مناقشة مسودة استراتيجية العدالة الانتقالية فيما يخص معالجة قضايا الفساد باستخدام آليات العدالة

مناقشة مسودة استراتيجية العدالة الانتقالية فيما يخص معالجة قضايا الفساد باستخدام آليات العدالة
القاهرة - دنيا الوطن
عقدت عالم واحد للتنميةجلستها الأولى للخبراء والسياسيين والقانونيين، بهدف مناقشة وضع الجرائم الاقتصادية على أجندة مسودات القوانين المقترحة، والخاصة بالعدالة الانتقالية، وأيضا لتقارب وجهات النظر المختلفة حول موضوع الجلسة، والحصول على اقتراحات لآليات العمل وفقا لسياسات محددة. وعقدت الجلسة يوم الأربعاء 26 مارس 2014 بفندق سفير بالدقي.

وحضر من الخبراء كل من، الدكتور أيمن الصياد، رئيس تحرير مجلة وجهة نظر، الأستاذ محمد زارع، رئيس المنظمة العربية للإصلاح الجنائي، المستشار عادل ماجد، نائب رئيس محكمة النقض، الدكتور إيهاب الخراط، أمين الهيئة العليا للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، المستشار محمود فوزي عبد الباري، مستشار وزير العدالة الانتقالية، الأستاذ أحمد راغب المحام وعضو الجماعة الوطنية لحقوق الإنسان، الأستاذة لمياء كلاوي، المنسقة الإقليمية لبرنامج مصر بمنظمة الشفافية الدولية، الأستاذ محسن بهنسي رئيس مركز الشهيد لحقوق الإنسان، الأستاذ خالد بدوي مدير مركز الدراسات الريفية، الأستاذة أمل مختار الباحثة السياسية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، الأستاذة شيماء حماد، المدير الإقليمي لمؤسسة النمو الاقتصادي والإصلاح القانوني، والأستاذ ماجد سرور مدير مؤسسة عالم واحد للتنمية.

في البداية أشار الأستاذ ماجد سرور مدير عالم واحد للتنمية إلى أن ملف العدالة الانتقالية ليس جديدا في مصر أو المنطقة العربية، ولكن ربما الحديث حول العدالة الانتقالية قد تصاعد خلال السنة الماضية، الأمر الذي دفع إلى إصدار قرار لإنشاء وزارة العدالة الانتقالية، كما أكد سرور على حرص مؤسسة عالم واحد للتنمية ومنتدى رفاعة الطهطاوي لدراسات الديمقراطية على أهمية طرح ومناقشة مسألة تضمين مكافحة الفساد والجرائم الاقتصادية في إطار العدالة الانتقالية لما لمكافحة الفساد من صلة وثيقة بآليات وإجراءات العدالة الانتقالية، وبخاصة في آليتين أساسيتين، الأولى وهي لجان كشف الحقيقة والتي تسعى لمعرفة الحقيقة حول الجرائم الاقتصادية الكبيرة التي تكشف الأمور التقنية والتكتيكات التي تم اتخاذها في الماضي لارتكاب وقائع الفساد، اما الآلية الأخرى فتتمثل في إصلاح المؤسسات وهي المتلازمة الأهم لعمليات مكافحة الفساد من أجل الوصول إلى آليات إصلاحية يمكن اتباعها في المستقبل لهذه المؤسسات.

وأكد سرور أن السقف الحقوقي لدى الخبراء والحقوقيين مرتفع جدا، يعتمد ويتخذ من الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان مرجعًا أساسيا له، إذا ما قورن بالسقف الحكومي الذي يعد منخفضا، يتمثل في بعض الحلول غير الجذرية، الأمر الذي دفع إلى عقد هذه الجلسة والتي خصصت للخبراء والمعنيين والباحثين والأكاديميين ومنظمات المجتمع المدني بهدف تقارب وجهات النظر المختلفة حول موضوع الجلسة، والحصول على اقتراحات لآليات العمل وفقا لسياسات واضحةومحددة.

