المفكر السياسي أحمد الفقيه :هناك من يلعب بالنار.. والصراع بين الإصلاح والحوثيين سياسي بامتياز
حوار وديع العبسي
- وجود نظام قضائي نزيه أولوية مطلوبة لبناء دولة النظام والقانون
- التخوف من الفيدرالية غير واقعي.. ولا أرى رابطا بين الهيكلة والحوار
- الوثيقة الفكرية لجماعة الحوثي هدفها الرئيس إثبات زيدية الجماعة
- هناك من يلعب بالنار.. والصراع بين الإصلاح والحوثيين سياسي بامتياز
- الإمامة مقام ديني وليس سلطويا، وتحرك السلفيين للعمل السياسي صحيح
- لا يمكن لأنصار الشريعة تحقيق أي مكاسب إذا حزمت الدولة أمرها
** يبقى التغيير فعلاً طبيعياً نعايشه دائما لكنه أيضا يفترض مزامنته بالوعي في كيفية إحداث التغيير والإفادة منه لضمان تحقيق نماء مستدام منه.. كما يفترض الابتعاد عن الصيغ المتشنجة المرتهنة إلى الماضي أو الأفكار التقليدية.
في سياق حوار "الثورة " مع المفكر السياسي أحمد صالح الفقيه تنفتح الآفاق لرؤى تختزل اللحظات المتأزمة فتنبئ عن قيم ذات أبعاد تعكس حاجة الواقع من الأفكار لسبر المستقبل.
تفاصيل الحوار:
> ما الذي تقتضيه المرحلة القادمة لخلق حالة التوافق المطلوبة من اجل تحقيق التغيير؟
- الثورة حالة متجاوزة لرواسب الماضي فكرا وسلوكا ولكن بشرط أن يحدث التجاوز لدى الثوار وأن يتمظهر في الأشخاص والأفكار والسلوك. معضلة ثورتنا أن هذا التجاوز لم يكن متوفرا لدى من نصبوا أنفسهم قادة لها بقوتي المال والسلاح.
أصارحك القول الثورة كوسيلة تغيير في اليمن انتهت وماتت بالسكتة عشية توقيع المبادرة الخليجية. صحيح أن الرئيس صالح استبدل بالرئيس هادي ولكن المشكلة ليست في الأشخاص فقط . هم أبسط جزء من المشكله. التغيير الذي تنشده الثورات هو تغيير القوانين والأنظمة التي جعلت الممارسات السيئة والخاطئة ممكنة . المبادرة وضعت العربة أمام الحصان وأتت برئيس له كل صلاحيات سلفه وذلك باب واسع للفساد والتجاوزات، المفروض أن تقوم حكومة انتقالية تسهل قيام مجلس تأسيسي يغير الدستور ثم ينتخب برلمان يغير القوانين وبعدها تجري انتخابات رئاسية. أما في ظل القوانين القديمة والدستور القديم الثورة لم تحقق شيئا.
> إذن أنت لا ترى أملا في حدوث تغيير؟
- لا لا على العكس، هناك فرصة عظيمة للتغيير الإيجابي الكبير. لاحظ أن السلطة المطلقة في يد رجل ذي أجندات شخصية وخاصة هي مصيبة كبرى، ولكنها في يد الشخص المناسب يمكن أن تكون نعمة كبرى، وخاصة في الظروف الاستثنائية التي تتطلب سلطات استثنائية لأنها تتيح له التصرف بحسم وحزم وقوة. والرئيس هادي بيده سلطة مطلقة لأنه يحكم بموجب الدستور القديم. وقضية أنصار الشريعة محك لقدراته القيادية، ونجاحه في القضاء عليهم يمنحه قوة معنوية هائلة داخليا وخارجيا.
وهنا يجب التوقف وملاحظة أن الحصانة تخص الأفعال السابقة لصدورها ولاتشمل الجرائم اللاحقة لصدورها، فإذا ثبت تورط أي شخص أو حزب في دعم جرائم أنصار الشريعة فإن القانون يجب أن يضرب المجرمين بسيفه الباتر أيا كانوا. وستكون تلك اللحظة هي البداية الحقيقية لبناء الدولة الحديثة دولة النظام والقانون في اليمن. ولعل الأقدار شاءت لهذه البلاد ألا تقع بأيدي القوى الظلامية المتخلفة الجشعة.
> قراءتك للتحديات التي تواجه واقعنا اليوم؟
أهم تحد يواجه اليمنيين اليوم هو بناء الدولة، دولتنا يصفها العالم إذا أنصفها بأنها دولة على أعتاب الفشل، وللدولة الفاشلة مواصفاتها، فهي الدولة التي لا تفرض فيها حكومتها سيطرة فعالة على أراضيها، ولا ينظر إليها على أنها شرعية من قبل شريحة مهمة من سكانها، ولا تقدم الأمان الداخلي أو خدمات عامة أساسية لمواطنيها وتفتقر الى احتكار استخدام القوة .وكل هذا متوفر لدينا والى جانبه أزمات أخرى مثل أزمات الهوية والمشاركة والتغلغل والتوزيع .
> هل يمكنك التحدث عن هذه الأزمات وطبيعتها؟
- نعم أزمة الهوية تحدث عندما يصعب انصهار كافة أفراد المجتمع في بوتقة واحدة، تتجاوز انتماءاتهم التقليدية أو الضيقة، بحيث يشعرون بالانتماء إلى المجتمع والتوحد معه. نرى ذلك في صعدة وفي المحافظات الجنوبية والشرقية.بسبب التمييز والاستهداف ونراه لدى القبائل التي لاتشعر بالانتماء الى المجتمع إلا أذا تمكنت من الاستحواذ على الدوله والتصرف بمقدراتها.
أما أزمة المشاركة فتنتج عن عدم تمكن المواطنين من الإسهام في الحياة العامة لبلادهم. مثل المشاركة في اتخاذ القرارات السياسية ، أو اختيار المسؤولين الحكوميين.
مراكز القوى
> ولكن توجد المجالس المحلية وهي توفر المشاركة إلى مستوى المديرية؟
- حتى مع توافر مؤسسات سياسية كالمجالس المحلية التي يمكن أن تستوعب القوى الراغبة في المشاركة، إلا أن قسماً كبيراً من المجتمع اليمني يشعر بأن الانتخابات تزور أو تستخدم فيها إمكانيات الدولة لصالح الحزب الحاكم بصورة غير قانونية. وأن التعيين في المناصب الحكومية يتم وفقا لمعايير غير قانونية وغير صحيحة. وزاد على ذلك إصابة البلاد بوباء التوريث فأصبحت المناصب كالمهن سواء بسواء فكما يصبح ابن الجزار جزارا وابن التاجر تاجرا رأينا ابن الوزير يصبح وزيرا وابن القائد العسكري يخلفه في قيادته. ثم أصبحت الوزارة من لوازم بعض البيوتات.. إلخ. ثم تأتي مراكز قوى لتحصل على منافع غير متاحة لبقية المواطنين. أراضٍ مجانية وعقود مقاولات وحتى قطاعات نفطية ولم يتركوا رغم ثرائهم حتى المنح الدراسية التي هي من حق المتفوقين من أبناء الشعب فاستولوا عليها وحرموهم هذا إضافة إلى المخصصات المالية والهبات العينية كالسيارات والاراضي، فإذا بهم يزدادون ثراء ويزداد الشعب فقرا. مرت حقبة النفط أو تكاد دون أن يحس المواطن أثرها عليه، بل إنه يشعر أنه كان احسن حالا قبل ظهور النفط.
أزمة التغلغل
> وماذا عن بقية الأزمات؟
- أزمة التغلغل وهي عدم قدرة الحكومة على الوصول إلى كافة أنحاء إقليم الدولة وفرض سيطرتها عليه، وكذلك الوصول إلى كافة البنى الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع. وهذا أمر واضح بذاته في اليمن..وعلى سبيل المثال استدعي العليمي الى مجلس النواب لمساءلته عن سبب عدم العمل على الافراج عن مختطفين لدى قبيلة بني ضبيان، فقال بالحرف الواحد إن الدولة غير قادرة على فرض القانون على القبيلة لأنها أقوى من الدولة، ومثال آخر كشفه الشيخ محمد مساعد العرشاني عضو مجلس جامعة الايمان لصحيفة الجمهور وقال عندما سئل عن الرقابة على الجامعة إن الزنداني لم يرض أن يخضع لأي شيء، الأمن السياسي كان يرسل واحداً كمندوب في الجامعة فيتم طرده من الباب.. الزنداني لم يخضع جامعة الإيمان لا ماليا ولا إداريا ولا منهجيا..وقس على ذلك
أما أزمة التوزيع : فهي متعلقة بمهمة النظام السياسي في توزيع الموارد والمنافع المادية وغير المادية في المجتمع، وقد تحدثنا عن الجور والاستحواذ ولكن هناك جانباً آخر للتوزيع فمشكلة التوزيع ليس فقط توزيع عوائد التنمية وإنما أيضا توزيع أعباء التنمية. وهنا تأتي مشكلة المعايير التي ينبغي الاعتماد عليها في تحقيق هذا التوزيع. وفي اليمن هناك علاوة على ما تنهبه مراكز القوى، هناك تحميل للاعباء الضريبية على كاهل الموظفين محدودي الدخل بنسبة ثلاثة أرباع المحصل مقابل الربع لبقية القطاعات. وكذلك في ثمن الكهرباء والماء لايدفعها المتنفذون الأغنياء ويدفعها الفقراء.. وبتصوري إن سبب ذلك ضعف الوعي الدولتي لدى القيادات أي فكر بناء الدولة وهذه ليست مشكلة يمنية فقط ولكنها تكاد تكون مشكلة عربية. القيادات ألغت أو أنها لم توجد الفصل بين بنية الدولة الدائمة بطبيعتها والسلطة السياسية المتغيرة بطبيعتها، وهذا نتيجة لخروج أركان الدولة على القوانين المتوفرة التي تنص على ذلك. فنشأت أنظمة دول يستأثر بها الحزب القائد، الامر الذي أدى الى تهميش الاغلبية الساحقة واستعدائها، فانعدم كل من الشرعية والاستقرار النابعين من رضى المواطنين، والحكم الرشيد الناشئ عن المواطنة المتساوية، وتكافؤ الفرص.
