ماذا يفعل كيري
نبيل عمرو
لم يصل الوزير كيري إلى اليأس، ولكنه فيما يبدو على الطريق إليه. ورغم كل التطورات العاصفة، التي حدثت بين الفلسطينيين والإسرائيليين خلال الأيام الماضية، إلا أن الرجل مازال متشبثاً باحتمال النجاح، وقد منح لجهوده فرصة ثلاثة أسابيع، لعل معجزة تتحقق فيها، وتدخل الجمل من ثقب الإبرة.
إلا أن السيد كيري، يعمل على استثمار المساحة الزمنية الضيقة، بتكثيف ضغوطه التي تبدو ظاهرياً كما لو أنها توجه إلى الطرفين، بينما هي في واقع الأمر توجه إلى الجانب الفلسطيني، الذي هو الأضعف – مادياً- من بين أطراف المعادلة جميعاً.
وبوسعي إيراد عينات من ضغط كيري المغلفة بلغة ديبلوماسية رقيقة، فهو يقول للفلسطينيين مثلاً، إنه إذا لم يتخذوا قرارات مؤلمة يصفها عادة بالشجاعة، فسينصرف عن قضيتهم إلى قضايا أخرى ساخنة، وإذا ما أضفنا هذا التهديد إلى ترجمة دقيقة لما وراءه، فإننا نخلص إلى أن الرجل يعني دون أن يقول ذلك صراحة: "سوف أترككم للإسرائيليين، الذين يعرفون كيف يلحقون بكم الأذى في حال انتهاء العملية السياسية، التي كانت بحد ذاتها مصدر حماية ولو نسبية لكم".
ومعنى انصراف كيري إلى قضايا أكثر سخونة، يفسره بالتفصيل العديد من الوزراء الإسرائيليين، الذين سارعوا إلى تقديم نماذج من العقوبات التي يمكن أن يتخذوها كرد على التوجه إلى المنظمات الدولية، وهذه العقوبات بمجموعها تشكل خنقاً شديد الايلام للفلسطينيين، يطال جميع جوانب حياتهم وحقوقهم وتطلعاتهم.
ولو نفذ الإسرائيليون رزمة العقوبات التي هددوا بها، جزئياً أو بالتدريج، فإن الجهة الوحيدة في العالم التي تملك ثني الإسرائيليين ولو نسبياً عن إجراءاتهم العقابية هي الولايات المتحدة، وهذا أيضاً نوع من الضغط القاسي والمباشر، الذي يراهن الأمريكيون عليه، لعله يرغم الفلسطينيين على طرق الأبواب الأمريكية مجدداً، مقدمين تنازلات لم يقدموها من قبل، وبهذا يستطيع الأمريكيون تسويق نجاح بائس، يبعد الفشل الصريح عن التداول، ويمنح السيد كيري فسحة زمنية إضافية لمواصلة العمل على مشروعه الصعب إن لم نقل المستحيل.
وللضغط الأمريكي على الفلسطينيين وسائل أخرى، مثل خفض مستوى التدخل. فمثلما منح الرئيس أوباما وزير خارجيته كيري الحق في التصرف واتخاذ القرارات فيما يتصل بالخطوات الأمريكية لمعالجة الأزمة الأخيرة، فإن السيد كيري كلف مساعده مارتن إنديك، ببذل الجهد الأساسي في الفترة المتبقية أي الأسابيع الثلاثة التي بانتهائها تنتهي الفترة الزمنية لتفويضه الذي بدأ منذ ثمانية أشهر، وفي هذه الفترة إن تمكن السيد إنديك من تحقيق بعض التقدم الذي يستحق عودة كيري إلى المنطقة وإعلان انتهاء الأزمة فسيفعل ويحصد نجاحاً ما، وإن لم يتمكن فقد يدير الظهر، ولكن تحت عنوان مراجعة الوضع من جديد، وهذه المراجعة ستكون عامل ضغط إضافي على الفلسطينيين الذين ينوؤن أصلاً تحت الضغط الإسرائيلي القديم والمستجد.
الفلسطينيون من جانبهم يواجهون واحداً من اصعب التحديات، إنه تحدي الخيارات الصعبة والمكلفة، التي ستضعهم حتماً في مواجهة معارك ساخنة مع الإسرائيليين، الذين يتسلحون بقدرة متنامية على إلحاق الأذى بهم، ولعل أخطر ما يواجهه الفلسطينيون أنهم سيخوضون هذه المعارك وحدهم في وقت ينشغل فيه العالم، بما في ذلك أهلهم العرب، عنهم.

التعليقات