أما الدكتور أيمن الصياد فقد أكد على أنه يمثن الاتجاه نحو الجلسات الصغيرة التي تركز على موضوع بعينه مثل موضوع مكافحة الفساد في إطار العدالة الانتقالية ومحاولة الخروج بنتائج محدة. وفي البداية طرح الصياد عددًا من الأسئلة، منها، كيف نرى ما نحن فيه الآن؟، مشيرا إلى أنه ومنذ ثلاثة أعوام والأمور تزداد سوءا وهذا الملف تحديد –العدالة الانتقالية ومكافحة الفساد- لا مناص منه على الإطلاق، مشيرا إلى أن العدالة الانتقالية هي ملك للمجتمع وتعني أن يشعر المجتمع بالمساواة، ومن هنا فمن المهم محاولة تلمس ما يريده المجتمع، طارحا سؤال آخر، من أين نبدأ في هذا الملف؟

كما وأكد الصياد في كلمته أن هناك خمسة معايير –متطلبات- توضع في عين الاعتبار، تلك المعايير هي التي تمثل آليات العدالة الانتقالية، وهي كشف الحقيقة، المحاسبة، جبر الضرر، إصلاح المؤسسات، وإحياء الذكرى، مشيرا إلى أن ثمة صعوبات في تطبيق بعضها واستحالات في بعضها الآخر، وأنه يجب التركيز على الإصلاح المؤسسي الذي ربنا يأتي في مقدمة هذه الخطوات، مؤكدا على أن مسألة النزاهة والشفافية تعد عنصرا أساسيا عند مناقشة هذا الملف، مشيرا إلى أن العدالة الانتقالية هي مجموعة من التدابير التي تهدف إلى الانتقال، ويكون تغير المجتمع إلى مجتمع آخر لا يتعرض لنفس الانتهاكات التي جرت في الماضي، هي أهم النتائج المترتبة على هذه تنفيذ التدابير، ويأتي الفساد كأحد السمات الأساسية التي ثار الناس عليه في ثورة 25 يناير، حيث يأتي الفساد في صُلب المسألة – على حد قوله-.

ثم انتقل الحديث للسيد المستشار محمود فوزي، مستشار وزير العدالة الانتقالية، وممثل للوزارة، معبرا عن أن العدالة الانتقالية في مصر ذات خصوصية، وأن كل مجتمع يبرز أفضل سبل لعلاج مشكلاته وفقا لواقعه السياسي، وأكد أنه لا بد من التركيز على أن اللحظة الراهنة تتسم بعدة سمات أساسية وهي، وجود عنف في الشارع وارهاب في بعض المناطق، لهجة اعلامية صاخبة ، واستخدام الدين في الشؤون السياسية، ورفع شعارات الحرب على الإسلام والإرهاب، وهذه العوامل لاشك تعوق السير في طريق العدالة الانتقالية ،وقد نوه أنه يتوقع ان الخلاف السياسي سيتم حله عاجلا أم آجلا بطريقة او بأخرى، أما المشكلات الأساسية التي يعاني منها المجتمع والكامنة فيه ولا سيما حالة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية (على سبيل المثال: الصحة، التعليم، البطالة، المرافق)، فلابد من من حلول آنية وعاجلة وطويلة الاجل لها، مشيرا إلى أنه يجب علينا ان نتذكر ان الفساد كان من الأسباب الدافعة لثورة يوليو 1952 على النظام الملكي، وان الفساد يمنع من وصول ثمار النمو الى المواطنين بما ينعكس سلبا على استقرار المجتمع ككل.

 وأكد فوزي في كلمته أن وزارة العدالة الانتقالية اعدت مشروع قانون ينظم آليات العدالة الانتقالية، وتعتزم طرحه فور انتهاء صياغته النهائية لحوار مجتمعي واسع، تمهيدا لعرضه على البرلمان القادم طبقا لنص المادة 241 من الدستور، وترى الوزارة أن ملف التطوير المؤسسي هو أحد أهم آليات العدالة الانتقالية والاكثر الحاحا في الوقت الراهن والذي سبدأ بمؤسسة البرلمان، وانه يتعين الانتباه لخصوصية كل مؤسسة وتقاليدها عند اقتراح تطويرها ولتجنب احداث نتائج عكسية، مشيرا إلى أن أكبر التحديات في برنامج العدالة الانتقالية هو ركن المحاسبة، وان هناك رؤى مختلفة داخل الوزارة حول كيفية تحقيق ركن المحاسبة على الانتهاكات السابقة، فهل يتم اللجوء إلى المحاكم الجنائية العادية؟؟ أم إلى لجان كشف الحقيقة حيث يتم كشف المخالفات؟؟ أم أمام محاكم تختص بنظر جرائم سياسية بعقوبات سياسية مثل العزل والحرمان من مباشرة الحقوق السياسية؟؟؟ أم يتم الاعتماد على مبدأ الاعتراف مقابل العفو؟؟؟ وأكد أنه لا بد من وجود رؤية واضحة لركن المحاسبة حتى يتسنى المضي قدما نحو التطوير المؤسسي.

