وللموت فُسْحَةً حُرَّة، بينَ حَدّ السَّيْفِ والصُّرَّة
بقلم:آصف قزموز
في جزيرةٍ في عرض البحر نائيَة، وتمهيداً لإعدامه المحتوم كالغاشيَة، لجريمة قتل ارتكبها ربما في ثانيَة، جلس المليونير في زنزانته الخاويَة، يندب حظه ومصيره وافتضاح سيرته المتواريَة، فأُمه هاويَة.
ولأن صاحب المال دائماً يرى بماله تملك كل شيءْ، وقضاء حاجاته في أي شيءْ، وصاحب النفوذ يرى العالم ملكاً له بجاهه وسلطانه، واللص يرى في الناس لصوصاً فلا يأمنهم على أنهم لصوص، تماماً مثلما يرى الطيبون كل الناس طيبين فيقعون بطيبتهم. قرر المليونير رشوة السجان بأي مبلغ يريدْ، مقابل تهريبه من السجن وأقفاص الحديدْ، ( علشان هيك ثبت بطلان مقولة لفلوس وسخ إيدين، وأصبحنا أمام حقيقة من يملك المال يملك كل شيء، وما أكثر اللصوص والفاسدين الذين يحتمون بأموالهم أو بجاههم وسلطانهم المزيف غالبا).
فأجابه الحارس: لا يمكن خروج أي شخص من هذا السجن إلاَّ ميتاً، يعني في العاشرة من صباح كل يوم، يتم إخراج توابيت الموتى ليواروا الثرى بعيداً عن هذه الجزيرة.
(طبعاً العرض السخي الذي قدمه السجين، لا يبقي في رأس الحارس عقلاً ولا دينْا،ولا ضميرا ولا يقينْا، إذْ جعل السجان يدور حول نفسه ويفكر في الجيمِ قبل السِّينْ، وبارتكاب أية مغامرة في سبيل المال والجشَعِ الدفينْ، فابتدع طريقة جهنمية لتهريب المليونير لا على بالِ عُقَّالٍ ولا مجانينْ، وعلى فكرة، في ناس يستخدمون المال في شراء المصالح والنفوذ وآخرين يستخدمون النفوذ والمسؤولية في الحصول على أموال والرشاوى والهِباتْ، فموظف بسيط يمكن أن يجني مالاً بحكم موقعه ونوع الخدمة التي يقدمها للناس، وجاهلٌ صاحب مال، يمكن أن يحتل وظيفة ليس أهلاً لها، لكنها تحقق له مال ونفوذ لا يتحصل عليه أي نزيه صالح، وفي كلتا الحالتين يكون المال والنفوذ فسادٌ في فسادٍ في فسادِ، لمن هانَ عليهم تخريب البلادِ).
ثم أردف قائلاً: إسمع يا سيدي، بما أنه لا يسمح بخروج أي شيء من هذا السجن سوى توابيت الموتى، التي تنقل على متن السفينة التي تبحر صبيحة كل يوم صوب اليابسة البعيدة حيث يقوم الحراس بدفنهم هناك، فسأقوم بوضعك في أحد التوابيت فوق أحد الموتى، وسيدفنوك هناك، وأنا بدوري سآخذ إجازة في اليوم الموعود، وآتي فور مغادرتهم وأفتح التابوت لتخرج سالماً، وبالتالي ما عليك إلاَّ أن تتحمل بالكثير نصف ساعة ريثما أصل لإخراجك، ثم تسلمني ما اتفقنا عليه من المال، وتختفي دون أن يعلم بك أحد ويظل اختفاؤك لغزاً لا نعرفه إلاَّ نحن،( طبعاً كلنا بنعرف قديش في ناس بيعيشوا على موت الآخرين في مجتمعاتنا المعاصرة، ولك أن ترى قطع يد سارق رغيف الخبز لِسَدِّ الرَّمَق، بينما سارقي البلاد والعبادْ، طلقاء ينعمون بأموال الفسادْ، ويتحكمون بمعايير الحرية والديمقراطية لغيرهم ومن هم دونهم، لا بل وغالباً ما يكونوا المتسيدين على الفقير سارق الرغيف، وكثيراً ما تشاهد نماذج من هؤلاء يسرقون الملايين ويفتدون أنفسهم بالتخلي عن نسبة من المال المسروق، وآخرون هاربونْ، لا تطالهم يد عدالة ولا قانونْ، ولا حتى تُسائِلُهُم من أنتم ولا ماذا وكم سرقتُم. إنها العودة الميمونة لتاريخ يعيد نفسه من خلال التسيُّد والهيمنة عبر سياسات العصا والجزرة، ومباديء السَّيف والصُّرَّة، القادمات من سحيق ماضٍ أشَرّْ وسفالة حاضرٍ بَشِعْ).