وعدم بناء دولة النظام والقانون التي يسود فيها القضاء العادل العادي القوي بما يحقق سيادة القانون وهيبته، ولجأت عوضا عن ذلك الى مخالفة القوانين واعتبارها حبرا على ورق لا يستحق الاحترام ولا يلزمها، أو لجأت إلى إحكام الطوارئ والمحاكم الاستثنائية، وتلاعبت بالهيئات القضائية وحرمتها من الاستقلالية، بل وأسوأ من ذلك ما حدث في اليمن من ضخ لضباط الأمن إلى النظام القضائي والنيابة العامة حتى أصبحا مكونين من ضباط الأمن وبنسبة تفوق 80%. وساد صراع على السلطة بين القيادات بسبب فقدان الشرعية، فتكرس حكم مراكز القوى والخروج على القانون، وهو ما أدى الى تعثر التنمية التي تستلزم سوقا موحدة يحكمها قانون سائد على الجميع يشيع الثقة والطمأنينة لدى المستثمرين.
وأخيرا هناك استئثار الحكام وأشياعهم بوظائف الدولة الحساسة والفنية على أساس أهل الثقة بدلا من أهل الخبرة وهذا أدى الى تهميش ذوي المعرفة والخبرة ودفعهم الى الهجرة، الأمر الذي أدى بدوره الى فقدان التراكم المعرفي في بنية الدولة وانقطاعه، وهو السبب في كثير من السياسات والمغامرات والقرارات الخاطئة في مختلف المجالات واوصل هذه الدول الى الفشل في آخر المطاف.
الدولة الحديثة
> ولكنك تعلم بأن الدولة عندنا مكونة من سلطات تنفيذية وتشريعية وقضائية؟
- جاءت الدولة الحديثة في الأساس بفكرة الفصل بين السلطة المتغيرة والدولة الدائمة، التي ينبغي الحرص على بنائها بحيث تكون دولة لكل مواطنيها لاتحجب الوظائف في أجهزتها عن أي منهم لأسباب عرقية أو طائفية أو مذهبية .....الخ ولا يمس موظفوها إلا طبقا للقانون الذي ينظم شئون خدمتهم، الامر الذي يسمح بتراكم الخبرات وعدم ضياعها أو انقطاعها. ثم يأتي بعد ذلك الفصل بين السلطات.
وللأسف كان تكوين وبناء الدولة في الدول العربية، المحكومة بالانظمة الثورية، قد أصبح يحمل بداخله بذور فنائها، أي استحواذ الحزب الحاكم أو الرئيس على كل مكونات الدولة وهو ما حدث في الصومال والعراق . ضعف الفكر الدولتي فكر بناء الدولة لدى النخب العربية ظاهر للعيان بصورة تفقأ العين. وعلى سبيل المثال فإنه على الرغم من أن الأردن ولبنان وفلسطين وسوريا كانت تاريخيا جزءا من سوريا الكبرى، الا أن الأردن فقط هو الذي بنى دولته على أساس من المواطنة المتساوية، وتكافؤ الفرص، الى حد كبير نسبيا، فجنب دولته الآثار التي تؤدي إلى تآكل شرعيتها ومن ثم فشلها.
بينما نرى أن لبنان، الذي اعتمد المحاصصة بين الطوائف في بناء الدولة، وقد أصبح قراره السياسي رهينة للقوى الخارجية التي يستقوي بها أطراف المحاصصة اللبنانية على بعضهم البعض، وأصبح البلد مسرحا للحروب الاهلية المتكررة. وسار الفلسطينيون على نفس الدرب في إنشائهم لسلطتهم الوطنية، عندما قام تنظيم فتح بإنشاء اجهزة دولة يسيطر عليها أعضاؤه، وجرى تهميش منظمة التحرير وبقية الفصائل، الأمر الذي أدى الى الحرب الأهلية بين فتح وحماس. وتحمل الدولة السورية في بنيتها ملامح دولة التغلب السلطانية القديمة، التي يسيطر فيها حزب البعث وطائفة الرئيس على مفاصل أجهزة الدولة ، وقد تنبأت في مقال منشور منذ أعوام بأن هذا الأمر يجعلها في خطر عظيم من حروب أهلية قادمة لا محالة، تحكم عليها بالتمزق والفشل، كما جرى للصومال والعراق. أما الحال قي اليمن فإن قيام الوحدة على أساس المحاصصة في وظائف الدولة من قبل نظامين لم يحسنا بناء الدولة في الأساس قد أدى إلى الحرب عام 1994، ثم أضيف إليه التمييز في المواطنة الذي طال سكان أغلبية المحافظات وخاصة المحافظات الجنوبية والشرقية والغربية، إلى جانب الفساد المستشري والخروج على القانون من قبل أجهزة الدولة والمتنفذين فيها.
عوامل نجاح
> هل توجد عوامل محددة لنجاح الدول؟
- هناك عوامل ستة على وجه الحصر لأسباب النجاح الذي تحققه الدول في التنمية، وهي:
أولا: وجود دولة لكل مواطنيها يسود فيها القانون بغض النظر عن جوره أو عدالته، ومواطنة متساوية أمام القانون، وتكافؤ في الفرص، تحقق الشعور بالرضا عن الدولة لدى المواطنين.
ثانيا: استقرار سياسي نسبي ينجم أساساً عن انتهاج سياسات خارجية براجماتية واقعية.
ثالثا: إنفاق حصيف ومصادر تمويل كافية تؤدي إلى تراكم جيد للرأسمال حيث لا موارد.
رابعا: برامج تعليم ممتازة توفر قدرات تقنية جيدة.
خامسا: تركيز على الأولويات الصحيحة وهي البنية التحتية (مواصلات، اتصالات، موانئ، كهرباء، مجاري إلخ.) ثم الزراعة والصناعات الخفيفة التصديرية، ثم بعد توفر الشروط اللازمة للدخول في الصناعات الثقيلة أو التقنيات المتقدمة أو كليهما معاً.
سادسا: انتهاج سياسات اقتصادية هي مزيج من التخطيط واقتصاد السوق.
ولابد أن تكون الأولوية لبناء دولة النظام والقانون لأن وجود نظام قضائي نزيه ومستقل ضروري جدا للتنمية بشكل مباشر. فأي منشأة تجارية أو صناعية إنما يتكون رأسمالها من جزأين: الأصول الثابتة والأصول المتداولة، وهذه الأخيرة هي مايعرف بالرأس المال العامل الذي يتحول إلى بضاعة في كل دورة إنتاجية أو دورة مبيعات، ويحتاج تصريف البضاعة لسوق وبذلك يصبح الرأسمال المتداول بحوزة تجار السوق على شكل حسابات مدينة، لابد من تحصيلها بانتظام. حتى تستمر الدورة الإنتاجية أو دورة المبيعات، وما لم يكن هناك نظام قضائي نزيه وعادل ومستقل وفعال فإن استعادة الحقوق تصبح مسألة غير مضمونة، بل إن الأصول الثابتة كالمباني وأراضي المشروع تتعرض للنهب في اليمن، وهو ما يجعل أي مستثمر يحجم عن الاستثمار في دولة لا يتوفر فيها قانون موحد وقضاء يطبقه بفعالية إلا إذا كان شريكا للعصابة الحاكمة في نهب البلاد والعباد باسم (البزنس)، وهو حال الكثير من الفعاليات الاقتصادية في اليمن التي تعمل بالشراكة مع الحاكمين للبلاد.
ولذلك فالعجز عن بناء جهاز قضائي عادل وسليم ونزيه ومستقل وقوي يرقى إلى مستوى العجز عن بناء الدولة الحديثة. ويتطلب وجود القضاء المستقل احترام القانون من قبل السلطة السياسية وأجهزة الدولة المختلفة، وإدراكها أن أي ممارسة غير قانونية هي إجرام وخروج عن القانون وتدفع ثمن ارتكاباتها.
> ننتقل إلى واحدة من متطلبات التسوية في ساحتنا اليمنية وهو الحوار وإشكالية الإعداد له وآليته ومواضيعه والمشاركين فيه.. ما هو تصورك لهذا الأمر؟
- الحوار الحقيقي هو حوار مع الانجازات، وأجندة الحوار ستفرضها الإنجازات نحو بناء الدولة المدنية الحديثة بكل مضامينها وما تحمله من وعود للمستقبل. وليس الحسابات الصغيرة لمحترفي السياسة الرديئة القائمة على المماحكات وعلى التطلع الى المكاسب غير المشروعة.
> الأطراف الفاعلة في الساحة كل له أولوية قبيل الدخول إلى الحوار، المؤتمر يريد إخلاء الساحات من الاعتصامات والمظاهر المسلحة، المشترك يريد هيكلة الجيش، الحوثي يريد اعتذارا عن الحروب الستة واعتماد قتلاه شهداء، والحراك يريد حوارا نديا بين شمال وجنوب ووو أين المنطق من هذا وما الذي يمكن تجاوزه؟
- كلها مطالب مشروعة ومنطقية ولا أرى ما يمنع تلبيتها.
مؤازرة دولية
> أين تقف من أولوية هيكلة الجيش أو الحوار الوطني؟ وما تأثير ذلك على مسألة توازن القوى؟
- يجب ألا يكون لأحد سلطة أو نفوذ على القوات المسلحة والأمن إلا للقيادة الشرعية للبلاد. ولا أرى رابطا بين الهيكلة والحوار، فكما تحاور الطرفان المعنيان على المبادرة قبل الهيكلة يمكنهم أن يفعلوا ذلك مجددا. الهيكلة منوطة بالرئيس ويجب أن تجري وفقا لجدول الاعمال المتفق عليه ووفق ما يريده الرئيس وليس وفق ما يريده الطرفان المتنازعان وبالنسبة للقوة وموازينها، فنحن نرى الرئيس ينتزعها من أيديهما بنجاح ولا تنس أن المجتمع الدولي يؤازره بقوة.
> ألا يمكن أن تكون هذه المطالب مواضيع على طاولة الحوار القادم؟
- لا قطعا، قضية الهيكلة قضية سيادية لاشأن لها بالحوار أو بالاحرى لا شأن للحوار بها. فإذا حدث وتحاورا في هذا الأمر فعلام سيتحاورون؟ هل على تقسيم الجيش والأمن بينهما ونصيب كل طرف من الوحدات مثلا؟!!.
