يهودية إسرائيل... أحذروا منها؟!
الأستاذ الدكتور / رياض علي العيلة
أستاذ العلوم السياسية
رئيس قسم العلوم السياسية/جامعة الأزهر
شكلت عملية السلام والمفاوضات الجارية مخرجا لإسرائيل، لتحسين صورتها كدولة احتلال، وفرصة لتحويل نفسها من دولة قومية لليهود في العالم، ولجميع سكانها إلى دولة يهودية. وتسعى من خلالها ومن خلال القوانين العنصرية المختلفة إلى التخلص أو الحد من وجود الفلسطينيين المستمر في فلسطين والذي يشكل عددهم اليوم 20% من مجموع السكان وهم في تزايد مستمر، بعد أن طرد ما يقارب 800 ألف فلسطيني عام 1948، على الرغم من ذلك فإن مصير كل هذه المحاولات كان الفشل، وذلك بعد مرور أكثر من ست ستين عامًا على تأسيس إسرائيل، وفي ضوء الإحصائيات الإسرائيلية التي أشارت إلى إن الفلسطينيين بحلول العام 2030، سيتساوون بالعدد مع اليهود، مما أدى إلى الاستشعار بالخطر على المفهوم الأيديولوجي لإسرائيل، واستدعى مطالبة المفاوض والقيادة الفلسطينية الاعتراف بيهودية إسرائيل التي تشكل قضية ايدولوجية عقائدية، تقوم على أساس الصراع القومي الديني الحضاري الاجتماعي في فلسطين. ومع سيطرة اليمين الإسرائيلي المتطرف على مقاعد الكنيست الإسرائيلية الحالية، أجبرت حكومة إسرائيل إلى التأكيد على دعواتها للقيادة الفلسطينية بالاعتراف بيهودية إسرائيل كدولة لليهود، في الوقت الذي أكدت فيه القيادة الفلسطينية إصرارها على رفض ذلك، بصفتها مطالبة عنصرية وتطال الحقوق والحقيقة التاريخية التي تؤكد ارتباط الشعب الفلسطيني في فلسطين وتلغي حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم وبلداتهم التي هجروا منها، كما وتطال ما يقارب المليوني فلسطيني الذين بقوا في أراضيهم رغم البطش والتقتيل داخل فلسطين التاريخية. إضافة إلى أن الاعتراف بيهودية الدولة يلغي الرواية الفلسطينية حول نكبة وتشتيت الشعب الفلسطيني، ويلغي مسؤولية الاحتلال الإسرائيلي عن جريمة ومأساة تحويل الشعب الفلسطيني إلى لاجئين مشردين في دول العالم، وبنفس الوقت تترجم إدعاء اليهود بحقهم في العودة إلى الأرض المقدسة، كما ويشرع قضية تبادل السكان لفلسطينيي 48 في الداخل وترحيلهم باعتبار أن إسرائيل فقط لليهود والفلسطينيين فيها هم رعايا أجانب وعليهم مغادرتها.
ولكي نفهم لماذا يتمسك اليمين الإسرائيلي المتشدد وحتى اليسار الإسرائيلي بتحويل إسرائيل إلى دولة يهودية باعتراف فلسطيني، يتعين علينا أن نعود إلى الجذور وبالتحديد إلى المؤتمر الصهيوني الأول الذي عقد في مدينة بازل بسويسرا بتاريخ 28-30 أغسطس عام 1897م، حيث طالب تيودور هرتزل المؤتمرون بإقامة دولة يهودية لجميع اليهود، من خلال توجيه الهجرات اليهودية من أنحاء العالم إليه –دولة يهودية لا تقوم على أساس ديني، بل استعان هرتزل بالدين كوسيلة وأداه لتجميع اليهود على أرض فلسطين التي تجمع الديانات السماوية الثلاث - لحل مشكلة تشتتهم وتجميعهم على أرض تنال موافقة الجميع منهم. وبعد مرور عشرين عاما، لبت حكومة الاحتلال البريطاني رغبة الحركة الصهيونية، بعد ما سقطت الخلافة العثمانية بهزيمة الدولة التركية في الحرب العالمية الأولى، وتم احتلال بريطانيا لفلسطين، التي قامت بإصدار وعد بلفور سنة 1917 الذي منح أرض فلسطين التي لا يملكها، لأناس لا يملكونها، فقط لتنفيذ وصية هرتزل والحفاظ على المصالح البريطانية في المنطقة العربية التي تشكل فلسطين قلبها النابض، الذي نص على : « تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل – الحكومة البريطانية - غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن لا يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين، أو الحقوق و الوضع السياسي التي يتمتع بها اليهود في أي بلد آخر.» باعتبار أن الفلسطينيين العرب أصحاب الأرض الشرعيين أقلية وعدم الاعتراف بهم. وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وحتى أربعينيات القرن العشرين، حظيت شعوب منطقة الشرق الأوسط بدول قومية خاصة بها ما عدا فلسطين، وحينما تم عرض المحتل البريطاني دولة على الفلسطينيين وفقا لخطة بيل في سنة 1937 فوجئوا بأن عليهم أن يتقاسموا أرضهم مع اليهود الذين تم جلبهم من أوروبا.
ومع استمرار الاحتلال البريطاني لفلسطين حتى رحيله عام 1948م، دون أن يمنح فلسطين الاستقلال أسوة بالشعوب التي استعمرتها، وتركت البلاد تتصارع، حيث صدر القرار الشهير رقم 181 عن الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال دورتها الثانية المنعقدة بتاريخ 29 نوفمبر1947، القاضي بتقسيم فلسطين الخاضعة للانتداب البريطاني إلى دولتين واحدة دولة يهودية وأخرى دولة فلسطينية وإبقاء القدس تحت الوصاية الدولية. ولم تلتزم إسرائيل بالمساحة المحددة لدولتهم بمقتضى قرار التقسيم، وسيطرت على ما يساوي 77.4%من إجمالي مساحة أراضي فلسطين الانتدابية، وأخذت تطبق مبدأ الأرض النظيفة، أي الأرض الخالية من السكان، من خلال تنفيذها لسياسة التطهير العرقي عبر حملات الطرد والتهجير ألقسري التي قامت بتنفيذها لإرغام الفلسطينيين على ترك ديارهم وممتلكاتهم الواقعة في المناطق التي سيطرت عليها. فقد أعلن بن غوريون رئيس الوكالة اليهودية آنذاك، في الرابع عشر من أيار العام 1948- قبل يوم من انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين- عن قيام "دولة إسرائيل" وفقاً لقرار الأمم المتحدة (29/11/1947) القاضي بإقامة دولتين في فلسطين، مع العلم أن الأسماء التوراتية لإطلاقها على الدولة الوليدة (دولة يهودا، دولة صهيون، دولة أرض إسرائيل، دولة عابر) لم تحز بالموافقة من قبله، بل أعلن أن اسم الدولة الرسمي الذي حظي بأكثرية الأصوات سيكون "دولة إسرائيل" واختصاراً " إسرائيل".
