سياسيون : لدينا ضرورات ملحة للحوار الوطنى وأستئنافه وتجديد مضامينه الصراحة الجارحة أفضل من المجاملة الكاذبة

القاهرة : وليد سلام

لم تكن حصيلة أكثر من 60 يوما من عمر الحكومة الجديدة سلبية، لكنها لم تكن أيضا بحجم الطموح الجارف الى تجاوز عثرات المرحلة...
وقد لا نضيف جديدا ان قلنا أن الإرادة وحدها لا تكفي، وأن الكفاءة وإن توفرت بالشكل الكافي لدى حكومة محلب ، قد تصطدم بجليد الإخفاقات المتراكمة في سجل الحكومة السابقة.
لم يعد تجديد الدم في العروق مجرد حاجة الى استكمال خارطة طريق تعطل تنفيذ بعض بنودها، بل صار أكثر من ضرورة في بلد تنضاف الى هواجسه السياسية والانتخابية، مشاكل تنموية حارقة... إن ما كان يعتبر نوعا من «الإقتصاد وفوبيا» (أي خوفا مرضيا من الانهيار الاقتصادي) صار بعد حديث السيد وزير الماليه الرسمي باسم الحكومة واقعا مرا لا بد من إضافة ملفه الى جدول أعمال خارطة الطريق على مرأى ومسمع من كل الأطراف السياسية والإجتماعية، حتى يتحمل الكل مسؤوليته في الإنقاذ العاجل...
التوافق والأستقرار وكذلك أنجاز الخارطة تعطل في بعض المنعطفات السياسية، وبدأ يترك مكانه اضطراريا للحسابات الانتخابية، لكن الكل يطالب بعودته الآن، وبمضمون متجدد، حتى يتم استجلاء السبيل الى الخروج من الأزمة الخانقة.
صرح الكاتب السياسى محمد أبوالفضل لصحيفة {دنيا الوطن } بما مفاده أن «لا وجود لأسرار وألغاز وراء تأجيل أنجاز خارطة الطريق ، وجدول الأنتخابات المعلن مستمر وسيكون20 الشهر الجارى فتح باب الترشح »، وهذا أمر إيجابي، لأنه صار ضروريا وملحا. والأهم هنا هو أن تتطارح الأطراف الوطنية المشكلة لهذا التوافق الحوار سبل توسيع المهام وإثرائها بشكل يستوعب الرهانات المستجدة التي انضافت الى الهاجس السياسي. إنه أمر ممكن، ذلك أن استكمال العناصر المتبقية من خارطة الطريق في جانبه السياسي والانتخابي، يظل على أهميته في حاجة الى أن يرفد بجدول أعمال جديد هو تدارس الأزمة الاقتصادية الراهنة، وسبل العمل التشاركي لتجاوز مخلفاتها الخطيرة. ويعزز هذا الطرح ما تضمه طاولة الحوار المزمع عقدها ذاتها من مكونات جوهرية: الطرف الاجتماعي العمالي ممثلا في اتحاد العمال والطرف الاجتماعي الاستثماري ممثلا في اتحاد الصناعة والتجارة، والطرف السياسي ممثلا في الأحزاب الوطنية، والطرف الحقوقي ممثلا في نقابة المحامين ومنظمة حقوق الإنسان.
وأوضح أبوالفضل هنا أن هناك أكثر من حاجة الى أن يتعزز هذا التمثيل بكتل أخرى فاعلة، كنقابة الفلاحين، والخبراء الماليين، والجمعيات ذات الصلة بالتنمية.
إن مبدأ مساندة وإسناد الحكومة ، لا يتمثل فقط في لعب دور التحكيم بين فرقاء سياسيين تجاذبتهم الحساسيات الإيديولوجية والمصالح الانتخابية، بل يتمثل أيضا في تناول مشكل وطني عام بدأت هواجسه تتفاقم بشكل متصاعد وهو مشكل إنقاذ الاقتصاد، مع النظر طبعا في كيفية تقاسم الأعباء بين الدولة ومكونات النسيج المجتمعي.
وأشار عضو الهيئة العليا لحزب نصر بلادى .... الواقع أن ما تميزت به حكومة محلب عن سابقتها، هو عدم سلوكها مسلك التهدئة اللفظية المفرغة من المحتوى الواقعي، ولا مسلك التباهي الكاذب بإنجازات لا توجد على الأرض... إن الصراحة الجارحة تظل أفضل بما لا يقاس من المجاملة الكاذبة... وعليه فإن التصريح الأخير حول حقيقة الوضع المالي ، لا بد أن يقرأ من زاوية أنه مكاشفة بمعطيات موضوعية يجدر أن نقرأ لها ألف حساب.
وأكد على أنه لا يعتقد أن هناك ملفا أحق بالطرح خلال الجلسات المقبلة للحوار الوطني المزمع أنعقادها من هذا الملف الحارق، الذي يتعلق بمدى حله مستقبل مصر.
كيف يمكن تجاوز هذه الوضعية الدقيقة، العجز في الميزانية، وتناقص موارد العملة الصعبة، وضعف الانتاج والتصدير وخسائر المؤسسات العمومية، وتضخم المديونية؟