مبررات قاسرة
> الفيدرالية كانت تطرح على أنها واحدة من الحلول للقضية الجنوبية واليوم تثير خلافا بين بعض الأطراف حولها.. هل تعتقد بأن التخوفات من الفيدرالية منطقية؟
- صيغ بناء الدولة صيغ تعاقدية قائمة على عقد اجتماعي هو الدستور والمجتمع الدولي معني مباشرة وفق ميثاق الامم المتحدة بوحدة أعضائه وسلام واستقرار دولهم، والفيدرالية هي إحدى هذه الصيغ والتخوف من انها ستكون سبيلا للانفصال والتشرذم غير واقعي لأنه من الناحية القانونية لن يتقبل المجتمع الدولي الانفصال إلا بموافقة الطرفين، المنفصل والمنفصل عنه، طالما لا توجد مبررات قاسرة كعمليات الابادة أو التطهير العرقي.
> أثار البرنامج السياسي المعلن للحوثي انتقادات وتحفظات الكثير خصوصا وهو يعيد فكر المعتزلة أو يساويه كيف تنظر اليه؟
- أعتقد أن الوثيقة الفكرية هدفها الرئيس هو إثبات زيدية الحركة الحوثية وانها تتبع المذهب الزيدي لا الاثني عشري . ويقتضي ذلك إثبات الاصول الخمسة التي تشترك فيها الزيدية مع المعتزلة وإن اختلفت في إحدى مراحلها باعتبارها الامامة أصلا من الاصول الخمسة.
شروط الإمامة
> تناقلت مصادر العامية بأن هناك صراعاً تعيشه حركة الحوثي بين السادة والقبائل خصوصا مع إعلان الحوثي عن هذه الوثيقة ما الذي يمكن أن تفيدنا به في هذا؟
- لا أعلم بوجود مثل هذا الخلاف ولا أرى أن هناك ما يستدعيه. الامر كما أفهمه هو أن الإمامة مقام ديني، وليست مقاما سلطويا، وهي عند الزيدية لا تستحق لمجرد النسب، ولا تورث من الأب للابن، بل إن لها شروطاً أهلية صعبة، فإذا اجتمعت الشروط والنسب في شخص فهو أمام. وإن اجتمعت الشروط دون النسب فهو إمام أيضا ولكن دون الامامة الكبرى . وهذا مقام ديني لا يمنح بالسلطة ولا يزول من دونها. كذلك كان شأن أئمة الآل دائما حكموا أم لم يحكموا. وفيما يخص الامامة الدينية فالله يعلم أين يضع رسالته وهو يصطفي لها ولا أظن مؤمنا يعترض على ذلك. أما الحكم فقد اشترط الامام علي أن تكون البيعة له علنية وعلى الملأ. واشترط ألا يكون له معارض وكل من يبايع إماما يشترط شروطا كالحكم بكتاب الله وسنة نبيه وغير ذلك. وقد رفض الامام علي شرط التزام نهج الشيخين يوم عرضت عليه الخلافة بعد مقتل عمر، وقال مامعناه انه يبذل جهده، فاختار المحكم عثمان الذي وافق على الشروط. والدستور هو لائحة شروط، والفرس يسمونه المشروطية. فلفظة الدستور جاءت من عندهم وهم أخبر بالقصد منها..وفيما يتعلق بالوثيقة فقد جاء فيها كما أتذكر أن الحاكم من غير البطنين محتسب والمحتسب الصالح مقبول ولكنه ليس إماما بالمعنى الديني لأنه لم تجتمع له شروط الإمامة الكبرى.
وكذلك الحال عند الاثني عشرية فالسيستاني إمام في العراق عند الشيعة ولكنه لا يحكم .ومن يحكمون أقرب الى العلمانية. ولا أدري ما الذي يخيف من هذا؟ هذه الأمة حكمها حتى العبيد الذين اشترتهم باموالها مئات السنين. صحيح انه كان هناك في عصر المماليك دائما خليفة عباسي، ولكنه كان كملكة بريطانيا اليوم يملكا ولا يحكم، دوره كان بروتوكوليا خالصا. يستقبل السفراء وكبار الزوار، ويحضر المناسبات العامة ويلقي خطبة هنا أو هناك، يصادق على تعيين القادة والوزراء والامراء... الخ. يعني بلغة اليوم ملك دستوريا. ولكن وجوده كان يمنع التنازع بين القادة والولاة على منصب الخليفة والذي كان يمكن أن يؤدي الى حروب طاحنة.
> مؤخرا أعلن عن تشكيل حزب سياسي للسلفيين.. كيف تنظر إلى هذا التحول وكيف يمكن أن يفيد الواقع؟
- شيء طيب أن تتجه هذه الجماعات الى العمل السياسي الذي يقوم في حقيقته على الحوار والتسويات والحلول الوسط، وأعتبر اتجاه السلفيين الى تأسيس الأحزاب اقترابا من الديمقراطية وآلياتها التي لطالما اعتبروها رجسا من عمل الشيطان.وكفرا..السلفيون مارسوا لعبة خطرة في اليمن طوال الأربعين سنة الماضية بالدعوة الى الوهابية، وأنشأوا مساجد الضرار في كل مدينة وقرية بأموال سعودية وخليجية، مع أن حوارات السلفيين مع الشيعة وغيرهم والتي رعتها الحكومة السعودية وحكومات الخليج وصلت الى منع التبشير لمذهب مخالف حيث يسود مذهب آخر درءا للفتن.
> هناك عدم اتفاق على هذا الوليد من قبل علماء السلفية؟
- السلفية صناعة سعودية في اليمن، والوهابية مذهب وافد غريب ذو أهداف سياسية لأجندة أجنبية أساسها الهيمنة على مقدرات اليمن وقراره السياسي. ومايجري هو تبادل أدوار بعد أن رأوا نجاح السلفية في انتخابات مصر. في كل قرية يمنية هناك اليوم مسجد وهابي يكفر رواده الزيود، والشوافع (أشاعرة وصوفية)، وهناك مسجد إصلاحي نصف وهابي لا يظهر رواده نفس الحدة، لأنه بني لمكافحة الشيوعية (الجبهة الوطنية)، وهؤلاء حلفاء للاقطاع الظالم في المناطق الوسطى وتهامه وتعز والجنوب وكله يؤسس لانقسام وفتنة طائفية على مستوى القرى في اليمن.
> لعلك تلاحظ أن "القاعدة" كانت في الماضي تقوم بهجمات وفق الكر والفر، الأمر اليوم يبدو علنيا ورغبة في السيطرة والحكم والإعلان عن (إمارة) هل هو تغير في الاستراتيجية؟ وما الذي ساعد على ذلك؟
- نعم هو تغير في الاستراتيحية شجع عليه من أرادوا الإمساك بالجنوب رهينة وفزاعة يساومون عليها اميركا والغرب لتمكينهم من حكم البلاد مقابل تحجيم القاعدة أو أنصار الشريعة من جهة، ولضرب الحراك الجنوبي من جهة أخرى.
الفكر التكفيري
> بماذا تفسر هذا التنامي لنشاط القاعدة أو ما يسمى أنصار الشريعة؟
- لو كنت تذكر كانت التقديرات المحلية والغربية تتحدث عن ثلاثمائة فرد في تنظيم القاعدة في اليمن. فاذا بهم يصبحون بالآلاف وتم تبرير ذلك بمدد صومالي، وفي اعتقادي ان المدد كان داخليا ومن المدارس السلفية وجامعة الايمان،. خاصة وأن بها أفرادا من عشرات الجنسيات. وهذه المدارس والجامعة معروف عنها أنها مفرخات الارهابيين بسبب من الفكر التكفيري الذي تدرسه وتلقنه لمنسوبيها.
حزب الاصلاح والجماعات السلفية فيما مضى ثم جامعة الايمان مؤخرا، كانوا مفرخة للمتشددين الذين ينخرطون في صفوف الارهاب. منذ حروب افغانستان فالشيشان ثم يوغوسلافيا السابقة. وقد استخدموا بكثافة في عملية اجتياح الجنوب ضد الحزب الاشتراكي صيف 1994. وقد تخرج من صفوفهم كل من ارتكب الارهاب في الاراضي اليمنية منذ ذلك الحين وحتى اليوم. وقد تحولت هذه المفارخ الى ما يشبه جامعات ومدارس للارهاب السلفي على نطاق عالمي بالنظر الى عدد الجنسيات التي ينتمي اليها المنتسبون فيها، وهو ما اتضح بجلاء في أحداث معهد دماج السلفي الذي يضم عشرات الجنسيات، معظمهم دخلوا البلاد بصورة غير نظامية، شباب الاخوان والسلفيين في غالبيتهم الساحقة جيدون ومخلصون وحسنو النية، ولكن غسلت أدمغتهم وتمت تربيتهم على تقديس تلك الكائنات السامة ذات اللحوم المسمومة، حيث الاعتراض عليها يصور على أنه كفر، فتستغل دماؤهم وجهودهم فيما يحقق لها الثراء. فضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
> دخول جماعة «أنصار الشريعة» إلى جعار وزنجبار بأبين، وكذا دخول مدينة رداع.. برأيك هل في تصور هذه الجماعة إمكانية تحقيق سيطرة كاملة؟ ما أقصى مايمكن أن يحققوه؟
- أنصار الشريعة لعبة سياسية داخل النظام ولا أعتقد حتى بقدرتهم على مجرد الاستمرار إذا حزمت الدولة امرها. فمنذ اسبوع فقط كانت بعض عناوين الاخبار تقول إن أنصار الشريعة باتوا يسيطرون على معظم مساحة الجمهورية من واقع امتدادهم من الجوف الى مارب والى البيضاء فأبين وشبوه وبعض حضرموت، فإذا بهم اليوم يوشكون أن تضيق بهم الأرض بما رحبت. وقد انطلقت فتاوى السلفيين، الذين كانوا لايخفون تعاطفهم معهم بالامس ويطالبون بالحوار معهم، انطلقت فتاواهم من كل حدب وصوب لتجيز قتالهم، بعد أن ألزمتهم بذلك الاوامر السعودية المشددة. وذلك بعد أن كانت السعودية ترى في أنصار الشريعة بعض عدتها لقتال الحوثيين حتى اختطفوا نائب قنصلها في عدن. ولم تكن أصابع السعودية بعيدة عن قيام أنصار صالح في المنطقة العسكرية الجنوبية بتسهي لأمور أنصار الشريعة وتزويدها بالسلاح والعتاد في معارك هزلية يذهب ضحيتها جنود لم يتزود أي منهم بأكثر من ثلاثين طلقة.