وتبع ذلك تبني الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم (273) الصادر عنها في دورتها الثالثة بتاريخ 11/5/1949م، والمتعلق بطلب إسرائيل الانضمام لعضوية الأمم المتحدة، التي اشترطت عليها أن تكون دولة محبة للسلام – وليس دولة عنصرية تقوم على أساس ديني وتضطهد الأديان والقوميات الأخرى – وأن تكون قادرة على تحمل الالتزامات الواردة في ميثاق الأمم المتحدة وراغبة في تنفيذها. ونزولا لطلب الانضمام لعضوية الأمم المتحدة، قبلت إسرائيل دون تحفظ الالتزامات الواردة في ميثاق الأمم المتحدة، وتعهدها بأن تحترم منذ اليوم الذي تصبح فيه عضوًا في الأمم المتحدة، تلك الالتزامات. وعلى الأرض، فقد سجلت إسرائيل انتهاك ومخالفة وعدم احترام والتزام بحدودها المقرة في قرار التقسيم وحق اللاجئين في العودة، الصادر عن الجمعية العامة، وقيامها بالسيطرة على مساحات شاسعة من الأرض المخصصة للدولة العربية، وتنفيذها لأعمال التهجير القسرى للسكان وغيرها من الجرائم والانتهاكات، على الرغم من ذلك فقد تم قبول إسرائيل عضواً في الأمم المتحدة.
ومع بداية عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991م، والاعتراف المتبادل بينهما، بدأ التفكير لدى الحكومة الإسرائيلية بتكريس مفهوم يهودية الدولة برفضهم التعاطي مع حق العودة والإصرار على عدم تقسيم القدس من خلال التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية وابتلاع الأراضي الفلسطينية وتفتيتها جغرافيا وفرضه كأمر واقع بشكل ممنهج والقضاء على أية فرصة لإقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافيا وقابلة للبقاء وضمان بقاء القدس العاصمة الأبدية والموحدة للشعب اليهودي، وبنفس الوقت تعمل على تحسين صورة إسرائيل كدولة احتلال.
علما أن رؤساء الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بدءاً بارئيل شارون، وانتهاء ببنيامين نتنياهو، ومرورا ب أيهود أولمرت، قد حرصوا على مطالبة الجانب الفلسطيني الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية (27/11/2007).. وعلى صعيد الإدارة الأمريكية صار الرئيس الأميركي السابق جورج بوش على منوال رؤساء حكومات إسرائيل، مطالبة القيادة الفلسطينية الإعلان عن إسرائيل كدولة يهودية حيوية. وكذلك الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي طالب بالاعتراف في إسرائيل كدولة يهودية، وكرّر ذلك أمام لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (إيباك) في العام 2008، وفي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول من العام 2010 ، الذي أعلن فيه التزام الولايات المتحدة الاعتراف بإسرائيل بصفتها دولة يهودية، على الرغم من شطب الرئيس الأمريكي الأسبق ترومان - مصطلح إسرائيل دولة يهودية - في خطاب الاعتراف واستبداله بمصطلح دولة إسرائيل كدولة ديمقراطية وليس دولة يهودية، كما حددها رئيس الوكالة اليهودية آنذاك ديفيد بن غوريون..
وبعد مرور أكثر من ست وستين عامًا على قيام إسرائيل، ومفاوضات ماراثونية لأكثر من عشرين عاما لازالت مستمرة، خرجت حكومة الاحتلال الإسرائيلي برئاسة ببنيامين نتنياهو بشرط مُسبق أثناء المفاوضات بوساطة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري- سبق وأقره الكنيست الإسرائيلي في عام 2003م قرارا يقضي بضرورة تعميق فكرة يهودية الدولة- للمضي قدمًا في المفاوضات مع الجانب الفلسطيني وهو اعتراف الفلسطينيين والعرب بإسرائيل كدولة يَهودية بعد أن كان المطلب الرئيسي لحكومات إسرائيل المتعاقبة خلال العقود الماضية هو الاعتراف الفلسطيني والعربي بحقها في الوجود، والتي حصلت عليه من خلال الاتفاقيات السلام الموقعة مع جمهورية مصر العربية والمملكة الأردنية الهاشمية، إضافة إلى المكاتب التجارية والعلاقات مع دول أخرى من المنطقة العربية.
إن إسرائيل من خلال المفاوضات الجارية الآن، وبدعم من الإدارة الأمريكية ووزير خارجيتها جون كيري وجولاته المكوكية، التي أثبتت أنها لم تحترم الاتفاقيات والمعاهدات والمبادئ الدولية التي تتضمن معاقبة إبادة الجنس البشري، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والاتفاق الخاص بشؤون اللاجئين في جنيف، والعهد الخاص بحقوق الإنسان المدنية والسياسية إضافة إلى البروتوكولات الخاصة باللاجئين الفلسطينيين ( حق العودة والتعويض، حق تقرير المصير، حق الشعوب في اختيار من يمثلهم بعد أن قرروا حق من يمثلهم وهو ضروري لتقرير مصيرهم ) واتفاقيات الاعتراف المتبادل الفلسطيني الإسرائيلي، واتفاقيات أوسلو وما نتج عنها، تسعى إلى إجبار القيادة الفلسطينية الاعتراف بيهودية الدولة التي يرى قادة "إسرائيل" أن هذا الاعتراف يفرض الأمر الواقع، وإنشاء حقائق على الأرض، إلي جانب:
· إلغاء الحق التاريخي الكنعاني في فلسطين.
· الدفع قدما بأفكار تحويل إسرائيل إلى «دولة جميع مواطنيها يهود» وطرد الفلسطينيين من سكانها إلى خارجها وإلغاء الاتفاقيات التي ترتكز على وجود دولتين لشعبين.
· إلغاء حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التي هجروا منها عام 1948م.
· سيجعل من الصعب على العرب الفلسطينيين في إسرائيل أن يطالبوا بالمساواة بحقوقهم القومية.