أما الأستاذ محمد زارع، فقد أكد على أنه لا يمكن قيام عدالة انتقالية دون وجود الإرداة السياسية والمجتمعية، الأمر الذي يعني التضحية بجزء من العدالة في الماضي من أجل المستقبل، مشيرا إلى ان الأنظمة السابقة سعت للسيطرة على الأوضاع السياسية والاستئثار بالسلطة أو الثروة، وأن كل ما يمكن فعله هو أمر مشروط بوجود توافق مجتمعي وسياسي. كما أكد زارع على أهمية المصالحة الوطنية، وإقرار فكرة الاعتراف مقابل العفو، مشيرا إن طرح هذا الأمر بالشكل الصادم لن يكون إيجابيا أو مفيدا.

أما الأستاذ خالد بدوي فقد أكد على ضرورة تسييد القانون لإقامة العدالة الانتقالية، مشيرا إلى الارتباط الوثيق بين مكافحة الفساد والعدالة الانتقالية، فلا يجوز تجاهل البعد الجغرافي والطبقي للفساد، حيث يتطلب الأمر إرادة مجتمعية تقوم بشكل متواز مع الإصلاح القانوني، حيث أن الإصلاح القانوني والتشريعي وحده لا يتيح منتجا نهائيا يعالج كل ما تم في الماضي.

وأكد بدوي على أنه تم إهمال البعد الطبقي في قضايا الفساد، الأمر الذي يربتبط ارتباطا وثيقا بالتوظيف بالوزارات السيادية داخل الدولة مثل القضاء والشرطة، مشيرا إلى ان الاعدالة الانتقالية ترتبط ارتباطا وثيقا بمكافحة الجرائم الاقتصادية، وأنه لن يتم تطبيق آليات العدالة الانتقالية إلا من خلال الشارع (المجتمع)، بحيث يتأصل لدى أفراده أن أخذ الفرصة في التوظيف أمر يتوقف على الكفاءة والخبرة، وليس على الوساطة أو الطبقة الاجتماعية.

أما الأستاذة أمل مختار، الباحثة بمكرز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية،  فقد أكدت على أنه لابد قبل البدء في تطبيق آليات العدالة الانتقالية، أن يتم معرفة الأسباب أو التجاوزات التي حدثت بالفعل، ففي الأرجنتين على سبيل المثال كان هناك نظام عسكري قمعي، ارتكب جرائم القتل والتعذيب، وخرج هذا النظام من الحكم بهزيمة عسكرية ترتب عليها القيام بعمليات كشف الحقيقة ومحاكمة المجرمين من أجل تحقيق العدالة الانتقالية حيث تم تقديمهم للمحاكمة، وتتم محاكمتهم حتى الآن. وفي الحالة التشيلية كان الهدف من إجراء آليات العدالة الانتقالية، عدم العودة لممارسة التجاوزات مرة أخرى، حيث لجأت إلى معالجة بعض شرائح المجتمع نفسيا، والذي كان الشريحة العظمى منه ممن يمجدون الحاكم العسكري وتجاوزاته.

كما أشارت إلى أنه يتوجب إنشاء لجان لكشف الحقيقة، وليس لتقصي الحقائق، في حين يصعب –على سبيل المثال- محاسبة جهاز الشرطة، وهم يحاربون الإرهاب الآن.

أما الأستاذة لمياء كلاوي، المنسقة الإقليمية لبرنامج مصر بمنظمة الشفافية الدولية، فقد أشارت في بداية حديثها إلى أن ترتيب مصر في مؤشر مدركات الفساد 114 من إجمالي 177 دولة، معبرة عن ذلك الأمر بأنه شيء مؤسف وبخاصة بعد مرور ثلاث سنوات على ثورة 25 يناير.