> عن أي فتاوى تتحدث؟
- فتوى مفتي السعودية الطنانة ضدهم ثم جاءت أول الفتاوى والاخبار اليمنية من لدن حجوري دماج، من أن عددا من أبناء لودر بمحافظة أبين سألوا الشيخ الحجوري عن الحكم الشرعي في مشاركتهم في القتال ضد القاعدة في أبين، فأفتاهم الحجوري بأنه إذا تم الاعتداء عليهم من قبل مسلحي القاعدة فإنه يجوز لهم أن يردوا عليهم، مشددا على أنه لا يجوز لأي شخص أن يرفع السلاح على الجنود، على الجيش الذي يقاتل ضد القاعدة في أبين. أما الاخبار فقالت إنه إرسل 150 مقاتلا من أتباعه في دماج، و150 آخرين من جبهة كتاف، للمشاركة في القتال ضد القاعدة في أبين.
ولم يلبث أن نطق الزنداني بعد أن صمت دهرا ليفتي فتوى مشابهة، ثم ما لبثت السبحة أن كرت. وفتوى الزنداني مهمة بصورة خاصة لانه متهم بالضلوع في إمداد أنصار الشريعة بالرجال والعتاد وإدارة معسكر تدريبي لحسابهم في أرحب. وكان حزب المؤتمر الشعبي العام في اليمن، قد اتهم رجل الدين عبد المجيد الزنداني واللواء المنشق عن الجيش على محسن الأحمر ورجل الأعمال حميد الأحمر، بتمويل تنظيم القاعدة، نافياً أن يكون هناك أي صلة للرئيس السابق علي عبدالله صالح بالقاعدة.
يكفي الحوار مع الإصلاح
> يرى البعض ومنهم القاضي الهتار بمشاركة أنصار الشريعة في الحوار كما هو الحال بالنسبة لجماعة الحوثي ما رأيك؟
- مشكلة القاضي الهتار هي أنه سلفي متعصب وفكره ليس بعيدا عن أفكار الارهابيين وممارساتهم وقد اثبت انه ليس رجل دولة على الاطلاق. فخلال وزارته للاوقاف عمل على تسليم الجامع الكبير للسلفيين في إحدى أبشع مظاهر التعدي الطائفي ضاربا عرض الحائط بتقاليد عمرها الف عام وهي دعوة للفتنة وإيقاظ لها. ثم لماذا الحوار مع الارهابيين ؟ يكفي الحوار مع الاصلاح. المسألة المتعلقة بالقاعدة، وكونها في جزئها الاكبر، إن لم تكن كلها، أداة إصلاحية، عليها قرائن متعددة تسندها الى حد كبير. فشقيق قائد عمليات الاصلاح في أرحب النائب منصور الحنق أو قريبه حسب روايته هو، قتل في أبين مقاتلا في صفوف القاعدة طبقا لتقارير صحفية متواترة وكثيرة، لايمكن أن ينفيها ادعاء النائب أنه مات هناك ولم يقتل. إن تضخم عديد القاعدة السريع في الجنوب ومحافظات شمالية اخرى يؤكد أن معينا كبيرا من السلفيين وطلبة جامعة الايمان وإصلاحيين يرفدها، وأنهم يشكلون قوام من يسمون أنفسهم أنصار الشريعة.
ويتهم الاصلاح واللقاء المشترك الرئيس السابق صالح وأجهزته بصناعة القاعدة في اليمن، ولكن ذلك الاتهام ليس إلا جزءا ضئيلا من الحقيقة المعروفة وهي: ان الجنرال علي محسن الاحمر وجهاز الامن السياسي الموالي له كانا الممسكين بملف الجهاديين بما فيهم القاعدة طوال فترة حكم صالح، ولعل ذلك يفسر استهداف القاعده لضباط الامن السياسي الذين هم بالتأكيد مصادر خطيرة للمعلومات عن كامل الملف.
وأن الحرس الخاص، والحرس الجمهوري، وقوات مكافحة الارهاب، والامن القومي، لم يكن بوسعها التعامل مع ملف كهذا، بتلك الطريقة، طريقة الرعاية والحماية، في ظل التدريب والاشراف الاميركيين، الهادفين الى تأهيلها كقوى مقاتلة فعالة ضد الارهاب، وإلا لكان ذلك ضربا من الجنون. ومن ثم فإن تلك الاتهامات لهذه الاجهزة تفتقر من الناحية المنطقية إلى أي ذرة من المصداقية.
> ولماذا يقوم الإصلاح بذلك وهو في الحكومة؟
- لقد أفصح حزب الإصلاح عن توجه انقلابي مسلح منذ انضمامه للثورة، وأعتقد أن ذلك كان نتيجة لقراءة صحيحة للواقع مفادها أنه لن يتمكن من الاستحواذ على السلطة إذا أسقطت الجماهير النظام، بل إنه سيكون معرضا للخطر أسوة بالنظام لشراكته الطويلة معه، وتورطه في أسوأ ممارساته، فذهب الى مهاجمة المعسكرات والمقار الحكومية التي نهبت على يد ميليشياته القبلية والعقائدية، بل وذهب أبعد من ذلك الى الاغتيال كما حدث في جامع الرئاسة، وفرض سيطرة حديدية على ساحات الثورة ومارس فيها العنف اللفظي والجسدي والاقصاء.
ولما لم يوصله ذلك كله الى هدفه تورط في لعبة الارهاب القاتلة، وقد تزامن توسع الجماعات الارهابية مع تصريحات لقادة الاصلاح وجنرالهم بأنهم قادرون، إذا ما خرج صالح وأنصاره من السلطة، على إنهاء تهديد القاعدة كليا في فترة وجيزة ذكر بعضهم أنها شهر واحد. ويتفق الشيخ العرشاني الذي ذكرته من قبل معي في ذلك فقد قال ما فيش قاعدة.. هم إخوان مسلمون وهؤلاء فصيل منهم وفي حالة احتاجوهم أخذوهم وإذا أرادوا إسكاتهم يستطيعون ذلك في أية لحظة، ولذلك تسمعهم يقولون إذا قامت الدولة المدنية ستنتهي القاعدة.. لأنهم أنفسهم هم القاعدة.. وسيهدأون إذا انتهت المنافسة ووصلوا إلى المنصب. وبالمناسبة أنصح الشباب والسياسيبن بقراءة الحوار الذي اجرته معه الجمهور وهو موجود على الانترنت. ولكن ما لم يدركه الاصلاح وهو يخوض مغامرته أن اليمن أصبح أحد أهم المواقع للاستراتيجية العسكرية الامريكية الجديدة، التي يقع مركزها في استراليا حيث يمتد منها ذراعان أحدهما يوازي الدول المشاطئة للمحيط الهادي، والثاني يمتد على طول المحيط الهندي ليستقر لأنه يوفر لها الذريعة لتخلق لها وجودا ثابتا هنا. وأن قطر ضالعة الى الأذقان في الاستراتيحية العسكرية الاميركية وكذلك تركيا. والخلاصة ان الإصلاح يلعب بالنار ويعرض نفسه والبلاد للجبروت الأمريكي الغربي بلعبته ومغامرته الخرقاء المميتة.
> المواجهات المسلحة بين الإصلاح والحوثيين في الجوف، وامتداده إلى حجة ما طبيعته برأيك مذهبي أم سياسي؟
- هو قطعا صراع سياسي بامتياز.والدين والمذهب يستخدمان فيه لتحقيق غايات سياسية. فعندما قامت عناصر قبلية تابعة للتجمع اليمني للإصلاح طبقا لتقارير صحفية عديدة. بمهاجمة معسكرات الجيش في الحوف أدت هذه الاشتباكات إلى فرط عقد فرقة عسكرية كاملة مكونة من ثلاثة ألوية وقوامها خمسة آلاف جندي وضابط في الجوف والاستيلاء على كامل معداتها لتستخدم من قبل الشيخين أبكر والعكيمي الإصلاحيين في القتال ضد الحوثيين حماية للحدود السعودية كما قالا طبقا لصحيفة الوسط، ليرتفع مستوى القتال القبلي الأهلي إلى مستوى القتال بالدبابات وراجمات الصواريخ. وكان الحوثيون قد رفضوا قيام ميليشيات الاصلاح هذه بالاستيلاء على المعسكرات وأسلحتها تحسبا من استخدامها ضدهم من جهة وهيمنة الاصلاح على المحافظة لغايات انتخابية من جهة اخرى فحدث القتال. وكان القتال في حجة للدوافع ذاتها إلا أن السلفيين قاتلوا الحوثيين في دماج وكتاف وحجة لغايات سعودية متعلقة بمخاوفهم الحدودية رغم تطمينات الحوثيين المتكررة.
> كيف تنظرون إلى المستقبل؟
- ما لم يكن الرئيس هادي على مستوى آمال الملايين المعلقة عليه في إرساء مداميك الدولة المدنية الحديثة، دولة النظام والقانون والتنمية، فإن الحوثيين الذين تحركوا في العقد الاخير من حكم صالح، بالاسلوب الذي يفهمه، يكونون قد أبعدوا عن أنفسهم التهديد ولو مؤقتا. أما الجنوبيون فلا بد وسيخوضون حربا لانتزاع حقوقهم من المطنطنين بالوطنية، سواء كانوا من بقايا نظام صالح أو من المعارضة. بقية البلاد وخاصة في إب وتعز وتهامة لن ينالوا شيئا الا إذا استعادوا مسيرة الجبهة الوطنية بشكل من الاشكال، لأن الظلم عندهم قد ترسخ وضرب في الأرض بجرانه، وقلعه بحاجة الى كفاح مرير.
وربما يختصر تحالف واسع يضم قوى المضطهدين من تهامه وإب وتعز، وأساسه القوي الحراك الجنوبي والحوثيون، ، ويخلق يمنا جديدا قائما على العدل والمساواة، ولكن مثل هذا التحالف سيواجه تحالفا مضادا شرسا وقويا اساسه المشايخ وعملاء السعودية عسكريين ومدنيين، ولابد كما كان كمال جنبلاط يقول عن المارونيين من إسقاطهم عسكريا لكي يتحجموا سياسيا، فلا يكون لهم وزن أكبر من حجمهم الطبيعي في البلاد.
والمؤسف أن الكثير من الشباب يعلقون آمالهم على السعودية ودول الخليج، ولايدركون أن إضعاف اليمن وتمزيقه والابقاء عليه متخلفا سياسة سعودية تنفذ بدأب وإصرار، وأن الخروج من هذه الدوامة المصيدة يتطلب إرادة وطنية واعية تدرك ذلك.
