قنبلة هيروشيما و الواقعية المستحيلة في سوريا
المفكر د . نديم سراج الدين
ما يحصل في سوريا الآن يمكن اعتباره خارج عن التصوّر البشري و يمكن وصفه بالمستحيل او الغير ممكن. و هذا ليس رأي المواطن الذي يعيش في الداخل فحسب و إنما رأي من في الخارج أيضاً، فما يجري في سوريا الآن لا يمكن إعتباره مجرد صدفة او ناتج عفوي بل إن له عوامل و أسباب كافية و موضوعية أدت الى هذه الفوضى الكارثية، لذا فمن اللازم علينا تحليل هذه الأسباب وفهمها اذا كنا راغبين فعلاً اوحتى مجبورين على تحسين الأوضاع الحالية. اذا حاولنا تطبيق القانون الثالث المنطقي الذي يقول: " المظاهر التي نلاحظها او نشاهدها يكون لها أسباب كافية لإظهارها، اما فيما إذا غابت هذه الأسباب فلا يمكن لهذه المظاهر ان توجد اي انها ليست مجرد صدفة". فبعد ثلاث سنوات من الحرب الأهلية الداخلية تأكدنا من ضرورة الحوار لعدم وجود أية بدائل أخرى. ومن هنا يمكن تشبيه الحوار بمحور ثابت ندور حوله فيمكن القول ان هذا المحور هو منطق العقل السليم الذي يعتبر القاسم المشترك لجميع البشر بغض النظر عن انتمائاتهم للطبقات الاجتماعية المختلفة وكما يقول المثل : كل إنسان قد يشتكي من ضعف الذاكرة و لكن ما من احد يشتكي من ضعف العقل.
وبالإمكان تشبيه منطق العقل السليم بالماء الذي تستعمله النساء بالطبخ مما يعني انه لا يمكن الاستغناء عنه. و هذا المثل ينطبق على الجميع بغض النظر عن ثقافاتهم المختلفة لأن الامر يتعلق بالبشر ككل. فالعقل السليم يُطبَق على الحاكم و المحكوم على حد سواء، والعقل السليم مرتبط بفلسفة الزمان او ما نسميه في الألمانية بروح العصر ( Zeitgeist) وبالإنكليزية "spirit of age" وهذا ما عبّرت عنه في الدراسة السابقة التي قمت بها وألقيتها في " اليونيسكو" بباريس تحت عنوان ( Global Science, ten thesis of conception of 21 century) أي مبادئ العولمة في القرن الواحد و العشرين و من أهم ما ورد فيها أن المحرك السياسي للمجتمعات ليس فقط الأيديولوجية و إنما تطور المعرفة و الثورات العلمية وخصوصاً في علم الطبيعة. إذ أن العولمة هي السحاب التي تظلل السماء علينا وبالتالي تتغلب على الحدود الوطنية و الإقليمية بالإضافة لكونها الهواء الذي نستنشقه جميعاً بغض النظر عن الأنظمة السياسية المختلفة. لهذا فإن قوانين الطبيعة أقوى بكثير من قوانين العقل الإنساني و إرادته.
