومشاكل الشعب الفلسطيني ليسوا أعصياء على العلاج ، لكنهم يحتاجون لمن يجيد تشخيص المرض ويحسن التعامل معه ويحتاجون لكل القلوب الصافية الرحيمة التي تحبهم وتحب فلسطين بصدق وتحاول أخراجها من عنق الزجاجة .... صحيح أنهم قد يتأخروا .... ولربما تأخروا عشرون عاماً منذ أوسلو السياسي وباريس الاقتصادي ... لكن الشيء الذي اعرفه هو أن السياسة هي الاقتصاد والاقتصاد هو السياسة .. ...
دمتم بعز ،،،

التعليقات