- وجود نظام قضائي نزيه أولوية مطلوبة لبناء دولة النظام والقانون
- التخوف من الفيدرالية غير واقعي.. ولا أرى رابطا بين الهيكلة والحوار
- الوثيقة الفكرية لجماعة الحوثي هدفها الرئيس إثبات زيدية الجماعة
- هناك من يلعب بالنار.. والصراع بين الإصلاح والحوثيين سياسي بامتياز
- الإمامة مقام ديني وليس سلطويا، وتحرك السلفيين للعمل السياسي صحيح
- لا يمكن لأنصار الشريعة تحقيق أي مكاسب إذا حزمت الدولة أمرها
** يبقى التغيير فعلاً طبيعياً نعايشه دائما لكنه أيضا يفترض مزامنته بالوعي في كيفية إحداث التغيير والإفادة منه لضمان تحقيق نماء مستدام منه.. كما يفترض الابتعاد عن الصيغ المتشنجة المرتهنة إلى الماضي أو الأفكار التقليدية.
في سياق حوار "الثورة " مع المفكر السياسي أحمد صالح الفقيه تنفتح الآفاق لرؤى تختزل اللحظات المتأزمة فتنبئ عن قيم ذات أبعاد تعكس حاجة الواقع من الأفكار لسبر المستقبل.
تفاصيل الحوار:
> ما الذي تقتضيه المرحلة القادمة لخلق حالة التوافق المطلوبة من اجل تحقيق التغيير؟
- الثورة حالة متجاوزة لرواسب الماضي فكرا وسلوكا ولكن بشرط أن يحدث التجاوز لدى الثوار وأن يتمظهر في الأشخاص والأفكار والسلوك. معضلة ثورتنا أن هذا التجاوز لم يكن متوفرا لدى من نصبوا أنفسهم قادة لها بقوتي المال والسلاح.
أصارحك القول الثورة كوسيلة تغيير في اليمن انتهت وماتت بالسكتة عشية توقيع المبادرة الخليجية. صحيح أن الرئيس صالح استبدل بالرئيس هادي ولكن المشكلة ليست في الأشخاص فقط . هم أبسط جزء من المشكله. التغيير الذي تنشده الثورات هو تغيير القوانين والأنظمة التي جعلت الممارسات السيئة والخاطئة ممكنة . المبادرة وضعت العربة أمام الحصان وأتت برئيس له كل صلاحيات سلفه وذلك باب واسع للفساد والتجاوزات، المفروض أن تقوم حكومة انتقالية تسهل قيام مجلس تأسيسي يغير الدستور ثم ينتخب برلمان يغير القوانين وبعدها تجري انتخابات رئاسية. أما في ظل القوانين القديمة والدستور القديم الثورة لم تحقق شيئا.
> إذن أنت لا ترى أملا في حدوث تغيير؟
- لا لا على العكس، هناك فرصة عظيمة للتغيير الإيجابي الكبير. لاحظ أن السلطة المطلقة في يد رجل ذي أجندات شخصية وخاصة هي مصيبة كبرى، ولكنها في يد الشخص المناسب يمكن أن تكون نعمة كبرى، وخاصة في الظروف الاستثنائية التي تتطلب سلطات استثنائية لأنها تتيح له التصرف بحسم وحزم وقوة. والرئيس هادي بيده سلطة مطلقة لأنه يحكم بموجب الدستور القديم. وقضية أنصار الشريعة محك لقدراته القيادية، ونجاحه في القضاء عليهم يمنحه قوة معنوية هائلة داخليا وخارجيا.
وهنا يجب التوقف وملاحظة أن الحصانة تخص الأفعال السابقة لصدورها ولاتشمل الجرائم اللاحقة لصدورها، فإذا ثبت تورط أي شخص أو حزب في دعم جرائم أنصار الشريعة فإن القانون يجب أن يضرب المجرمين بسيفه الباتر أيا كانوا. وستكون تلك اللحظة هي البداية الحقيقية لبناء الدولة الحديثة دولة النظام والقانون في اليمن. ولعل الأقدار شاءت لهذه البلاد ألا تقع بأيدي القوى الظلامية المتخلفة الجشعة.
> قراءتك للتحديات التي تواجه واقعنا اليوم؟
أهم تحد يواجه اليمنيين اليوم هو بناء الدولة، دولتنا يصفها العالم إذا أنصفها بأنها دولة على أعتاب الفشل، وللدولة الفاشلة مواصفاتها، فهي الدولة التي لا تفرض فيها حكومتها سيطرة فعالة على أراضيها، ولا ينظر إليها على أنها شرعية من قبل شريحة مهمة من سكانها، ولا تقدم الأمان الداخلي أو خدمات عامة أساسية لمواطنيها وتفتقر الى احتكار استخدام القوة .وكل هذا متوفر لدينا والى جانبه أزمات أخرى مثل أزمات الهوية والمشاركة والتغلغل والتوزيع .
> هل يمكنك التحدث عن هذه الأزمات وطبيعتها؟
- نعم أزمة الهوية تحدث عندما يصعب انصهار كافة أفراد المجتمع في بوتقة واحدة، تتجاوز انتماءاتهم التقليدية أو الضيقة، بحيث يشعرون بالانتماء إلى المجتمع والتوحد معه. نرى ذلك في صعدة وفي المحافظات الجنوبية والشرقية.بسبب التمييز والاستهداف ونراه لدى القبائل التي لاتشعر بالانتماء الى المجتمع إلا أذا تمكنت من الاستحواذ على الدوله والتصرف بمقدراتها.
أما أزمة المشاركة فتنتج عن عدم تمكن المواطنين من الإسهام في الحياة العامة لبلادهم. مثل المشاركة في اتخاذ القرارات السياسية ، أو اختيار المسؤولين الحكوميين.
مراكز القوى
> ولكن توجد المجالس المحلية وهي توفر المشاركة إلى مستوى المديرية؟
- حتى مع توافر مؤسسات سياسية كالمجالس المحلية التي يمكن أن تستوعب القوى الراغبة في المشاركة، إلا أن قسماً كبيراً من المجتمع اليمني يشعر بأن الانتخابات تزور أو تستخدم فيها إمكانيات الدولة لصالح الحزب الحاكم بصورة غير قانونية. وأن التعيين في المناصب الحكومية يتم وفقا لمعايير غير قانونية وغير صحيحة. وزاد على ذلك إصابة البلاد بوباء التوريث فأصبحت المناصب كالمهن سواء بسواء فكما يصبح ابن الجزار جزارا وابن التاجر تاجرا رأينا ابن الوزير يصبح وزيرا وابن القائد العسكري يخلفه في قيادته. ثم أصبحت الوزارة من لوازم بعض البيوتات.. إلخ. ثم تأتي مراكز قوى لتحصل على منافع غير متاحة لبقية المواطنين. أراضٍ مجانية وعقود مقاولات وحتى قطاعات نفطية ولم يتركوا رغم ثرائهم حتى المنح الدراسية التي هي من حق المتفوقين من أبناء الشعب فاستولوا عليها وحرموهم هذا إضافة إلى المخصصات المالية والهبات العينية كالسيارات والاراضي، فإذا بهم يزدادون ثراء ويزداد الشعب فقرا. مرت حقبة النفط أو تكاد دون أن يحس المواطن أثرها عليه، بل إنه يشعر أنه كان احسن حالا قبل ظهور النفط.
أزمة التغلغل
> وماذا عن بقية الأزمات؟
- أزمة التغلغل وهي عدم قدرة الحكومة على الوصول إلى كافة أنحاء إقليم الدولة وفرض سيطرتها عليه، وكذلك الوصول إلى كافة البنى الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع. وهذا أمر واضح بذاته في اليمن..وعلى سبيل المثال استدعي العليمي الى مجلس النواب لمساءلته عن سبب عدم العمل على الافراج عن مختطفين لدى قبيلة بني ضبيان، فقال بالحرف الواحد إن الدولة غير قادرة على فرض القانون على القبيلة لأنها أقوى من الدولة، ومثال آخر كشفه الشيخ محمد مساعد العرشاني عضو مجلس جامعة الايمان لصحيفة الجمهور وقال عندما سئل عن الرقابة على الجامعة إن الزنداني لم يرض أن يخضع لأي شيء، الأمن السياسي كان يرسل واحداً كمندوب في الجامعة فيتم طرده من الباب.. الزنداني لم يخضع جامعة الإيمان لا ماليا ولا إداريا ولا منهجيا..وقس على ذلك
أما أزمة التوزيع : فهي متعلقة بمهمة النظام السياسي في توزيع الموارد والمنافع المادية وغير المادية في المجتمع، وقد تحدثنا عن الجور والاستحواذ ولكن هناك جانباً آخر للتوزيع فمشكلة التوزيع ليس فقط توزيع عوائد التنمية وإنما أيضا توزيع أعباء التنمية. وهنا تأتي مشكلة المعايير التي ينبغي الاعتماد عليها في تحقيق هذا التوزيع. وفي اليمن هناك علاوة على ما تنهبه مراكز القوى، هناك تحميل للاعباء الضريبية على كاهل الموظفين محدودي الدخل بنسبة ثلاثة أرباع المحصل مقابل الربع لبقية القطاعات. وكذلك في ثمن الكهرباء والماء لايدفعها المتنفذون الأغنياء ويدفعها الفقراء.. وبتصوري إن سبب ذلك ضعف الوعي الدولتي لدى القيادات أي فكر بناء الدولة وهذه ليست مشكلة يمنية فقط ولكنها تكاد تكون مشكلة عربية. القيادات ألغت أو أنها لم توجد الفصل بين بنية الدولة الدائمة بطبيعتها والسلطة السياسية المتغيرة بطبيعتها، وهذا نتيجة لخروج أركان الدولة على القوانين المتوفرة التي تنص على ذلك. فنشأت أنظمة دول يستأثر بها الحزب القائد، الامر الذي أدى الى تهميش الاغلبية الساحقة واستعدائها، فانعدم كل من الشرعية والاستقرار النابعين من رضى المواطنين، والحكم الرشيد الناشئ عن المواطنة المتساوية، وتكافؤ الفرص.