وأشارت كلاوي، إلى أنه على الرغم من ذلك الترتيب المتراجع، إلا أنه لا توجد استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد، وأن اللجنة الوطنية المعنية بمكافحة الفساد لم تظهر إلى النور، وتساءلت، هل هناك بالفعل استراتيجية لعمل اللجنة، وإذا كانت هناك استراتيجية، فما هي الخطوات التي تتخذها لمكافحة الفساد؟.

وأكدت كلاوي على أن الدستور المصري الحالي يتيح فرصة التعاون مع ملف الفساد، جنبًا إلى جنب مع الاتفاقيات الدولية ومنها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وهي تشريعات تمثل فرصة كبرى يجب استغلالها، مؤكدة على أن عدم وجود ربط بين جرائم الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان يعد من سلبيات هذه المرحلة، حيث أن هناك أعداد كبيرة من ضحايا الجرائم الاقتصادية، لا تقل عن ضحايا جرائم حقوق الإنسان، الأمر الذي ينعكس في عدم وجود الاستقرار والسلم الاجتماعي.

كما أكدت على أن العدالة الانتقالية، فرصة كبرى للتعامل مع جرائم الفساد، مشيرة إلى أن القوانين الحالية ليست قادرة على معالجة كافة الأمور بشكل واضح، الأمر الذي يتطلب معرفة الحقيقة، ووضع استراتيجية محددة لاستخدام آليات العدالة الانتقالية ليس فقط في الحقوق المدنية والسياسية، ولكن أيضا فيما يتصل بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية ومكافحة الفساد والجرائم الاقتصادية.

أما الأستاذ محسن بهنسي، رئيس مركز الشهيد لحقوق الإنسان، فقد أكد على ضرورة وجود إرادة سياسية حول فكرة إقامة العدالة الانتقالية، مشيرا إلى صعوبة القيام بإجراءات العدالة الانتقالية في ظل وقائع القتل أو الشروع في القتل وإصابة المتظاهرين، كما أنه يكن هناك اعتراف بأن هناك فساد فيما يتصل بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، كما اوضح أن هناك إغفال للمحاسبة الجنائية في ظل التحريض الإعلامي وازدواجية المعايير، حيث لم يكن الإعلام بشكل حقيقي مع الثورة لنقل الصورة الكاملة حول تجاوزات أجهزة الشرطة وحوادث العنف والقتل. كما أكد على أنه هناك عدد من القوانين والتشريعات التي تسمح بإفلات المجرمين من العقاب.

وفي مداخلته، أكد الأستاذ أحمد راغب عضو الجماعة الوطنية لحقوق الإنسان، على أهمية الإرادة السياسية الحاكمة والتي بدورها تحدد مسار العدالة الانتقالية، حيث أن السياق السياسي له علاقة وثيقة ببناء النظام الجديد، الأمر الذي يتجسد في ثورة 25 يناير بموجاتها المختلفة وأخرها موجة 30 يونيو، حيث يتوجب هدم النظام القديم وإعادة إنتاج نظام جديد، وذلك لا يعني هدم الجيش أو تسريح الشرطة، ولكن أن يتم الانتهاء من عقيدة النظم القديمة، الأمر أيضا يرتبط بإصلاح أو تطهير المؤسسات.

كما أكد أن الدستور لم يؤسس للعدالة الانتقالية بشكل جيد، حيث تناول في أحد نصوصه على أن مجلس الشعب القادم ملتزم بإصدار تشريع يكفل كشف الحقيقة والمحاسبة واقتراح أطر المصالحة الوطنية وتعويض الضحايا، ولكنه أغفل الإصلاح المؤسسي، كما أنه لم يتناول  مشكلات مثل المحاكمات أو الجرائم السياسية، فالاتجاه إذن لتحصين المؤسسات وليس المحاسبة ومعرفة الحقيقة.

كما أكد في كلمته على أن الجرائم الاقتصادية ونهب الأموال لابد وأن تناقش في إطار آليات العدالة الانتقالية، حيث أنها انتهاكات تتصل بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الأمر الذي ينعكس بشكل كبير على كافة القطاعات التي تمثل الظهير الشعبي للعدالة الانتقالية ومنهم النوبيون والبدو والمواطنين في المناطق الشعبية.

