ليلى

ليلى
عيسى قراقع

في عيد الأم انكسر حلم ليلى في ذلك الفجر عندما داهم الجنود البيت، دعسوا على الحلم والليل وفضة الناعسين للأطفال النائمين وحقائبهم ودفاترهم وفراشاتهم الطائرة.

ليلى لا تسكن النهر ليأخذها حيث يريد عطش الماء، ولا تقيم على ضفاف النخيل والشواطئ الذهبية، هي امرأة فلسطينية تسكن قصيدة فلسطينية، وبيتا في مخيم ممسوح من طبيعته الإنسانية ، وهي رغم ذاكرتها الثقيلة لم تخف عواطفها أمام حاجز عسكري يقطع حبل الصرة بين المكان والزمان.

ليلى اختيار الأرض لشكل أنوثتها عندما يصرخ البرق ويأتي الرعد والأمطار، قاومت البشاعة بالجمال وبالحليب، لبت شهوة الجسد للطبيعة، وأنجبت الأطفال لتواصل الحياة ضد الموت إلا إذا أصبح الموت فيما بعد أفضل من الحياة.

ليلى الفلسطينية في عيد الأم تحمل روحها إلى أبنائها الاسرى في سجن نفحة ، ما أطول الرحلة وما أقسى الكلام من خلف زجاج لا يكشف إلا عن أشباح أصابتهم شيخوخة الكلام والحنين إلى أمهاتهم، انه عذاب الأحياء، تقول ليلى وهي تلوح بيدها للحراس المرتبكين بين أشكالهم وبنادقهم.

ليلى المدينة والقرية والشجرة، المتحركة في مساحة الروح إذا اتسعت، وفي الأرض إذا أخصبت، ونجدها هنا وهناك، تارة شهيدة وتارة أسيرة، وتارة قوس قزح يتسلق السماء، ليرى القدس أقرب بألوان أسماءها وأعشابها وآياتها النازلات.

ليلى امنا التي استمر إيقاعها رغم انكسار جيتارة الألم في صوتها، التطابق الشفاف بين الرضاعة والمقاومة، التكامل المتوحد بين الجنازة والزفاف ، عالية عالية كالأزرق في فضاء البحر المتوسط ، لامعة لامعة كنجوم شجرة الميلاد، لا تخش الطرق المظلمة ولا الصلاة قرب وقع الرصاص.

في عيد الأم دعس الجنود على ثوب ليلى في ذلك الظلام، قيدوها وعصبوا عينيها وأمعنوا في خطيئتهم الأولى واللاحقة عندما اخذوا أولادها معها إلى الزنازين ، صراخهم يعلو، ألعابهم تتناثر وأمنياتهم الصغيرة، البيت فارغ، الباب مفتوح، وليلى تحتضن المشهد كما الذاكرة، وتغني: حلمي يقود خطاي، يجلس في حضني ، املأ صدري بالسحاب، أنا عائد أيها الراحلون من مهب الغياب.

ليلى الفلسطينية مشروع حنين يدافع عن بلد خطفته الأساطير الكاذبة، تملأ جرتها وهي تعدد أسماء الشهداء والأسرى منذ النكبة حتى سجن مجدو، كأنها اثنان في واحد بين الماضي والحاضر، تحمل بلادها حتى في السجن وساعة المخاض.

وليلى صورة الجميع عندما تبكي كل الأمهات في جنازة أسير عاد محمولا بالمرض والخيبات، وصورة ذلك الطفل الذي يفتش عن أمه في غموض العتمة وبين الأسلاك الشائكات.

وليلى فجرنا الغامض، وردتنا البعيدة القريبة، جمرتنا والمجال الفسيح المدى للانتباه إلى تفاصيل المكان والذكريات، تسمع نبض دمها في الحصى وعروق الشجر، وهي أمك خطاب ولادتك، وخطاب حبك، وخطاب فصولك الأربع عندما تكبر و يرتفع بك ضوء الغمام.

في عيد الأم أراها واقفة على حاجز قلنديا العسكري، تحمل سلة من الزهر وأرغفة خبز تقتحم جنون الاحتلال والغبار ولون الجدار ، وأراها غاضبة، وأراها مبتسمة تترك بذورا في حقل يدي وتنتظرني بعد شتاء.

ليلى الأم تفتح حوارا بين الواقعي والأبدي، مقتنعة وهي تدثرنا من البرد أن البداية هنا، والنهاية هنا أيضا، تروى الحكاية، لا تنام إلا بعد أن تقبلنا واحدا واحدا وتغلق الشباك كي نبقى ملتصقين دافئين.

ليلى المطلة على السلام والحرب، ابنة الرحيل المستمر، عرفتها بعد أن وقعت في شرك أغنيتها، واحببتها عندما صرخ السجان في وجهي: أن هناك من يبحث عنك في الكوشان ويقف خلف السور، وكانت تجلب لي كلماتي وكتبي وبقايا بكائي ونعاسي، وتوصيني أن أحلم دائما بما استحق، وأن أتعود على الفطام.

ليلى الفلسطينية لا تخف من خيبة الأمل ، لا تخاف على قلبك، تتحمل صدمة المفاجآت، شاهدة على أكثر من تاريخ عاشته في لحظة واحدة، ليس في قلبها مكان لطعنة جديدة، تنام في الشمس الحامية وتدلك على جهات الحرية.

التعليقات