وعدم بناء دولة النظام والقانون التي يسود فيها القضاء العادل العادي القوي بما يحقق سيادة القانون وهيبته، ولجأت عوضا عن ذلك الى مخالفة القوانين واعتبارها حبرا على ورق لا يستحق الاحترام ولا يلزمها، أو لجأت إلى إحكام الطوارئ والمحاكم الاستثنائية، وتلاعبت بالهيئات القضائية وحرمتها من الاستقلالية، بل وأسوأ من ذلك ما حدث في اليمن من ضخ لضباط الأمن إلى النظام القضائي والنيابة العامة حتى أصبحا مكونين من ضباط الأمن وبنسبة تفوق 80%. وساد صراع على السلطة بين القيادات بسبب فقدان الشرعية، فتكرس حكم مراكز القوى والخروج على القانون، وهو ما أدى الى تعثر التنمية التي تستلزم سوقا موحدة يحكمها قانون سائد على الجميع يشيع الثقة والطمأنينة لدى المستثمرين.
وأخيرا هناك استئثار الحكام وأشياعهم بوظائف الدولة الحساسة والفنية على أساس أهل الثقة بدلا من أهل الخبرة وهذا أدى الى تهميش ذوي المعرفة والخبرة ودفعهم الى الهجرة، الأمر الذي أدى بدوره الى فقدان التراكم المعرفي في بنية الدولة وانقطاعه، وهو السبب في كثير من السياسات والمغامرات والقرارات الخاطئة في مختلف المجالات واوصل هذه الدول الى الفشل في آخر المطاف.
الدولة الحديثة
> ولكنك تعلم بأن الدولة عندنا مكونة من سلطات تنفيذية وتشريعية وقضائية؟
- جاءت الدولة الحديثة في الأساس بفكرة الفصل بين السلطة المتغيرة والدولة الدائمة، التي ينبغي الحرص على بنائها بحيث تكون دولة لكل مواطنيها لاتحجب الوظائف في أجهزتها عن أي منهم لأسباب عرقية أو طائفية أو مذهبية .....الخ ولا يمس موظفوها إلا طبقا للقانون الذي ينظم شئون خدمتهم، الامر الذي يسمح بتراكم الخبرات وعدم ضياعها أو انقطاعها. ثم يأتي بعد ذلك الفصل بين السلطات.
وللأسف كان تكوين وبناء الدولة في الدول العربية، المحكومة بالانظمة الثورية، قد أصبح يحمل بداخله بذور فنائها، أي استحواذ الحزب الحاكم أو الرئيس على كل مكونات الدولة وهو ما حدث في الصومال والعراق . ضعف الفكر الدولتي فكر بناء الدولة لدى النخب العربية ظاهر للعيان بصورة تفقأ العين. وعلى سبيل المثال فإنه على الرغم من أن الأردن ولبنان وفلسطين وسوريا كانت تاريخيا جزءا من سوريا الكبرى، الا أن الأردن فقط هو الذي بنى دولته على أساس من المواطنة المتساوية، وتكافؤ الفرص، الى حد كبير نسبيا، فجنب دولته الآثار التي تؤدي إلى تآكل شرعيتها ومن ثم فشلها.
بينما نرى أن لبنان، الذي اعتمد المحاصصة بين الطوائف في بناء الدولة، وقد أصبح قراره السياسي رهينة للقوى الخارجية التي يستقوي بها أطراف المحاصصة اللبنانية على بعضهم البعض، وأصبح البلد مسرحا للحروب الاهلية المتكررة. وسار الفلسطينيون على نفس الدرب في إنشائهم لسلطتهم الوطنية، عندما قام تنظيم فتح بإنشاء اجهزة دولة يسيطر عليها أعضاؤه، وجرى تهميش منظمة التحرير وبقية الفصائل، الأمر الذي أدى الى الحرب الأهلية بين فتح وحماس. وتحمل الدولة السورية في بنيتها ملامح دولة التغلب السلطانية القديمة، التي يسيطر فيها حزب البعث وطائفة الرئيس على مفاصل أجهزة الدولة ، وقد تنبأت في مقال منشور منذ أعوام بأن هذا الأمر يجعلها في خطر عظيم من حروب أهلية قادمة لا محالة، تحكم عليها بالتمزق والفشل، كما جرى للصومال والعراق. أما الحال قي اليمن فإن قيام الوحدة على أساس المحاصصة في وظائف الدولة من قبل نظامين لم يحسنا بناء الدولة في الأساس قد أدى إلى الحرب عام 1994، ثم أضيف إليه التمييز في المواطنة الذي طال سكان أغلبية المحافظات وخاصة المحافظات الجنوبية والشرقية والغربية، إلى جانب الفساد المستشري والخروج على القانون من قبل أجهزة الدولة والمتنفذين فيها.
عوامل نجاح
> هل توجد عوامل محددة لنجاح الدول؟
- هناك عوامل ستة على وجه الحصر لأسباب النجاح الذي تحققه الدول في التنمية، وهي:
أولا: وجود دولة لكل مواطنيها يسود فيها القانون بغض النظر عن جوره أو عدالته، ومواطنة متساوية أمام القانون، وتكافؤ في الفرص، تحقق الشعور بالرضا عن الدولة لدى المواطنين.
ثانيا: استقرار سياسي نسبي ينجم أساساً عن انتهاج سياسات خارجية براجماتية واقعية.
ثالثا: إنفاق حصيف ومصادر تمويل كافية تؤدي إلى تراكم جيد للرأسمال حيث لا موارد.
رابعا: برامج تعليم ممتازة توفر قدرات تقنية جيدة.
خامسا: تركيز على الأولويات الصحيحة وهي البنية التحتية (مواصلات، اتصالات، موانئ، كهرباء، مجاري إلخ.) ثم الزراعة والصناعات الخفيفة التصديرية، ثم بعد توفر الشروط اللازمة للدخول في الصناعات الثقيلة أو التقنيات المتقدمة أو كليهما معاً.
سادسا: انتهاج سياسات اقتصادية هي مزيج من التخطيط واقتصاد السوق.
ولابد أن تكون الأولوية لبناء دولة النظام والقانون لأن وجود نظام قضائي نزيه ومستقل ضروري جدا للتنمية بشكل مباشر. فأي منشأة تجارية أو صناعية إنما يتكون رأسمالها من جزأين: الأصول الثابتة والأصول المتداولة، وهذه الأخيرة هي مايعرف بالرأس المال العامل الذي يتحول إلى بضاعة في كل دورة إنتاجية أو دورة مبيعات، ويحتاج تصريف البضاعة لسوق وبذلك يصبح الرأسمال المتداول بحوزة تجار السوق على شكل حسابات مدينة، لابد من تحصيلها بانتظام. حتى تستمر الدورة الإنتاجية أو دورة المبيعات، وما لم يكن هناك نظام قضائي نزيه وعادل ومستقل وفعال فإن استعادة الحقوق تصبح مسألة غير مضمونة، بل إن الأصول الثابتة كالمباني وأراضي المشروع تتعرض للنهب في اليمن، وهو ما يجعل أي مستثمر يحجم عن الاستثمار في دولة لا يتوفر فيها قانون موحد وقضاء يطبقه بفعالية إلا إذا كان شريكا للعصابة الحاكمة في نهب البلاد والعباد باسم (البزنس)، وهو حال الكثير من الفعاليات الاقتصادية في اليمن التي تعمل بالشراكة مع الحاكمين للبلاد.
ولذلك فالعجز عن بناء جهاز قضائي عادل وسليم ونزيه ومستقل وقوي يرقى إلى مستوى العجز عن بناء الدولة الحديثة. ويتطلب وجود القضاء المستقل احترام القانون من قبل السلطة السياسية وأجهزة الدولة المختلفة، وإدراكها أن أي ممارسة غير قانونية هي إجرام وخروج عن القانون وتدفع ثمن ارتكاباتها.
> ننتقل إلى واحدة من متطلبات التسوية في ساحتنا اليمنية وهو الحوار وإشكالية الإعداد له وآليته ومواضيعه والمشاركين فيه.. ما هو تصورك لهذا الأمر؟
- الحوار الحقيقي هو حوار مع الانجازات، وأجندة الحوار ستفرضها الإنجازات نحو بناء الدولة المدنية الحديثة بكل مضامينها وما تحمله من وعود للمستقبل. وليس الحسابات الصغيرة لمحترفي السياسة الرديئة القائمة على المماحكات وعلى التطلع الى المكاسب غير المشروعة.
> الأطراف الفاعلة في الساحة كل له أولوية قبيل الدخول إلى الحوار، المؤتمر يريد إخلاء الساحات من الاعتصامات والمظاهر المسلحة، المشترك يريد هيكلة الجيش، الحوثي يريد اعتذارا عن الحروب الستة واعتماد قتلاه شهداء، والحراك يريد حوارا نديا بين شمال وجنوب ووو أين المنطق من هذا وما الذي يمكن تجاوزه؟
- كلها مطالب مشروعة ومنطقية ولا أرى ما يمنع تلبيتها.
مؤازرة دولية
> أين تقف من أولوية هيكلة الجيش أو الحوار الوطني؟ وما تأثير ذلك على مسألة توازن القوى؟
- يجب ألا يكون لأحد سلطة أو نفوذ على القوات المسلحة والأمن إلا للقيادة الشرعية للبلاد. ولا أرى رابطا بين الهيكلة والحوار، فكما تحاور الطرفان المعنيان على المبادرة قبل الهيكلة يمكنهم أن يفعلوا ذلك مجددا. الهيكلة منوطة بالرئيس ويجب أن تجري وفقا لجدول الاعمال المتفق عليه ووفق ما يريده الرئيس وليس وفق ما يريده الطرفان المتنازعان وبالنسبة للقوة وموازينها، فنحن نرى الرئيس ينتزعها من أيديهما بنجاح ولا تنس أن المجتمع الدولي يؤازره بقوة.
> ألا يمكن أن تكون هذه المطالب مواضيع على طاولة الحوار القادم؟
- لا قطعا، قضية الهيكلة قضية سيادية لاشأن لها بالحوار أو بالاحرى لا شأن للحوار بها. فإذا حدث وتحاورا في هذا الأمر فعلام سيتحاورون؟ هل على تقسيم الجيش والأمن بينهما ونصيب كل طرف من الوحدات مثلا؟!!.