والسياسي المحلي يحاول المستحيل مراراً و تكراراً لضبط الأمور و بناء سياج حول مجتمعه كالسياج الذي كان موجود بين برلين الشرقية والغربية او بين الولايات المتحدة والمكسيك او حتى السياج الموجود في الأراضي الفلسطينية .بينما التيار العالمي و العولمة تطغى عليه وتتخطى الحدود والاسياج الشائكة و كما يقال السياسي المحلي يبيع الأفكار بالمفرق بينما الفيلسوف يبيعها بالجملة على شكل برنامج او حزمة مناسبة لروح العصر، وعلى سبيل المثال استطاع الأتراك في هذه المرحلة الحالية في حزب العدالة و الحرية بنجاح ببرمجة مبدأ العدالة الشرقي و مبدأ الحرية الغربية. فالمبدأ الشرقي في السياسة هو العدالة أي أن الحاكم يجب أن يكون متواضع، حكيم ومتوازن و عنده مصداقية، والعدالة تتحقق في مكافحة الرشوة و الفساد و تطبيق القانون ليس بنصه فقط وإنما بروحه أيضاً بالإضافة الى حيادية المحاكم. عندما سئُل أفلاطون لماذا العدالة ضرورية فأجاب لأنها عقلانية بمعنى الحكمة للمستقبل ، وكما قال أحد أساتذتي : أوربا عندها العلم وآسيا تملك الحكمة. أمافي طلب السوريين للحرية فقد كان رد النظام حاسم وموجع حيث أنه إعتبره ثورة جذرية قلبت الموازين رأسا على عقب مما أدى الى خسارة الأمن و تفشي الفوضى. ويجب أن لا ننسى أن الحاكم أيضاً إنسان يخاف على حياته و يتذكر ما حصل في التاريخ كالمقصلة والإرهاب في الثورة الفرنسية أو ما حصل في ليبيا مع القذافي لأن الحاكم كلما زاد سلاحه، زاد معه خوفه. يوجد مثل يقول : اذا كان رئيسك قوي دير بالك على حالك، و اذا كان رئيسك ضعيف دير بالك عليه.
ومن هنا لو كنا قدقمنا بتعريف المشاكل و تحديدها سلفاً كان من الممكن أن يكون تصرف الحاكم مختلف ولاختلفت معه نظرته للاحتجاجات التي وجدها مظاهرات تطالب بقلب النظام و ما كانت لتظهر على انها تحدٍ له واستفزازاً شخصياً للحاكم نفسه. ولازال السؤال المطروح حتى الان كيف يمكن تحديد المشكلات وتعريفها ؟
وبالعودة لمبدأ تحقيق الممكن لا طلب المستحيل أي الحرية الكاملة و الديمقراطية. إن المنطق و التفكير المألوف العام لديه ثلاث مراحل هي: الممكن، الواقع، الضروري، وهذه هي الفرضيات السائدة. ما هو خارج عن هذا النطاق هو المستحيل او الغير ممكن او الغير قابل للتصور لذلك لا يوجد عندنا وسائل للتعامل مع المسائل التي بنيت على مبدأ الغير ممكن أو الغير قابل للتصور وبالتالي لايوجد لدينا وسائل للتعامل مع المسائل التي بنيت على هذا المبدأ.
لقد عرّف هيغل الألماني الفلسفة على انها: الأخد على العاتق تحمل عبئ ثقل الفكر وعلى أنها استيعاب روح الزمان .بناءً على هذا هناك طريقين للتعامل مع الواقع الناشئ والجديد، الطريق الاول هو التفكير في العمق و الأخد بالمسؤولية و هذا هو الحل الوحيد بالنسبة للإنسان المسالم للتعامل مع المستحيل.
أماالطريق الثاني فهو الهجومي وهو استعمال القنبلة الذرية كما حصل مع اليابان في هيروشيما و نكازاكي التي أنهت الحرب أي بطريقة حاسمة وفورية او كما هو الوضع في الأسلحة الكيماوية عند النظام السوري و التي يملكون المخزون الكافي منها وهذا دليل على اخفاق العقل البشري و تصوراته.
إن ما يجري الآن في سوريا أدى إلى ازدواج الواقعية الى الواقعية الأصلية والواقعية الناشئة الجديدة التي فاجأت الجميع وأدت الى ارتباك عند الحاكم والمحكوم على حدٍ سواء ومن أخطر ما قد تجلبه واقعية المستحيل هو الدمار الكامل والشامل كما حصل في هيروشيما في اليابان والتي بموجبها صار الحسم في الحرب العالمية الثانية وهذا منطق التاريخ الذي نتعلمه.
إذاًبازدواج الواقعية و عدم إمكانية تطبيق القياس المناسب فإن حل المشكلة حاليًا غير ممكن الا كما حدث لحسم الحرب العالمية الثانية باستخدام القنبلة الذرية ضد اليابان في هيروشيما و ناكازاكي.