أما الدكتور إيهاب الخراط، فقد أشار إلى مفهوم العدالة الانتقالية والذي يتحدد في أربعة نقاط أساسية، وهي الانتقال إلى نظام جديد، الانتقال إلى نظام جديد مع الحفاظ على المباديء الشرعية الدولية، الحفاظ على مؤسسات الدولة مثل الشرطة والجيش، ووقف الحرب الأهلية أو الاحتجاجات لتحقيق مطالب الثوار، وبالتالي فإن هناك ثلاثة مرجعيات تبنى عليها المشاريع السياسية، وهي، الدولة القوية المستقرة، مثل مشروع محمد علي وجمال عبد الناصر، ومرجعية الدين، منذ كهنة آمون، وأخيرا مرجعية "عيش حرية عدالة اجتماعية" وهي مرجعية الحداثة والدولة الديمقراطية.

وأكد الخراط في كلمته على ضرورة التطوير المؤسسي، وبخاصة في أجهزة الشرطة والقضاء، موضحا أن عددا من المؤسسات داخل الدولة تعاني من عدم الكفاءة والتدهور الإداري لدرجة الوصول إلى القبيلة أو العشيرة، مؤكدا على ضرورة محاسبة الرموز او القيادات التي ارتكبت جرائم اقتصادية في الماضي.

هذا وقد تولي المستشار عادل ماجد، نائب رئيس محكمة النقض، التعقيب على ما أثير من أسئلة أساسية خلال المناقشات مقرراً أن أحد الأسباب التي أدت إلى تعثر مسيرة العدالة الانتقالية في مصر، هو غموض مفهوم العدالة الانتقالية لدى الكثيرين، بل وإساءة استخدام هذا المفهوم وما يرتبط به من مفاهيم أخرى كالمصالحة الوطنية، فضلاً عن وجود جبهة ممانعة لتطبيق آليات العدالة الانتقالية، وعدم وجود إطار مؤسسي يتفق مع المعايير الدولية السارية يمكن من حلاله تطبيق آليات العدالة الانتقالية باستقلالية وحياد. وقرر بأن المادة 241 من الدستور توفر مناخاً مناسباً لتطبيق آليات العدالة الانتقالية وأنه يمكن من خلالها إنشاء مفوضية مستقلة للاضطلاع بتطبيق آليات العدالة الانتقالية، وأنه لا يحبذ تطبيق تلك الآليات إلا من خلال مقاربة شمولية وكيان مستقل يحوز على ثقة كافة أطياف المجتمع.

وفي مجال مكافحة الفساد، أشار إلى أنه كان يأمل أن يتضمن دستور مصر الجديد إنشاء مفوضية مستقلة للفساد على النحو الذي تطلبته اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد. واستطرد سيادته مؤكداً على أنه من المهم التعويل في تلك الحالة على آليات العدالة الانتقالية لمكافحة الفساد، مؤكداً على أن تطبيقها على نحو شامل وناجز، خاصة من خلال آلية الإصلاح المؤسسي، من الممكن أن يعمل على تعزيز مبادئ سيادة القانون، وتوفير مناخ ملائم للتصدي للفساد بكافة صوره وأشكاله، وأنه حرص في مشروع قانون العدالة الانتقالية الذي قام بإعداده على تضمينه بعض النصوص الخاصة بكيفية تفعيل مفاهيم المحاسبة والتطهير، والإجراءات اللازمة في هذا الشأن.

وفي مجال المقترحات والتوصيات قرر بأنه يجب على وزارة العدالة الانتقالية الاضطلاع بدورها بالتمهيد للإجراءات السالف ذكرها عن طريق القيام بحملات وبرامج يمكن من خلالها إعلام المواطنين بحقيقة مفهوم وأهداف العدالة الانتقالية وآليات تطبيقها بهدف تكوين ظهير شعبي مؤيد لما يتم اختياره من آليات وإجراءات، وأوصى بضرورة إعداد برامج تدريبية وورش علم تستهدف العاملين في مجال الإعلام لإعداد كوادر وطنية متخصصة في مجال الصحافة والإعلام من تتمكن من الاضطلاع بحملات للتوعية الجماهيرية بشأن المفاهيم السابقة، بلغة سهلة الوصول إلى المواطن العادي. كما أكد على ضرورة إعداد استراتيجية وطنية شاملة للعدالة الانتقالية بالتنسيق بين جميع الجهات المعنية، تتمركز على المحاور التي أشار إليها بدراسته حول تحديات تطبيق العدالة الانتقالية في مصر. وبالنسبة لدور مؤسسة عالم واحد، فقد أوصى بأهمية تكوين مجموعة من الخبراء لمراجعة مشروع قانون العدالة الانتقالية المقدم منه ومن غيره من الخبراء بهدف إعداد مشروع متكامل للعدالة الانتقالية يتم عرضه على مجلس النواب القادم إعمالاً لنص المادة 241 من الدستور.