مبررات قاسرة
> الفيدرالية كانت تطرح على أنها واحدة من الحلول للقضية الجنوبية واليوم تثير خلافا بين بعض الأطراف حولها.. هل تعتقد بأن التخوفات من الفيدرالية منطقية؟
- صيغ بناء الدولة صيغ تعاقدية قائمة على عقد اجتماعي هو الدستور والمجتمع الدولي معني مباشرة وفق ميثاق الامم المتحدة بوحدة أعضائه وسلام واستقرار دولهم، والفيدرالية هي إحدى هذه الصيغ والتخوف من انها ستكون سبيلا للانفصال والتشرذم غير واقعي لأنه من الناحية القانونية لن يتقبل المجتمع الدولي الانفصال إلا بموافقة الطرفين، المنفصل والمنفصل عنه، طالما لا توجد مبررات قاسرة كعمليات الابادة أو التطهير العرقي.
> أثار البرنامج السياسي المعلن للحوثي انتقادات وتحفظات الكثير خصوصا وهو يعيد فكر المعتزلة أو يساويه كيف تنظر اليه؟
- أعتقد أن الوثيقة الفكرية هدفها الرئيس هو إثبات زيدية الحركة الحوثية وانها تتبع المذهب الزيدي لا الاثني عشري . ويقتضي ذلك إثبات الاصول الخمسة التي تشترك فيها الزيدية مع المعتزلة وإن اختلفت في إحدى مراحلها باعتبارها الامامة أصلا من الاصول الخمسة.
شروط الإمامة
> تناقلت مصادر العامية بأن هناك صراعاً تعيشه حركة الحوثي بين السادة والقبائل خصوصا مع إعلان الحوثي عن هذه الوثيقة ما الذي يمكن أن تفيدنا به في هذا؟
- لا أعلم بوجود مثل هذا الخلاف ولا أرى أن هناك ما يستدعيه. الامر كما أفهمه هو أن الإمامة مقام ديني، وليست مقاما سلطويا، وهي عند الزيدية لا تستحق لمجرد النسب، ولا تورث من الأب للابن، بل إن لها شروطاً أهلية صعبة، فإذا اجتمعت الشروط والنسب في شخص فهو أمام. وإن اجتمعت الشروط دون النسب فهو إمام أيضا ولكن دون الامامة الكبرى . وهذا مقام ديني لا يمنح بالسلطة ولا يزول من دونها. كذلك كان شأن أئمة الآل دائما حكموا أم لم يحكموا. وفيما يخص الامامة الدينية فالله يعلم أين يضع رسالته وهو يصطفي لها ولا أظن مؤمنا يعترض على ذلك. أما الحكم فقد اشترط الامام علي أن تكون البيعة له علنية وعلى الملأ. واشترط ألا يكون له معارض وكل من يبايع إماما يشترط شروطا كالحكم بكتاب الله وسنة نبيه وغير ذلك. وقد رفض الامام علي شرط التزام نهج الشيخين يوم عرضت عليه الخلافة بعد مقتل عمر، وقال مامعناه انه يبذل جهده، فاختار المحكم عثمان الذي وافق على الشروط. والدستور هو لائحة شروط، والفرس يسمونه المشروطية. فلفظة الدستور جاءت من عندهم وهم أخبر بالقصد منها..وفيما يتعلق بالوثيقة فقد جاء فيها كما أتذكر أن الحاكم من غير البطنين محتسب والمحتسب الصالح مقبول ولكنه ليس إماما بالمعنى الديني لأنه لم تجتمع له شروط الإمامة الكبرى.
وكذلك الحال عند الاثني عشرية فالسيستاني إمام في العراق عند الشيعة ولكنه لا يحكم .ومن يحكمون أقرب الى العلمانية. ولا أدري ما الذي يخيف من هذا؟ هذه الأمة حكمها حتى العبيد الذين اشترتهم باموالها مئات السنين. صحيح انه كان هناك في عصر المماليك دائما خليفة عباسي، ولكنه كان كملكة بريطانيا اليوم يملكا ولا يحكم، دوره كان بروتوكوليا خالصا. يستقبل السفراء وكبار الزوار، ويحضر المناسبات العامة ويلقي خطبة هنا أو هناك، يصادق على تعيين القادة والوزراء والامراء... الخ. يعني بلغة اليوم ملك دستوريا. ولكن وجوده كان يمنع التنازع بين القادة والولاة على منصب الخليفة والذي كان يمكن أن يؤدي الى حروب طاحنة.
> مؤخرا أعلن عن تشكيل حزب سياسي للسلفيين.. كيف تنظر إلى هذا التحول وكيف يمكن أن يفيد الواقع؟
- شيء طيب أن تتجه هذه الجماعات الى العمل السياسي الذي يقوم في حقيقته على الحوار والتسويات والحلول الوسط، وأعتبر اتجاه السلفيين الى تأسيس الأحزاب اقترابا من الديمقراطية وآلياتها التي لطالما اعتبروها رجسا من عمل الشيطان.وكفرا..السلفيون مارسوا لعبة خطرة في اليمن طوال الأربعين سنة الماضية بالدعوة الى الوهابية، وأنشأوا مساجد الضرار في كل مدينة وقرية بأموال سعودية وخليجية، مع أن حوارات السلفيين مع الشيعة وغيرهم والتي رعتها الحكومة السعودية وحكومات الخليج وصلت الى منع التبشير لمذهب مخالف حيث يسود مذهب آخر درءا للفتن.
> هناك عدم اتفاق على هذا الوليد من قبل علماء السلفية؟
- السلفية صناعة سعودية في اليمن، والوهابية مذهب وافد غريب ذو أهداف سياسية لأجندة أجنبية أساسها الهيمنة على مقدرات اليمن وقراره السياسي. ومايجري هو تبادل أدوار بعد أن رأوا نجاح السلفية في انتخابات مصر. في كل قرية يمنية هناك اليوم مسجد وهابي يكفر رواده الزيود، والشوافع (أشاعرة وصوفية)، وهناك مسجد إصلاحي نصف وهابي لا يظهر رواده نفس الحدة، لأنه بني لمكافحة الشيوعية (الجبهة الوطنية)، وهؤلاء حلفاء للاقطاع الظالم في المناطق الوسطى وتهامه وتعز والجنوب وكله يؤسس لانقسام وفتنة طائفية على مستوى القرى في اليمن.
> لعلك تلاحظ أن "القاعدة" كانت في الماضي تقوم بهجمات وفق الكر والفر، الأمر اليوم يبدو علنيا ورغبة في السيطرة والحكم والإعلان عن (إمارة) هل هو تغير في الاستراتيجية؟ وما الذي ساعد على ذلك؟
- نعم هو تغير في الاستراتيحية شجع عليه من أرادوا الإمساك بالجنوب رهينة وفزاعة يساومون عليها اميركا والغرب لتمكينهم من حكم البلاد مقابل تحجيم القاعدة أو أنصار الشريعة من جهة، ولضرب الحراك الجنوبي من جهة أخرى.
الفكر التكفيري
> بماذا تفسر هذا التنامي لنشاط القاعدة أو ما يسمى أنصار الشريعة؟
- لو كنت تذكر كانت التقديرات المحلية والغربية تتحدث عن ثلاثمائة فرد في تنظيم القاعدة في اليمن. فاذا بهم يصبحون بالآلاف وتم تبرير ذلك بمدد صومالي، وفي اعتقادي ان المدد كان داخليا ومن المدارس السلفية وجامعة الايمان،. خاصة وأن بها أفرادا من عشرات الجنسيات. وهذه المدارس والجامعة معروف عنها أنها مفرخات الارهابيين بسبب من الفكر التكفيري الذي تدرسه وتلقنه لمنسوبيها.
حزب الاصلاح والجماعات السلفية فيما مضى ثم جامعة الايمان مؤخرا، كانوا مفرخة للمتشددين الذين ينخرطون في صفوف الارهاب. منذ حروب افغانستان فالشيشان ثم يوغوسلافيا السابقة. وقد استخدموا بكثافة في عملية اجتياح الجنوب ضد الحزب الاشتراكي صيف 1994. وقد تخرج من صفوفهم كل من ارتكب الارهاب في الاراضي اليمنية منذ ذلك الحين وحتى اليوم. وقد تحولت هذه المفارخ الى ما يشبه جامعات ومدارس للارهاب السلفي على نطاق عالمي بالنظر الى عدد الجنسيات التي ينتمي اليها المنتسبون فيها، وهو ما اتضح بجلاء في أحداث معهد دماج السلفي الذي يضم عشرات الجنسيات، معظمهم دخلوا البلاد بصورة غير نظامية، شباب الاخوان والسلفيين في غالبيتهم الساحقة جيدون ومخلصون وحسنو النية، ولكن غسلت أدمغتهم وتمت تربيتهم على تقديس تلك الكائنات السامة ذات اللحوم المسمومة، حيث الاعتراض عليها يصور على أنه كفر، فتستغل دماؤهم وجهودهم فيما يحقق لها الثراء. فضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
> دخول جماعة «أنصار الشريعة» إلى جعار وزنجبار بأبين، وكذا دخول مدينة رداع.. برأيك هل في تصور هذه الجماعة إمكانية تحقيق سيطرة كاملة؟ ما أقصى مايمكن أن يحققوه؟
- أنصار الشريعة لعبة سياسية داخل النظام ولا أعتقد حتى بقدرتهم على مجرد الاستمرار إذا حزمت الدولة امرها. فمنذ اسبوع فقط كانت بعض عناوين الاخبار تقول إن أنصار الشريعة باتوا يسيطرون على معظم مساحة الجمهورية من واقع امتدادهم من الجوف الى مارب والى البيضاء فأبين وشبوه وبعض حضرموت، فإذا بهم اليوم يوشكون أن تضيق بهم الأرض بما رحبت. وقد انطلقت فتاوى السلفيين، الذين كانوا لايخفون تعاطفهم معهم بالامس ويطالبون بالحوار معهم، انطلقت فتاواهم من كل حدب وصوب لتجيز قتالهم، بعد أن ألزمتهم بذلك الاوامر السعودية المشددة. وذلك بعد أن كانت السعودية ترى في أنصار الشريعة بعض عدتها لقتال الحوثيين حتى اختطفوا نائب قنصلها في عدن. ولم تكن أصابع السعودية بعيدة عن قيام أنصار صالح في المنطقة العسكرية الجنوبية بتسهي لأمور أنصار الشريعة وتزويدها بالسلاح والعتاد في معارك هزلية يذهب ضحيتها جنود لم يتزود أي منهم بأكثر من ثلاثين طلقة.