· الاعتراف يهودية إسرائيل سيُسهل مطلب عدم السماح للعرب الفلسطينيين في إسرائيل بحمل جواز سفر مزدوج إسرائيلي وفلسطيني وإسقاط اى حقوق تتعلق بمكانتهم داخل إسرائيل.
في ضوء المعطيات السابقة، نرى من الضرورة أن لا نترك الحكومة الإسرائيلية تشترط علينا كفلسطينيين الاعتراف بيهودية إسرائيل، وأن نطالبهم بالاعتراف بالدولة الفلسطينية التي أقرتها قرارات الأمم المتحدة، وخاصة تنفيذ قرار التقسيم، إلى جانب الشروط التي وافقت إسرائيل عليها عند قبول عضويتها، ونطالبها بالالتزام بوجود دولتها كدولة محبة للسلام!! وليس كدولة قائمة على العنصرية. فغلى الرغم من الخلل في توازن القوى، فقوة الشعب هي أقوى من قوة الحكومات وتوازناتها، التي راهنت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة – يسارية أو يمينية – على ذوبان الهوية الفلسطينية، وأن محاولاتها قد باءت بالفشل، لأن أطفال فلسطين وبعد مرور 66 عاما على نكبة فلسطين، على الرغم من سنوات الاحتلال الإسرائيلي، التي مارست عليهم غسيل الدماغ لما يزيد عن نصف قرن، لا يزالون متمسكون بحبهم وانتمائهم لبلداتهم الأصلية، وعندما تسألهم من أين أنتم؟ يجيبونك فورا من، يبنا، الرملة، صفد، حيفا، ويافا، المجدل... فالاحتلال سيزول ويبقى الانتماء للوطن فلسطين التاريخية الكنعانية حاضرا في عقول وقلوب أبناء فلسطين.
وعليه فإن ما تطلبه الحكومة الإسرائيلية من القيادة والمفاوض الفلسطيني– في المفاوضات الجارية الآن - الاعتراف بيهودية الدولة التي تعد مخالفة للقانون الدولي، لا يجب عليها أن تتساوق معها للأسباب التالية:
· لا يجوز لإسرائيل كجهة محتلة المطالبة من شعب محتل أن تطلب منه الاعتراف بها كدولة يهودية قبل أن ينال دولته المستقلة.
· شكلت "وثيقة الاعتراف المتبادل" بين منظمة التحرير كجهة ممثلة للشعب الفلسطيني من ناحية والحكومة الإسرائيلية من ناحية أخرى، خطوة لوجود دولتين على أرض فلسطين التاريخية وذلك تطبيقا لقرار التقسيم رقم 182/2 الصادر عن الأمم المتحدة بتاريخ 29/11 من عام 1947، والذي ينص على تقسيم فلسطين لدولتين عربية ويهودية".
· أن مطلب إسرائيل الاعتراف بيهوديتها غير منطقي، لأنه يتنافى مع الشرطين التي على أساسها تم قبولها بالأمم المتحدة، وهما: الأول احترامها وتطبيقها لقرار التقسيم وهذا لم يحدث، والشرط الثاني فهو احترامها وتطبيقها للقرار رقم 194 الذي أكد على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين وتعويضهم، وهو ما لم تلتزم به.
بالرجوع إلى ما سبق، فقد وجدت القيادة الإسرائيلية ومن خلفها الدول الاستعمارية، أن فلسطين لا تغيب عن عقول أبنائها رغم محاولات التغييب لهم، وأخذت تطالب بإعطاء الصبغة الدينية اليهودية على إسرائيل، من منطلق الربط التوراتي بتواجد اليهود على ارض فلسطين منذ القدم، لتصبح دولة لليهود فقط، وليس لجميع من يقطنون في فلسطين، وتنهي بنفس الوقت الخوف الديموغرافي السكاني، الذي يعني أن عدد الفلسطينيين سيتجاوز عدد الإسرائيليين في غضون السنوات القليلة القادمة. وتبدأ بمرحلة جديدة من مراحل تشريد فلسطينيي 48 إلى دولة فلسطين التي ستقام على أقل من 22% من مساحتها، وتصبح واقع مقبول وموافق عليه من قبل الفلسطينيين، وبذلك تنتهي المطالبة الفلسطينية بأرض فلسطين، وتعود الأرض إلى اليهود التي لم يدخلوها قط، لأن قوم الجبارين يسكنها، والذين سبق وطلبوا من النبي موسى عليه السلام أن يخرج قوم الجبارين من فلسطين، ليدخلوها، ولكنه لم يستجيب لهم وناجى ربه أن يعاقبهم بالتيه في صحراء سيناء لمدة أربعين سنة، ورجه النبي موسى عليه السلام وقومه من المؤمنين إلى مصر وأقاموا هناك، وبقى العمالقة، قوم الجبارين في أرض فلسطين أرض الأجداد...
على الرغم من ذلك يطل علينا وزير الخارجية الأميركي جون كيري - الذي يعد إسرائيل أولوية الولايات المتحدة القاطعة والمطلقة- باتفاق الإطار في صيغته المقترحة لإنهاء قضايا الوضع النهائي على الجانب الفلسطيني، وتوفير خطوط الحماية الإستراتيجية لإسرائيل، وتحقيق مصالحها في سياق الترتيبات التي تكرس الاعتراف الفلسطيني والعربي بالدولة اليهودية والرضوخ لمشروع توطين الفلسطينيين وشطب حق العودة . إن ذلك الإطار سيركز على التبادلية (الأرض والسكان) بحيث تعتبر إسرائيل كـ "الدولة القومية للشعب اليهودي" بينما تعتبر فلسطين "الدولة القومية للشعب الفلسطيني" لا تشكل أساسا لحل قضايا الحل النهائي. حيث أن الشعب الفلسطيني وقيادته لا يبحثان عن دولة قومية خاصة به، فهو جزء من الأمتين العربية والإسلامية، بل يسعى للحصول على حقوقه الوطنية التاريخية الثابتة وهي حق العودة وتقرير المصير، وأن ما تطرحه الوثيقة الأمريكية بالخصوص ما هي إلا لذر الرماد في العيون، وسيعمل على تكريس إسرائيل لقوانينها بدءً بقانون الجنسية عام 1952 ومرورا بالقوانين التي تركز على الدين اليهودي...حتى مناهجها التعليمية، وخاصة في الطبعة الجديدة لعام 2014 لكتاب مدنيات أي كتاب التربية الوطنية، التي بدأت بحذف مصطلح "دولة جميع مواطنيها" منها، كما وأخرجت البدو الفلسطينيين من فلسطينيتهم وقوميتهم العربية والإسلامية، كما وسبق أن أخرجت العرب الفلسطينيين من الدروز قوميتهم العربية ووضعتهم بقومية خاصة بهم، ومن يعلم ربما في الطبعة الجديدة القادمة لن نجد عرب أصلا!!.في ضوء سياسة إسرائيل العنصرية، فإن مطالبتها للقيادة الفلسطينية الاعتراف بيهودية الدولة... يتأتى للتخلص من الفلسطينيين الذين ثبتوا وتجذروا في أرضهم رغم المجازر والقتل والتشريد بحقهم... وإنهاء قضية اللاجئين والعودة لديارهم... من خلال سن وتشريع القوانين العنصرية وانتزاع حقوق فلسطينيو 48 أراضي والحد من وجودهم.