التوصيــات

وفي نهاية الجلسة اتفق الخبراء، على أن مكافحة الجرائم الاقتصادية (جرائم الفساد) ونهب الأموال والاستيلاء على أصول الدولة باستخدام آليات العدالة الانتقالية، وهي لجان الحقيقة، والمحاسبة، جبر الضرر، إصلاح المؤسسات، وإحياء الذكري، تحقق أحد أهم التي خرج لها الشعب المصري في ثورة 25 يناير 2011، وهو تحقيق العدالة الاجتماعية.

كما أصل الحضور على ان الفساد يعد واحدًا من أهم الانتهاكات الجسيمة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطن، بمعنى انها تعد في بعض الأعراف جريمة ضد الإنسانية، حيث يحرم المواطنين من ثمار التنمية.

واتفق الخبراء على أن اتباع معايير النزاهة والشفافية في التعيين في الوظائف العامة في الدولة، وبخاصة السيادية منها (القضاء والشرطة) من الأمور التي يجب أن تتعامل معها لجان الحقيقة، لمحاسبة المسؤولين بغرض إصلاح المؤسسات، كما أوصى الخبراء بأن مفوضية العدالة الانتقالية قد تسهم بشكل كبير في التعامل مع قضايا الجرائم الاقتصادية نظرا لعدم وجود تشريعات وآليات تصلح للتعامل مع مثل هذه النوعية من الجرائم.

وأوصى الحضور بخصوصية الحالة المصرية في مسـألة العدالة الانتقالية، الامر الذي يعني ضرورة تضمين قضايا الجرائم الاقتصادية في كافة مراحل تطبيق آليات العدالة الانتقالية، بالاستفادة من خبرات الدول الأخرى في هذا المجال مثل كينيا وتشيلي والمغرب.

وقد اتفق الخبراء على أن إصدار قانون خاص بالعدالة الانتقالية يتضمن النص على مكافحة الجرائم الاقتصادية عملية طويلة وضرورية وتحتاج إلى مجهود كبير من منظمات المجتمع المدني متمثلا في حملات مناصرة على الصعيدين الرسشمي وغير الرسمي بغرض تهيئة المجتمع لتقبل فكرة وآليات العدالة الانتقالية.

كما أكد الخبراء على اهمية الدعم الفني الذي يمكن الحصول علية من المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني المصري في إقامة حوار حول القوانين والتشريعات الخاصة بالعدالة الانتقالية وبالتالي مكافحة الجرائم الاقتصادية، وأكد الخبراء على أن الشهور العشرة التي بدأت من الشهر الحالي، تعد توقيتًا ملائمًا للقيام بكل العمليات التحضيرية لإصدار مسودات لمجموعة تشريعات خاصة بالعدالة الانتقالية لعرضها على مجلس الشعب القادم.

وقد أقر المجتمعون أن استراتيجية العدالة الانتقالية تحتاج إلى مزيد من التعديلات وتضمين مبادرات المجتمع المدني في داخل إطارها العام، كما أشار الخبراء إلى أهمية العمل مع وسائل الإعلام لتكوين حشد يمثل ظهير شعبي يقف خلف مكافحة الفساد والجرائم الاقتصادية في إطار العدالة الانتقالية.

وقد اتفق الحضور على اهمية تكرار مثل هذه الاجتماعات التشاورية بين منظمات المجتمع المدني والوزارة المعنية وهي وزارة العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، على ان تكون الوزارة ليست فقط ممثلة، ولكن تأخذ في عيد الاعتبار ما تتوصل إليه المناقشات من رؤى وتوصيات.

التعليقات