وأكد أيضا أن الحكومة الجديدة، التي أودعها النظام المؤقت أمانة قيادة المرحلة الحالية لا تستطيع رغم ضخامة المجهودات، أن تجابه عجزا مستحكما كالذي تسببت فيه الحكومة التي سبقتها، والأكيد أيضا أنها امتلكت من الشجاعة ما مكنها من مصارحة الشعب بحقيقة وضع طالما تفنن الآخرون في طمس معالمه واخفاء تفاصيله لأغراض سياسوية.وهذا ما يلقي على المنظمات الوطنية الكبرى كاتحاد العمال واتحاد النقابات و........ مسؤولية جسيمة هي استكمال الخطوات التوافقية المنجزة على الصعيد السياسي، بخطوات إنقاذ فعلية على المستوى الاقتصادي، لا سيما وأن المرحلة تتطلب بالفعل استحضار مفهوم «الوحدة القومية» الذي سبق وأن تكرس في مصر زمن الحركة الوطنية التحريرية من الأستبداد والديكتاتورية ، وهو مفهوم يتمحور حول اندماج مكونات النسيج السياسي والمدني داخل كتلة موحدة لدرء خطر داهم... وليس أكثر خطرا الآن من هذا التداعي الاقتصادي الذي ينذر البلاد بشبح الفقر والإفلاس.
المعنى الأسمى للحوار الوطني
وأضاف إذا كان الحوار الوطني قد قدم إسهاما تاريخيا عظيما في وضع مصر على سكة التحول السياسي، وتفادي كارثة محدقة كانت تنذر بتفشي العنف، فإنه مدعو اليوم ليقدم إسهاما اجتماعيا مرموقا يسند خطوات الإنقاذ الاقتصادي التي تحاول الحكومة الحالية إنجازها، وذلك بتطارح آليات دعم واضحة، وتحديد مهمات كل طرف فيها. وإذ تتطلب هذه الآليات تظافر الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فإن أهم ما ينتظر الأطراف الوطنية هو التوصل الى الاتفاقات التالية:
ـ التزام الأحزاب السياسية بالحد الأدنى من التهدئة، وتجنب النهج التصادمي، والعمل أكثر على تسهيل مهمة الحكومة الجديدة، عبر التشجيع على انخراط المواطنين في أجندة الإنقاذ والمساهمة الفاعلة في الاكتتاب الوطني.
ـ التزام رجال الأعمال بقسط من الأعباء عبر المبادرة بالاستثمار في القطاعات الموجهة للإنتاج والتصدير، وخلق المشاريع ذات التشغيلية العالية.
ـ التزام الطرف العمالي بالتهدئة وتفادي المطلبية المجحفة مراعاة للظرف الاقتصادي الحساس، وبالتالي التقليص قدر الإمكان من الفعاليات الاحتجاجية خاصة تلك التي يضر تواصلها بالدورة الاقتصادية.
ـ التزام القطاعات المنتجة في مجال الفلاحة والصيد البحري بمزيد العمل على التوظيف الأمثل للموارد الوطنية لتحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي (وهو من أبرز العناصر التي تعزز مفهوم السيادة الوطنية)
ـ التزام الدولة بترشيد التصرف في النفقات العمومية، وتوظيف المديونية الخارجية (التي أصبحت شرا لا بد منه) في تنمية المشاريع ذات المردودية الاستثمارية.
إن الحوار الوطني كفيل دون غيره بوضع أسس التزام تعاقدي بين مختلف الأطراف لتجاوز هذه المحنة، وهو كفيل أيضا بترسيخ خطوات تطبيقية لهذا الالتزام، على أن لا يلحق أي إجراء تقشفي مرتقب ضررا بالفئات المحرومة والكادحة التي لم تعد تملك شيئا تضحي به (وهو أمر سبق أن صرح به رئيس الحكومة الحالي أمام الدوائر المالية العالمية في زيارته الأخيرة الى الولايات المتحدة الأمريكية)
بهذا الشكل، سيكون للحوار الوطني معنى مضاف، وسيجمع بين مهمتين عظيمتين: إذابة الجليد السياسي الذي يهدد الاستحقاق الانتخابي من جهة، وتفعيل المجهود الوطني التضامني لتجاوز مخلفات الأزمة الاقتصادية من جهة أخرى.
المصارحة كمبدإ... وكقيمة
وأخيرا ...... قال أبوالفضل فى ختام كلامه إن لحظة مصارحة بين الحاكم والمحكوم كانت كفيلة بوضع الإصبع على الداء المستحكم، وهذا ما يحسب لفريق المهدي جمعة... وبعد سنتين من غياب الصراحة، وتفشي الإيهام والتعتيم، ها نحن نواجه الحقيقة العارية، بالأرقام والإحصاءات فهل بوسع الحوار الوطني أن ينطلق من هذا الواقع الصعب، وينجز خطة نضالية تضامنية لإنقاذ اللحظة الانتقالية؟

التعليقات