كما أن الاعتراف الفلسطيني والعربي بإسرائيل كدولة يهودية للشعب اليهودي في العالم ينطوي على مخاطر وتهديدات جمَة تمس في جوهرِها الوجود التاريخي والحضاري والحق الفلسطيني في فلسطين. ولمواجهة يهودية الدولة، يتطلب التأكيد على:
· التمسك بالحقوق التاريخية الثابتة وخاصة الحق التاريخي والحضاري وحق العودة وتقرير المصير، عبر استخدام كافة أشكال المقاومة لتحقيقها.
· تطبيق قرارات الشرعية الدولية وخاصة قرار التقسيم رقم 181، الذي أنشئ دولتين على أرض فلسطين، والقرار 194 القاضي بعودة اللاجئين والتعويض.
· إنهاء الانقسام وإعادة اللحمة الوطنية والإسلامية بالعودة إلى برنامج الحد الأدنى الوارد ضمن وثيقة الوفاق الوطني واتفاقيتي القاهرة والدوحة، وصولا لبلورة إستراتيجية لإدارة الصراع مع "إسرائيل" ومنعها من تحقيق أهدافها المعلنة، المرتبطة بالقدس والعودة وحدود الدولة، وسيادتها الكاملة على أرضنا، وخاصة القدس والأماكن المقدسة، وصبغها باليهودية التوراتية وصولا إلي إعادة بناء إسرائيل على أسس دينية يهودية عنصرية وتصفية المشروع الوطني الفلسطيني.
· دعم القيادة الفلسطينية من قبل الشعب والفصائل الفلسطينية الإسلامية منها والوطنية وترسيخ موقفها في الحفاظ على الثوابت الأساسية في المفاوضات الجارية مع الإسرائيليين والأمريكان.
· تكثيف الجهود الفلسطينية والعربية تجاه بلورة رأي عام دولي يدعم الحق الفلسطيني في الانضمام إلى المؤسسات الدولية التابعة للأمم المتحدة وخاصة محكمة الجنايات الدولية لمحاكمة من يطالبون بيهودية الدولة المخالفة للقانون الدولي ولشروط قبول عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة.
· العمل من أجل أن لا تستمر المفاوضات لفترة أطول من المدة المحددة تسعة أشهر حسب ما تم الاتفاق علية.
· إشراك الشعب الفلسطيني في تقرير مصير المفاوضات.
· مواجهة التمييز العنصري بحق فلسطينيي 48 على كل المستويات، وتهديدهم بالترانسفير سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وصولاً إلى دفعهم إلى "الهجرة الطوعية" في أحسن الأحوال، أو في الانصياع للطابع اليهودي للدولة، والقبول بالمواطنة من الدرجة الثالثة.
· دعم المواطن الفلسطيني في مدينة القدس للحفاظ على المدينة والأماكن المقدسة من التهويد.
· تعزيز جهود الجاليات الفلسطينية والعربية في الدول الأوروبية والأمريكية في دفاعهم عن الحقوق الفلسطينية ودحض الافتراءات الإسرائيلية، والتصدي للمساعي الإسرائيلية بإعلان يهودية إسرائيل الخالصة.
· مطالبة جامعة الدول العربية أخذ دورها في مواجهة يهودية الدولة من خلال التنسيق لحملة دبلوماسية دولية لفضح السياسة العنصرية الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
· تعزيز الحملة الدبلوماسية الفلسطينية لجمع التأييد للانضمام إلى عضوية المؤسسات ووكالات الأمم المتحدة.
وختاما نقول، أن إسرائيل والإدارة الأمريكية لن يجدا فلسطينيا واحدا يمنح الاعتراف بيهودية إسرائيل... ذات المحتوى العنصري للمشروع الصهيوني، والذي يتعارض مع القيم الإنسانية والقوانين الدولية... حيث رد رئيس دولة فلسطين محمود عباس على المطالبة الإسرائيلية بالاعتراف بيهودية إسرائيل، بقوله " أن بإمكان قادة إسرائيل أن يسميا إسرائيل، كما يشاءون فهذه مسألة تخصهم، ولا علاقة لنا بها، إذا ما أصروا على يهودية إسرائيل"، وإن إصرارهم على الاعتراف بيهودية إسرائيل، يكشف أن هدفهم ليس مجرد اعتراف بهويتها اليهودية، وإنما يمس الأرض نفسها، بمعنى أن فلسطين – من وجهة النظر الإسرائيلية -حق لليهود وملك لهم، لا ينازعهم في ذلك الفلسطينيون والعرب والمسلمون بمن فيهم المسيحيون الفلسطينيون، مما يعني إلغاءً للحق التاريخي في أرضه فلسطين، وطمس لحقوق الشعب الفلسطيني الذي يملكها حصريا وتاريخياً".
وعلى الرغم من عدم التزام إسرائيل بالشروط التي حصلت بموجبها على عضويتها في الأمم المتحدة، وعلى الرغم من التواطؤ والموافقة الضمنية للإدارة الأمريكية التي تؤكد على المعايير المزدوجة لسلوكها، وتعاملها مع الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني في المفاوضات ... فإن المنطق تتطلب من أي دولة في العالم وليس فقط نحن الفلسطينيين مطالبة الأمم المتحدة بتجميد عضوية إسرائيل فيها، كخطوة في مسار تصويب أوضاع المنظمة الدولية، وتنفيذ ديباجة ميثاقها، وصولا لتصحيح هذا الخطأ التي تتحمل مسؤوليته المنظمة الدولية، والذي لا يزال يدفع ثمنه الشعب الفلسطيني الرازح تحت أطول احتلال في التاريخ الحديث والمعاصر... الذي سيستمر في كفاحه بكافة أشكال المقاومة، حتى الحصول على كافة الحقوق التي شرعتها له المواثيق الدولية والمتمثلة في إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس.