نديم سراج الدين ريغنسبورغ، ألمانيا
ما يحصل في سوريا الآن يمكن اعتباره خارج عن التصوّر البشري و يمكن وصفه بالمستحيل او الغير ممكن. و هذا ليس رأي المواطن الذي يعيش في الداخل فحسب و إنما رأي من في الخارج أيضاً، فما يجري في سوريا الآن لا يمكن إعتباره مجرد صدفة او ناتج عفوي بل إن له عوامل و أسباب كافية و موضوعية أدت الى هذه الفوضى الكارثية، لذا فمن اللازم علينا تحليل هذه الأسباب وفهمها اذا كنا راغبين فعلاً اوحتى مجبورين على تحسين الأوضاع الحالية. اذا حاولنا تطبيق القانون الثالث المنطقي الذي يقول: " المظاهر التي نلاحظها او نشاهدها يكون لها أسباب كافية لإظهارها، اما فيما إذا غابت هذه الأسباب فلا يمكن لهذه المظاهر ان توجد اي انها ليست مجرد صدفة". فبعد ثلاث سنوات من الحرب الأهلية الداخلية تأكدنا من ضرورة الحوار لعدم وجود أية بدائل أخرى. ومن هنا يمكن تشبيه الحوار بمحور ثابت ندور حوله فيمكن القول ان هذا المحور هو منطق العقل السليم الذي يعتبر القاسم المشترك لجميع البشر بغض النظر عن انتمائاتهم للطبقات الاجتماعية المختلفة وكما يقول المثل : كل إنسان قد يشتكي من ضعف الذاكرة و لكن ما من احد يشتكي من ضعف العقل.
وبالإمكان تشبيه منطق العقل السليم بالماء الذي تستعمله النساء بالطبخ مما يعني انه لا يمكن الاستغناء عنه. و هذا المثل ينطبق على الجميع بغض النظر عن ثقافاتهم المختلفة لأن الامر يتعلق بالبشر ككل. فالعقل السليم يُطبَق على الحاكم و المحكوم على حد سواء، والعقل السليم مرتبط بفلسفة الزمان او ما نسميه في الألمانية بروح العصر ( Zeitgeist) وبالإنكليزية "spirit of age" وهذا ما عبّرت عنه في الدراسة السابقة التي قمت بها وألقيتها في " اليونيسكو" بباريس تحت عنوان ( Global Science, ten thesis of conception of 21 century) أي مبادئ العولمة في القرن الواحد و العشرين و من أهم ما ورد فيها أن المحرك السياسي للمجتمعات ليس فقط الأيديولوجية و إنما تطور المعرفة و الثورات العلمية وخصوصاً في علم الطبيعة. إذ أن العولمة هي السحاب التي تظلل السماء علينا وبالتالي تتغلب على الحدود الوطنية و الإقليمية بالإضافة لكونها الهواء الذي نستنشقه جميعاً بغض النظر عن الأنظمة السياسية المختلفة. لهذا فإن قوانين الطبيعة أقوى بكثير من قوانين العقل الإنساني و إرادته.