> عن أي فتاوى تتحدث؟
- فتوى مفتي السعودية الطنانة ضدهم ثم جاءت أول الفتاوى والاخبار اليمنية من لدن حجوري دماج، من أن عددا من أبناء لودر بمحافظة أبين سألوا الشيخ الحجوري عن الحكم الشرعي في مشاركتهم في القتال ضد القاعدة في أبين، فأفتاهم الحجوري بأنه إذا تم الاعتداء عليهم من قبل مسلحي القاعدة فإنه يجوز لهم أن يردوا عليهم، مشددا على أنه لا يجوز لأي شخص أن يرفع السلاح على الجنود، على الجيش الذي يقاتل ضد القاعدة في أبين. أما الاخبار فقالت إنه إرسل 150 مقاتلا من أتباعه في دماج، و150 آخرين من جبهة كتاف، للمشاركة في القتال ضد القاعدة في أبين.
ولم يلبث أن نطق الزنداني بعد أن صمت دهرا ليفتي فتوى مشابهة، ثم ما لبثت السبحة أن كرت. وفتوى الزنداني مهمة بصورة خاصة لانه متهم بالضلوع في إمداد أنصار الشريعة بالرجال والعتاد وإدارة معسكر تدريبي لحسابهم في أرحب. وكان حزب المؤتمر الشعبي العام في اليمن، قد اتهم رجل الدين عبد المجيد الزنداني واللواء المنشق عن الجيش على محسن الأحمر ورجل الأعمال حميد الأحمر، بتمويل تنظيم القاعدة، نافياً أن يكون هناك أي صلة للرئيس السابق علي عبدالله صالح بالقاعدة.
يكفي الحوار مع الإصلاح
> يرى البعض ومنهم القاضي الهتار بمشاركة أنصار الشريعة في الحوار كما هو الحال بالنسبة لجماعة الحوثي ما رأيك؟
- مشكلة القاضي الهتار هي أنه سلفي متعصب وفكره ليس بعيدا عن أفكار الارهابيين وممارساتهم وقد اثبت انه ليس رجل دولة على الاطلاق. فخلال وزارته للاوقاف عمل على تسليم الجامع الكبير للسلفيين في إحدى أبشع مظاهر التعدي الطائفي ضاربا عرض الحائط بتقاليد عمرها الف عام وهي دعوة للفتنة وإيقاظ لها. ثم لماذا الحوار مع الارهابيين ؟ يكفي الحوار مع الاصلاح. المسألة المتعلقة بالقاعدة، وكونها في جزئها الاكبر، إن لم تكن كلها، أداة إصلاحية، عليها قرائن متعددة تسندها الى حد كبير. فشقيق قائد عمليات الاصلاح في أرحب النائب منصور الحنق أو قريبه حسب روايته هو، قتل في أبين مقاتلا في صفوف القاعدة طبقا لتقارير صحفية متواترة وكثيرة، لايمكن أن ينفيها ادعاء النائب أنه مات هناك ولم يقتل. إن تضخم عديد القاعدة السريع في الجنوب ومحافظات شمالية اخرى يؤكد أن معينا كبيرا من السلفيين وطلبة جامعة الايمان وإصلاحيين يرفدها، وأنهم يشكلون قوام من يسمون أنفسهم أنصار الشريعة.
ويتهم الاصلاح واللقاء المشترك الرئيس السابق صالح وأجهزته بصناعة القاعدة في اليمن، ولكن ذلك الاتهام ليس إلا جزءا ضئيلا من الحقيقة المعروفة وهي: ان الجنرال علي محسن الاحمر وجهاز الامن السياسي الموالي له كانا الممسكين بملف الجهاديين بما فيهم القاعدة طوال فترة حكم صالح، ولعل ذلك يفسر استهداف القاعده لضباط الامن السياسي الذين هم بالتأكيد مصادر خطيرة للمعلومات عن كامل الملف.
وأن الحرس الخاص، والحرس الجمهوري، وقوات مكافحة الارهاب، والامن القومي، لم يكن بوسعها التعامل مع ملف كهذا، بتلك الطريقة، طريقة الرعاية والحماية، في ظل التدريب والاشراف الاميركيين، الهادفين الى تأهيلها كقوى مقاتلة فعالة ضد الارهاب، وإلا لكان ذلك ضربا من الجنون. ومن ثم فإن تلك الاتهامات لهذه الاجهزة تفتقر من الناحية المنطقية إلى أي ذرة من المصداقية.
> ولماذا يقوم الإصلاح بذلك وهو في الحكومة؟
- لقد أفصح حزب الإصلاح عن توجه انقلابي مسلح منذ انضمامه للثورة، وأعتقد أن ذلك كان نتيجة لقراءة صحيحة للواقع مفادها أنه لن يتمكن من الاستحواذ على السلطة إذا أسقطت الجماهير النظام، بل إنه سيكون معرضا للخطر أسوة بالنظام لشراكته الطويلة معه، وتورطه في أسوأ ممارساته، فذهب الى مهاجمة المعسكرات والمقار الحكومية التي نهبت على يد ميليشياته القبلية والعقائدية، بل وذهب أبعد من ذلك الى الاغتيال كما حدث في جامع الرئاسة، وفرض سيطرة حديدية على ساحات الثورة ومارس فيها العنف اللفظي والجسدي والاقصاء.
ولما لم يوصله ذلك كله الى هدفه تورط في لعبة الارهاب القاتلة، وقد تزامن توسع الجماعات الارهابية مع تصريحات لقادة الاصلاح وجنرالهم بأنهم قادرون، إذا ما خرج صالح وأنصاره من السلطة، على إنهاء تهديد القاعدة كليا في فترة وجيزة ذكر بعضهم أنها شهر واحد. ويتفق الشيخ العرشاني الذي ذكرته من قبل معي في ذلك فقد قال ما فيش قاعدة.. هم إخوان مسلمون وهؤلاء فصيل منهم وفي حالة احتاجوهم أخذوهم وإذا أرادوا إسكاتهم يستطيعون ذلك في أية لحظة، ولذلك تسمعهم يقولون إذا قامت الدولة المدنية ستنتهي القاعدة.. لأنهم أنفسهم هم القاعدة.. وسيهدأون إذا انتهت المنافسة ووصلوا إلى المنصب. وبالمناسبة أنصح الشباب والسياسيبن بقراءة الحوار الذي اجرته معه الجمهور وهو موجود على الانترنت. ولكن ما لم يدركه الاصلاح وهو يخوض مغامرته أن اليمن أصبح أحد أهم المواقع للاستراتيجية العسكرية الامريكية الجديدة، التي يقع مركزها في استراليا حيث يمتد منها ذراعان أحدهما يوازي الدول المشاطئة للمحيط الهادي، والثاني يمتد على طول المحيط الهندي ليستقر لأنه يوفر لها الذريعة لتخلق لها وجودا ثابتا هنا. وأن قطر ضالعة الى الأذقان في الاستراتيحية العسكرية الاميركية وكذلك تركيا. والخلاصة ان الإصلاح يلعب بالنار ويعرض نفسه والبلاد للجبروت الأمريكي الغربي بلعبته ومغامرته الخرقاء المميتة.
> المواجهات المسلحة بين الإصلاح والحوثيين في الجوف، وامتداده إلى حجة ما طبيعته برأيك مذهبي أم سياسي؟
- هو قطعا صراع سياسي بامتياز.والدين والمذهب يستخدمان فيه لتحقيق غايات سياسية. فعندما قامت عناصر قبلية تابعة للتجمع اليمني للإصلاح طبقا لتقارير صحفية عديدة. بمهاجمة معسكرات الجيش في الحوف أدت هذه الاشتباكات إلى فرط عقد فرقة عسكرية كاملة مكونة من ثلاثة ألوية وقوامها خمسة آلاف جندي وضابط في الجوف والاستيلاء على كامل معداتها لتستخدم من قبل الشيخين أبكر والعكيمي الإصلاحيين في القتال ضد الحوثيين حماية للحدود السعودية كما قالا طبقا لصحيفة الوسط، ليرتفع مستوى القتال القبلي الأهلي إلى مستوى القتال بالدبابات وراجمات الصواريخ. وكان الحوثيون قد رفضوا قيام ميليشيات الاصلاح هذه بالاستيلاء على المعسكرات وأسلحتها تحسبا من استخدامها ضدهم من جهة وهيمنة الاصلاح على المحافظة لغايات انتخابية من جهة اخرى فحدث القتال. وكان القتال في حجة للدوافع ذاتها إلا أن السلفيين قاتلوا الحوثيين في دماج وكتاف وحجة لغايات سعودية متعلقة بمخاوفهم الحدودية رغم تطمينات الحوثيين المتكررة.
> كيف تنظرون إلى المستقبل؟
- ما لم يكن الرئيس هادي على مستوى آمال الملايين المعلقة عليه في إرساء مداميك الدولة المدنية الحديثة، دولة النظام والقانون والتنمية، فإن الحوثيين الذين تحركوا في العقد الاخير من حكم صالح، بالاسلوب الذي يفهمه، يكونون قد أبعدوا عن أنفسهم التهديد ولو مؤقتا. أما الجنوبيون فلا بد وسيخوضون حربا لانتزاع حقوقهم من المطنطنين بالوطنية، سواء كانوا من بقايا نظام صالح أو من المعارضة. بقية البلاد وخاصة في إب وتعز وتهامة لن ينالوا شيئا الا إذا استعادوا مسيرة الجبهة الوطنية بشكل من الاشكال، لأن الظلم عندهم قد ترسخ وضرب في الأرض بجرانه، وقلعه بحاجة الى كفاح مرير.
وربما يختصر تحالف واسع يضم قوى المضطهدين من تهامه وإب وتعز، وأساسه القوي الحراك الجنوبي والحوثيون، ، ويخلق يمنا جديدا قائما على العدل والمساواة، ولكن مثل هذا التحالف سيواجه تحالفا مضادا شرسا وقويا اساسه المشايخ وعملاء السعودية عسكريين ومدنيين، ولابد كما كان كمال جنبلاط يقول عن المارونيين من إسقاطهم عسكريا لكي يتحجموا سياسيا، فلا يكون لهم وزن أكبر من حجمهم الطبيعي في البلاد.
والمؤسف أن الكثير من الشباب يعلقون آمالهم على السعودية ودول الخليج، ولايدركون أن إضعاف اليمن وتمزيقه والابقاء عليه متخلفا سياسة سعودية تنفذ بدأب وإصرار، وأن الخروج من هذه الدوامة المصيدة يتطلب إرادة وطنية واعية تدرك ذلك.

التعليقات