أستاذ العلوم السياسية
رئيس قسم العلوم السياسية/جامعة الأزهر
شكلت عملية السلام والمفاوضات الجارية مخرجا لإسرائيل، لتحسين صورتها كدولة احتلال، وفرصة لتحويل نفسها من دولة قومية لليهود في العالم، ولجميع سكانها إلى دولة يهودية. وتسعى من خلالها ومن خلال القوانين العنصرية المختلفة إلى التخلص أو الحد من وجود الفلسطينيين المستمر في فلسطين والذي يشكل عددهم اليوم 20% من مجموع السكان وهم في تزايد مستمر، بعد أن طرد ما يقارب 800 ألف فلسطيني عام 1948، على الرغم من ذلك فإن مصير كل هذه المحاولات كان الفشل، وذلك بعد مرور أكثر من ست ستين عامًا على تأسيس إسرائيل، وفي ضوء الإحصائيات الإسرائيلية التي أشارت إلى إن الفلسطينيين بحلول العام 2030، سيتساوون بالعدد مع اليهود، مما أدى إلى الاستشعار بالخطر على المفهوم الأيديولوجي لإسرائيل، واستدعى مطالبة المفاوض والقيادة الفلسطينية الاعتراف بيهودية إسرائيل التي تشكل قضية ايدولوجية عقائدية، تقوم على أساس الصراع القومي الديني الحضاري الاجتماعي في فلسطين. ومع سيطرة اليمين الإسرائيلي المتطرف على مقاعد الكنيست الإسرائيلية الحالية، أجبرت حكومة إسرائيل إلى التأكيد على دعواتها للقيادة الفلسطينية بالاعتراف بيهودية إسرائيل كدولة لليهود، في الوقت الذي أكدت فيه القيادة الفلسطينية إصرارها على رفض ذلك، بصفتها مطالبة عنصرية وتطال الحقوق والحقيقة التاريخية التي تؤكد ارتباط الشعب الفلسطيني في فلسطين وتلغي حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم وبلداتهم التي هجروا منها، كما وتطال ما يقارب المليوني فلسطيني الذين بقوا في أراضيهم رغم البطش والتقتيل داخل فلسطين التاريخية. إضافة إلى أن الاعتراف بيهودية الدولة يلغي الرواية الفلسطينية حول نكبة وتشتيت الشعب الفلسطيني، ويلغي مسؤولية الاحتلال الإسرائيلي عن جريمة ومأساة تحويل الشعب الفلسطيني إلى لاجئين مشردين في دول العالم، وبنفس الوقت تترجم إدعاء اليهود بحقهم في العودة إلى الأرض المقدسة، كما ويشرع قضية تبادل السكان لفلسطينيي 48 في الداخل وترحيلهم باعتبار أن إسرائيل فقط لليهود والفلسطينيين فيها هم رعايا أجانب وعليهم مغادرتها.
ولكي نفهم لماذا يتمسك اليمين الإسرائيلي المتشدد وحتى اليسار الإسرائيلي بتحويل إسرائيل إلى دولة يهودية باعتراف فلسطيني، يتعين علينا أن نعود إلى الجذور وبالتحديد إلى المؤتمر الصهيوني الأول الذي عقد في مدينة بازل بسويسرا بتاريخ 28-30 أغسطس عام 1897م، حيث طالب تيودور هرتزل المؤتمرون بإقامة دولة يهودية لجميع اليهود، من خلال توجيه الهجرات اليهودية من أنحاء العالم إليه –دولة يهودية لا تقوم على أساس ديني، بل استعان هرتزل بالدين كوسيلة وأداه لتجميع اليهود على أرض فلسطين التي تجمع الديانات السماوية الثلاث - لحل مشكلة تشتتهم وتجميعهم على أرض تنال موافقة الجميع منهم. وبعد مرور عشرين عاما، لبت حكومة الاحتلال البريطاني رغبة الحركة الصهيونية، بعد ما سقطت الخلافة العثمانية بهزيمة الدولة التركية في الحرب العالمية الأولى، وتم احتلال بريطانيا لفلسطين، التي قامت بإصدار وعد بلفور سنة 1917 الذي منح أرض فلسطين التي لا يملكها، لأناس لا يملكونها، فقط لتنفيذ وصية هرتزل والحفاظ على المصالح البريطانية في المنطقة العربية التي تشكل فلسطين قلبها النابض، الذي نص على : « تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل – الحكومة البريطانية - غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن لا يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين، أو الحقوق و الوضع السياسي التي يتمتع بها اليهود في أي بلد آخر.» باعتبار أن الفلسطينيين العرب أصحاب الأرض الشرعيين أقلية وعدم الاعتراف بهم. وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وحتى أربعينيات القرن العشرين، حظيت شعوب منطقة الشرق الأوسط بدول قومية خاصة بها ما عدا فلسطين، وحينما تم عرض المحتل البريطاني دولة على الفلسطينيين وفقا لخطة بيل في سنة 1937 فوجئوا بأن عليهم أن يتقاسموا أرضهم مع اليهود الذين تم جلبهم من أوروبا.
ومع استمرار الاحتلال البريطاني لفلسطين حتى رحيله عام 1948م، دون أن يمنح فلسطين الاستقلال أسوة بالشعوب التي استعمرتها، وتركت البلاد تتصارع، حيث صدر القرار الشهير رقم 181 عن الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال دورتها الثانية المنعقدة بتاريخ 29 نوفمبر1947، القاضي بتقسيم فلسطين الخاضعة للانتداب البريطاني إلى دولتين واحدة دولة يهودية وأخرى دولة فلسطينية وإبقاء القدس تحت الوصاية الدولية. ولم تلتزم إسرائيل بالمساحة المحددة لدولتهم بمقتضى قرار التقسيم، وسيطرت على ما يساوي 77.4%من إجمالي مساحة أراضي فلسطين الانتدابية، وأخذت تطبق مبدأ الأرض النظيفة، أي الأرض الخالية من السكان، من خلال تنفيذها لسياسة التطهير العرقي عبر حملات الطرد والتهجير ألقسري التي قامت بتنفيذها لإرغام الفلسطينيين على ترك ديارهم وممتلكاتهم الواقعة في المناطق التي سيطرت عليها. فقد أعلن بن غوريون رئيس الوكالة اليهودية آنذاك، في الرابع عشر من أيار العام 1948- قبل يوم من انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين- عن قيام "دولة إسرائيل" وفقاً لقرار الأمم المتحدة (29/11/1947) القاضي بإقامة دولتين في فلسطين، مع العلم أن الأسماء التوراتية لإطلاقها على الدولة الوليدة (دولة يهودا، دولة صهيون، دولة أرض إسرائيل، دولة عابر) لم تحز بالموافقة من قبله، بل أعلن أن اسم الدولة الرسمي الذي حظي بأكثرية الأصوات سيكون "دولة إسرائيل" واختصاراً " إسرائيل".