والسياسي المحلي يحاول المستحيل مراراً و تكراراً لضبط الأمور و بناء سياج حول مجتمعه كالسياج الذي كان موجود بين برلين الشرقية والغربية او بين الولايات المتحدة والمكسيك او حتى السياج الموجود في الأراضي الفلسطينية .بينما التيار العالمي و العولمة تطغى عليه وتتخطى الحدود والاسياج الشائكة و كما يقال السياسي المحلي يبيع الأفكار بالمفرق بينما الفيلسوف يبيعها بالجملة على شكل برنامج او حزمة مناسبة لروح العصر، وعلى سبيل المثال استطاع الأتراك في هذه المرحلة الحالية في حزب العدالة و الحرية بنجاح ببرمجة مبدأ العدالة الشرقي و مبدأ الحرية الغربية. فالمبدأ الشرقي في السياسة هو العدالة أي أن الحاكم يجب أن يكون متواضع، حكيم ومتوازن و عنده مصداقية، والعدالة تتحقق في مكافحة الرشوة و الفساد و تطبيق القانون ليس بنصه فقط وإنما بروحه أيضاً بالإضافة الى حيادية المحاكم. عندما سئُل أفلاطون لماذا العدالة ضرورية فأجاب لأنها عقلانية بمعنى الحكمة للمستقبل ، وكما قال أحد أساتذتي : أوربا عندها العلم وآسيا تملك الحكمة. أمافي طلب السوريين للحرية فقد كان رد النظام حاسم وموجع حيث أنه إعتبره ثورة جذرية قلبت الموازين رأسا على عقب مما أدى الى خسارة الأمن و تفشي الفوضى. ويجب أن لا ننسى أن الحاكم أيضاً إنسان يخاف على حياته و يتذكر ما حصل في التاريخ كالمقصلة والإرهاب في الثورة الفرنسية أو ما حصل في ليبيا مع القذافي لأن الحاكم كلما زاد سلاحه، زاد معه خوفه. يوجد مثل يقول : اذا كان رئيسك قوي دير بالك على حالك، و اذا كان رئيسك ضعيف دير بالك عليه.
ومن هنا لو كنا قدقمنا بتعريف المشاكل و تحديدها سلفاً كان من الممكن أن يكون تصرف الحاكم مختلف ولاختلفت معه نظرته للاحتجاجات التي وجدها مظاهرات تطالب بقلب النظام و ما كانت لتظهر على انها تحدٍ له واستفزازاً شخصياً للحاكم نفسه. ولازال السؤال المطروح حتى الان كيف يمكن تحديد المشكلات وتعريفها ؟
وبالعودة لمبدأ تحقيق الممكن لا طلب المستحيل أي الحرية الكاملة و الديمقراطية. إن المنطق و التفكير المألوف العام لديه ثلاث مراحل هي: الممكن، الواقع، الضروري، وهذه هي الفرضيات السائدة. ما هو خارج عن هذا النطاق هو المستحيل او الغير ممكن او الغير قابل للتصور لذلك لا يوجد عندنا وسائل للتعامل مع المسائل التي بنيت على مبدأ الغير ممكن أو الغير قابل للتصور وبالتالي لايوجد لدينا وسائل للتعامل مع المسائل التي بنيت على هذا المبدأ.
لقد عرّف هيغل الألماني الفلسفة على انها: الأخد على العاتق تحمل عبئ ثقل الفكر وعلى أنها استيعاب روح الزمان .بناءً على هذا هناك طريقين للتعامل مع الواقع الناشئ والجديد، الطريق الاول هو التفكير في العمق و الأخد بالمسؤولية و هذا هو الحل الوحيد بالنسبة للإنسان المسالم للتعامل مع المستحيل.
أماالطريق الثاني فهو الهجومي وهو استعمال القنبلة الذرية كما حصل مع اليابان في هيروشيما و نكازاكي التي أنهت الحرب أي بطريقة حاسمة وفورية او كما هو الوضع في الأسلحة الكيماوية عند النظام السوري و التي يملكون المخزون الكافي منها وهذا دليل على اخفاق العقل البشري و تصوراته.
إن ما يجري الآن في سوريا أدى إلى ازدواج الواقعية الى الواقعية الأصلية والواقعية الناشئة الجديدة التي فاجأت الجميع وأدت الى ارتباك عند الحاكم والمحكوم على حدٍ سواء ومن أخطر ما قد تجلبه واقعية المستحيل هو الدمار الكامل والشامل كما حصل في هيروشيما في اليابان والتي بموجبها صار الحسم في الحرب العالمية الثانية وهذا منطق التاريخ الذي نتعلمه.
إذاًبازدواج الواقعية و عدم إمكانية تطبيق القياس المناسب فإن حل المشكلة حاليًا غير ممكن الا كما حدث لحسم الحرب العالمية الثانية باستخدام القنبلة الذرية ضد اليابان في هيروشيما و ناكازاكي.
نديم سراج الدين ريغنسبورغ، ألمانيا

التعليقات