وتبع ذلك تبني الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم (273) الصادر عنها في دورتها الثالثة بتاريخ 11/5/1949م، والمتعلق بطلب إسرائيل الانضمام لعضوية الأمم المتحدة، التي اشترطت عليها أن تكون دولة محبة للسلام – وليس دولة عنصرية تقوم على أساس ديني وتضطهد الأديان والقوميات الأخرى – وأن تكون قادرة على تحمل الالتزامات الواردة في ميثاق الأمم المتحدة وراغبة في تنفيذها. ونزولا لطلب الانضمام لعضوية الأمم المتحدة، قبلت إسرائيل دون تحفظ الالتزامات الواردة في ميثاق الأمم المتحدة، وتعهدها بأن تحترم منذ اليوم الذي تصبح فيه عضوًا في الأمم المتحدة، تلك الالتزامات. وعلى الأرض، فقد سجلت إسرائيل انتهاك ومخالفة وعدم احترام والتزام بحدودها المقرة في قرار التقسيم وحق اللاجئين في العودة، الصادر عن الجمعية العامة، وقيامها بالسيطرة على مساحات شاسعة من الأرض المخصصة للدولة العربية، وتنفيذها لأعمال التهجير القسرى للسكان وغيرها من الجرائم والانتهاكات، على الرغم من ذلك فقد تم قبول إسرائيل عضواً في الأمم المتحدة.
ومع بداية عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991م، والاعتراف المتبادل بينهما، بدأ التفكير لدى الحكومة الإسرائيلية بتكريس مفهوم يهودية الدولة برفضهم التعاطي مع حق العودة والإصرار على عدم تقسيم القدس من خلال التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية وابتلاع الأراضي الفلسطينية وتفتيتها جغرافيا وفرضه كأمر واقع بشكل ممنهج والقضاء على أية فرصة لإقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافيا وقابلة للبقاء وضمان بقاء القدس العاصمة الأبدية والموحدة للشعب اليهودي، وبنفس الوقت تعمل على تحسين صورة إسرائيل كدولة احتلال.
علما أن رؤساء الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بدءاً بارئيل شارون، وانتهاء ببنيامين نتنياهو، ومرورا ب أيهود أولمرت، قد حرصوا على مطالبة الجانب الفلسطيني الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية (27/11/2007).. وعلى صعيد الإدارة الأمريكية صار الرئيس الأميركي السابق جورج بوش على منوال رؤساء حكومات إسرائيل، مطالبة القيادة الفلسطينية الإعلان عن إسرائيل كدولة يهودية حيوية. وكذلك الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي طالب بالاعتراف في إسرائيل كدولة يهودية، وكرّر ذلك أمام لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (إيباك) في العام 2008، وفي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول من العام 2010 ، الذي أعلن فيه التزام الولايات المتحدة الاعتراف بإسرائيل بصفتها دولة يهودية، على الرغم من شطب الرئيس الأمريكي الأسبق ترومان - مصطلح إسرائيل دولة يهودية - في خطاب الاعتراف واستبداله بمصطلح دولة إسرائيل كدولة ديمقراطية وليس دولة يهودية، كما حددها رئيس الوكالة اليهودية آنذاك ديفيد بن غوريون..
وبعد مرور أكثر من ست وستين عامًا على قيام إسرائيل، ومفاوضات ماراثونية لأكثر من عشرين عاما لازالت مستمرة، خرجت حكومة الاحتلال الإسرائيلي برئاسة ببنيامين نتنياهو بشرط مُسبق أثناء المفاوضات بوساطة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري- سبق وأقره الكنيست الإسرائيلي في عام 2003م قرارا يقضي بضرورة تعميق فكرة يهودية الدولة- للمضي قدمًا في المفاوضات مع الجانب الفلسطيني وهو اعتراف الفلسطينيين والعرب بإسرائيل كدولة يَهودية بعد أن كان المطلب الرئيسي لحكومات إسرائيل المتعاقبة خلال العقود الماضية هو الاعتراف الفلسطيني والعربي بحقها في الوجود، والتي حصلت عليه من خلال الاتفاقيات السلام الموقعة مع جمهورية مصر العربية والمملكة الأردنية الهاشمية، إضافة إلى المكاتب التجارية والعلاقات مع دول أخرى من المنطقة العربية.
إن إسرائيل من خلال المفاوضات الجارية الآن، وبدعم من الإدارة الأمريكية ووزير خارجيتها جون كيري وجولاته المكوكية، التي أثبتت أنها لم تحترم الاتفاقيات والمعاهدات والمبادئ الدولية التي تتضمن معاقبة إبادة الجنس البشري، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والاتفاق الخاص بشؤون اللاجئين في جنيف، والعهد الخاص بحقوق الإنسان المدنية والسياسية إضافة إلى البروتوكولات الخاصة باللاجئين الفلسطينيين ( حق العودة والتعويض، حق تقرير المصير، حق الشعوب في اختيار من يمثلهم بعد أن قرروا حق من يمثلهم وهو ضروري لتقرير مصيرهم ) واتفاقيات الاعتراف المتبادل الفلسطيني الإسرائيلي، واتفاقيات أوسلو وما نتج عنها، تسعى إلى إجبار القيادة الفلسطينية الاعتراف بيهودية الدولة التي يرى قادة "إسرائيل" أن هذا الاعتراف يفرض الأمر الواقع، وإنشاء حقائق على الأرض، إلي جانب:
· إلغاء الحق التاريخي الكنعاني في فلسطين.
· الدفع قدما بأفكار تحويل إسرائيل إلى «دولة جميع مواطنيها يهود» وطرد الفلسطينيين من سكانها إلى خارجها وإلغاء الاتفاقيات التي ترتكز على وجود دولتين لشعبين.
· إلغاء حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التي هجروا منها عام 1948م.
· سيجعل من الصعب على العرب الفلسطينيين في إسرائيل أن يطالبوا بالمساواة بحقوقهم القومية.
· الاعتراف يهودية إسرائيل سيُسهل مطلب عدم السماح للعرب الفلسطينيين في إسرائيل بحمل جواز سفر مزدوج إسرائيلي وفلسطيني وإسقاط اى حقوق تتعلق بمكانتهم داخل إسرائيل.
في ضوء المعطيات السابقة، نرى من الضرورة أن لا نترك الحكومة الإسرائيلية تشترط علينا كفلسطينيين الاعتراف بيهودية إسرائيل، وأن نطالبهم بالاعتراف بالدولة الفلسطينية التي أقرتها قرارات الأمم المتحدة، وخاصة تنفيذ قرار التقسيم، إلى جانب الشروط التي وافقت إسرائيل عليها عند قبول عضويتها، ونطالبها بالالتزام بوجود دولتها كدولة محبة للسلام!! وليس كدولة قائمة على العنصرية. فغلى الرغم من الخلل في توازن القوى، فقوة الشعب هي أقوى من قوة الحكومات وتوازناتها، التي راهنت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة – يسارية أو يمينية – على ذوبان الهوية الفلسطينية، وأن محاولاتها قد باءت بالفشل، لأن أطفال فلسطين وبعد مرور 66 عاما على نكبة فلسطين، على الرغم من سنوات الاحتلال الإسرائيلي، التي مارست عليهم غسيل الدماغ لما يزيد عن نصف قرن، لا يزالون متمسكون بحبهم وانتمائهم لبلداتهم الأصلية، وعندما تسألهم من أين أنتم؟ يجيبونك فورا من، يبنا، الرملة، صفد، حيفا، ويافا، المجدل... فالاحتلال سيزول ويبقى الانتماء للوطن فلسطين التاريخية الكنعانية حاضرا في عقول وقلوب أبناء فلسطين.
وعليه فإن ما تطلبه الحكومة الإسرائيلية من القيادة والمفاوض الفلسطيني– في المفاوضات الجارية الآن - الاعتراف بيهودية الدولة التي تعد مخالفة للقانون الدولي، لا يجب عليها أن تتساوق معها للأسباب التالية:
· لا يجوز لإسرائيل كجهة محتلة المطالبة من شعب محتل أن تطلب منه الاعتراف بها كدولة يهودية قبل أن ينال دولته المستقلة.
· شكلت "وثيقة الاعتراف المتبادل" بين منظمة التحرير كجهة ممثلة للشعب الفلسطيني من ناحية والحكومة الإسرائيلية من ناحية أخرى، خطوة لوجود دولتين على أرض فلسطين التاريخية وذلك تطبيقا لقرار التقسيم رقم 182/2 الصادر عن الأمم المتحدة بتاريخ 29/11 من عام 1947، والذي ينص على تقسيم فلسطين لدولتين عربية ويهودية".
· أن مطلب إسرائيل الاعتراف بيهوديتها غير منطقي، لأنه يتنافى مع الشرطين التي على أساسها تم قبولها بالأمم المتحدة، وهما: الأول احترامها وتطبيقها لقرار التقسيم وهذا لم يحدث، والشرط الثاني فهو احترامها وتطبيقها للقرار رقم 194 الذي أكد على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين وتعويضهم، وهو ما لم تلتزم به.
بالرجوع إلى ما سبق، فقد وجدت القيادة الإسرائيلية ومن خلفها الدول الاستعمارية، أن فلسطين لا تغيب عن عقول أبنائها رغم محاولات التغييب لهم، وأخذت تطالب بإعطاء الصبغة الدينية اليهودية على إسرائيل، من منطلق الربط التوراتي بتواجد اليهود على ارض فلسطين منذ القدم، لتصبح دولة لليهود فقط، وليس لجميع من يقطنون في فلسطين، وتنهي بنفس الوقت الخوف الديموغرافي السكاني، الذي يعني أن عدد الفلسطينيين سيتجاوز عدد الإسرائيليين في غضون السنوات القليلة القادمة. وتبدأ بمرحلة جديدة من مراحل تشريد فلسطينيي 48 إلى دولة فلسطين التي ستقام على أقل من 22% من مساحتها، وتصبح واقع مقبول وموافق عليه من قبل الفلسطينيين، وبذلك تنتهي المطالبة الفلسطينية بأرض فلسطين، وتعود الأرض إلى اليهود التي لم يدخلوها قط، لأن قوم الجبارين يسكنها، والذين سبق وطلبوا من النبي موسى عليه السلام أن يخرج قوم الجبارين من فلسطين، ليدخلوها، ولكنه لم يستجيب لهم وناجى ربه أن يعاقبهم بالتيه في صحراء سيناء لمدة أربعين سنة، ورجه النبي موسى عليه السلام وقومه من المؤمنين إلى مصر وأقاموا هناك، وبقى العمالقة، قوم الجبارين في أرض فلسطين أرض الأجداد...
على الرغم من ذلك يطل علينا وزير الخارجية الأميركي جون كيري - الذي يعد إسرائيل أولوية الولايات المتحدة القاطعة والمطلقة- باتفاق الإطار في صيغته المقترحة لإنهاء قضايا الوضع النهائي على الجانب الفلسطيني، وتوفير خطوط الحماية الإستراتيجية لإسرائيل، وتحقيق مصالحها في سياق الترتيبات التي تكرس الاعتراف الفلسطيني والعربي بالدولة اليهودية والرضوخ لمشروع توطين الفلسطينيين وشطب حق العودة . إن ذلك الإطار سيركز على التبادلية (الأرض والسكان) بحيث تعتبر إسرائيل كـ "الدولة القومية للشعب اليهودي" بينما تعتبر فلسطين "الدولة القومية للشعب الفلسطيني" لا تشكل أساسا لحل قضايا الحل النهائي. حيث أن الشعب الفلسطيني وقيادته لا يبحثان عن دولة قومية خاصة به، فهو جزء من الأمتين العربية والإسلامية، بل يسعى للحصول على حقوقه الوطنية التاريخية الثابتة وهي حق العودة وتقرير المصير، وأن ما تطرحه الوثيقة الأمريكية بالخصوص ما هي إلا لذر الرماد في العيون، وسيعمل على تكريس إسرائيل لقوانينها بدءً بقانون الجنسية عام 1952 ومرورا بالقوانين التي تركز على الدين اليهودي...حتى مناهجها التعليمية، وخاصة في الطبعة الجديدة لعام 2014 لكتاب مدنيات أي كتاب التربية الوطنية، التي بدأت بحذف مصطلح "دولة جميع مواطنيها" منها، كما وأخرجت البدو الفلسطينيين من فلسطينيتهم وقوميتهم العربية والإسلامية، كما وسبق أن أخرجت العرب الفلسطينيين من الدروز قوميتهم العربية ووضعتهم بقومية خاصة بهم، ومن يعلم ربما في الطبعة الجديدة القادمة لن نجد عرب أصلا!!.في ضوء سياسة إسرائيل العنصرية، فإن مطالبتها للقيادة الفلسطينية الاعتراف بيهودية الدولة... يتأتى للتخلص من الفلسطينيين الذين ثبتوا وتجذروا في أرضهم رغم المجازر والقتل والتشريد بحقهم... وإنهاء قضية اللاجئين والعودة لديارهم... من خلال سن وتشريع القوانين العنصرية وانتزاع حقوق فلسطينيو 48 أراضي والحد من وجودهم.
كما أن الاعتراف الفلسطيني والعربي بإسرائيل كدولة يهودية للشعب اليهودي في العالم ينطوي على مخاطر وتهديدات جمَة تمس في جوهرِها الوجود التاريخي والحضاري والحق الفلسطيني في فلسطين. ولمواجهة يهودية الدولة، يتطلب التأكيد على:
· التمسك بالحقوق التاريخية الثابتة وخاصة الحق التاريخي والحضاري وحق العودة وتقرير المصير، عبر استخدام كافة أشكال المقاومة لتحقيقها.
· تطبيق قرارات الشرعية الدولية وخاصة قرار التقسيم رقم 181، الذي أنشئ دولتين على أرض فلسطين، والقرار 194 القاضي بعودة اللاجئين والتعويض.
· إنهاء الانقسام وإعادة اللحمة الوطنية والإسلامية بالعودة إلى برنامج الحد الأدنى الوارد ضمن وثيقة الوفاق الوطني واتفاقيتي القاهرة والدوحة، وصولا لبلورة إستراتيجية لإدارة الصراع مع "إسرائيل" ومنعها من تحقيق أهدافها المعلنة، المرتبطة بالقدس والعودة وحدود الدولة، وسيادتها الكاملة على أرضنا، وخاصة القدس والأماكن المقدسة، وصبغها باليهودية التوراتية وصولا إلي إعادة بناء إسرائيل على أسس دينية يهودية عنصرية وتصفية المشروع الوطني الفلسطيني.
· دعم القيادة الفلسطينية من قبل الشعب والفصائل الفلسطينية الإسلامية منها والوطنية وترسيخ موقفها في الحفاظ على الثوابت الأساسية في المفاوضات الجارية مع الإسرائيليين والأمريكان.
· تكثيف الجهود الفلسطينية والعربية تجاه بلورة رأي عام دولي يدعم الحق الفلسطيني في الانضمام إلى المؤسسات الدولية التابعة للأمم المتحدة وخاصة محكمة الجنايات الدولية لمحاكمة من يطالبون بيهودية الدولة المخالفة للقانون الدولي ولشروط قبول عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة.
· العمل من أجل أن لا تستمر المفاوضات لفترة أطول من المدة المحددة تسعة أشهر حسب ما تم الاتفاق علية.
· إشراك الشعب الفلسطيني في تقرير مصير المفاوضات.
· مواجهة التمييز العنصري بحق فلسطينيي 48 على كل المستويات، وتهديدهم بالترانسفير سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وصولاً إلى دفعهم إلى "الهجرة الطوعية" في أحسن الأحوال، أو في الانصياع للطابع اليهودي للدولة، والقبول بالمواطنة من الدرجة الثالثة.
· دعم المواطن الفلسطيني في مدينة القدس للحفاظ على المدينة والأماكن المقدسة من التهويد.
· تعزيز جهود الجاليات الفلسطينية والعربية في الدول الأوروبية والأمريكية في دفاعهم عن الحقوق الفلسطينية ودحض الافتراءات الإسرائيلية، والتصدي للمساعي الإسرائيلية بإعلان يهودية إسرائيل الخالصة.
· مطالبة جامعة الدول العربية أخذ دورها في مواجهة يهودية الدولة من خلال التنسيق لحملة دبلوماسية دولية لفضح السياسة العنصرية الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
· تعزيز الحملة الدبلوماسية الفلسطينية لجمع التأييد للانضمام إلى عضوية المؤسسات ووكالات الأمم المتحدة.
وختاما نقول، أن إسرائيل والإدارة الأمريكية لن يجدا فلسطينيا واحدا يمنح الاعتراف بيهودية إسرائيل... ذات المحتوى العنصري للمشروع الصهيوني، والذي يتعارض مع القيم الإنسانية والقوانين الدولية... حيث رد رئيس دولة فلسطين محمود عباس على المطالبة الإسرائيلية بالاعتراف بيهودية إسرائيل، بقوله " أن بإمكان قادة إسرائيل أن يسميا إسرائيل، كما يشاءون فهذه مسألة تخصهم، ولا علاقة لنا بها، إذا ما أصروا على يهودية إسرائيل"، وإن إصرارهم على الاعتراف بيهودية إسرائيل، يكشف أن هدفهم ليس مجرد اعتراف بهويتها اليهودية، وإنما يمس الأرض نفسها، بمعنى أن فلسطين – من وجهة النظر الإسرائيلية -حق لليهود وملك لهم، لا ينازعهم في ذلك الفلسطينيون والعرب والمسلمون بمن فيهم المسيحيون الفلسطينيون، مما يعني إلغاءً للحق التاريخي في أرضه فلسطين، وطمس لحقوق الشعب الفلسطيني الذي يملكها حصريا وتاريخياً".
وعلى الرغم من عدم التزام إسرائيل بالشروط التي حصلت بموجبها على عضويتها في الأمم المتحدة، وعلى الرغم من التواطؤ والموافقة الضمنية للإدارة الأمريكية التي تؤكد على المعايير المزدوجة لسلوكها، وتعاملها مع الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني في المفاوضات ... فإن المنطق تتطلب من أي دولة في العالم وليس فقط نحن الفلسطينيين مطالبة الأمم المتحدة بتجميد عضوية إسرائيل فيها، كخطوة في مسار تصويب أوضاع المنظمة الدولية، وتنفيذ ديباجة ميثاقها، وصولا لتصحيح هذا الخطأ التي تتحمل مسؤوليته المنظمة الدولية، والذي لا يزال يدفع ثمنه الشعب الفلسطيني الرازح تحت أطول احتلال في التاريخ الحديث والمعاصر... الذي سيستمر في كفاحه بكافة أشكال المقاومة، حتى الحصول على كافة الحقوق التي شرعتها له المواثيق الدولية والمتمثلة في إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس.

التعليقات