السَّجين(يحدث نفسه): (طيب ما في شي أخاف عليه لأنني بالأصل ذاهب للموت على الكرسي الكهربائي، وما سأقوم به صحيح مغامرة لكنها أهون من الموت المحتم، وربما يكتب لي فيها النجاح ما بين فُسحة الموت وفُسحة الأمَلْ)، يا سيدي موافق على كل شروطك، بس ادعيلي يْكون في ميتين بكرا علشان انْعيش بْمَعِيْتَكْ.
السَّجان: بإذن الله راح يكون في موتى ما تخاف ربك كريم،( وهنا سخريات الحياة وسخريات القَدَر معاً، حيث المليونير والحارس يتمنيا موت أيٍّ كان من السجن، لأن في ذلك فرصة حياة للمليونير الراَّشي، وفرصة ثراء للحارس المرتشي، وكلاهما لا يعلمان من الذي سيموت قبل الآخر، فالموت لا يستأذن أحَد ولا يُخطِر بقدومهِ أحَد، وهو يأتي بإذن الله مثلما الحياة كذلك، ما يعيد لذاكرتي مشهداً طريفاً من مسرحية فيلم أميركي طويل للفنان زياد الرحباني، عندما كان إدوارد في مستشفى الأمراض النفسية يعاني من فوبيا الخوف من السيارات المفخخة، وقالت له الممرضة لتهدئته" يا إدوارد يا حبيبي ما بيصير تظلك خايف من أي سيارة بتشوفها مش كل السيارات مفخخة إنتي بس توكل على الله وبإذن الله ما راح يصير شي"، فأجابها " ولك يا إختي مهو اللي مفخخ السيارة كمان بيكون متوكل على الله"، يعني القاتل والمقتول متوكلين على الله، والموت والحياة بإذن الله، وعلشان هيك قاعدين بنشوف نظم وحكام مستبدين، يقتلون شعوبهم ويدمرون كل شيء في بلادهم لكي يعيشوا وحدهم على كراسي الحُكْم حتى على ركام، وقوىً وأحزاب يحتربون ويقتلون ويذبحون الأبرياء باسم الدين أيضاً لذات الغايات الضيقة والكراسي المستبدَّة، وما أكثرهم يعني الله وكيلكُم،" . ،" مِنِ المِنْفِرْطَهْ لَلْمِنْظِرْطَهْ لَإم خْنانِة طالِّهْ" ).
من حُسُن حظ السجين وسوء حظ الميتين، تحرك المليونير أثناء الفورَة لغرفة الموتى ليجد تابوتين، وسرعان ما تملكه الرعب من مجرد فكرة استلقائه فوق جثة ميت في صندوق واحد، لكن غريزة التشبث بالحياة في لحظة يأس، ظلت أقوى وأمضى من سكين القاتل، فأغمض عينيه ورمى بنفسه فوق الميت بالتابوت الأول عن اليسار حسب الاتفاق، وأغلقه على ذاته والميت كما كان. وهكذا انطلقت السفينة تمخُر عباب البحر، والرجل ساكنٌ بلاحراك داخل التابوت فوق الجثة ورائحة البحر الممزوجة برائحة الموت تزكُمُ أنفه، حتى وصلو اليابسة. (طبعاً حب الملايين والهروب نحو العيش الرغيد، زَيَّن للسجان خيانة الأمانة وشرف الوظيفة الحكومية مثله مثل الكثيرين مما تعدُّون، وحب السجين لشراء حياته المستبدَّة بأي ثمن، دفعهُ للقبول بأي خيارٍ إلاَّ الموت).
بدأ السجين يشعر بنزول التابوت داخل اللَّحد، والأتربة تنهال فوقه مبعدةً أسماعهُ عن أصوات السَّجانين شيئاً فشيئا حتى تلاشت، ومع كل دقيقةٍ كانت تمر وهو داخل الصندوق تحت الأرض، كان التنفس يزداد صعوبةً وضيقاً، يفوق تسارع ضائقته بجُلِّها. التنفس يتسارع ويضيق والحرارة خانقة في حُلْكَةِ الظُّلمة، وهو مرهون بكل ثانية من النصف ساعة المتبقية مابين الظلم والظلمة، نعم يتناقص الأوكسجين وينعدم الضوء، الثواني سنين عصيبة على شفير المصيبة الرابضة على حد السيف القاطع ما بين فُسحَة الحياة والموت، وخيط الأمل لِمتَخْتِخْ مع كل شهقة أو عَبَّة أوكسجين، ثم يشعل الولاعة ليرى كم تبقى من الوقت للخلاص من هذا الموت المركب، الذي يستفرد به من حيث لا يحتسب ولا بباله، دون أن ينتبه لشَفْطِ الولاعة جزءً من حياته المعلَّقة بما تبقى من الأوكسجين السائر به حثيثاً صوب حَتفِه، رغم تشبثه بالآمال بأن يعود ليرى النور مرّةً أخرى إن لم تكن بفتحِ الهمزَةِ لا بِضَمِّها المفترَض، ثم يبدأ بالسعال من شَوخَةِ التراب وارطوبة وتزايد النَّقص في الأكسجين على السَّجين، فيدخل في نوبةٍ من الهذيان المُسَجَّى على بساط خيالهِ المرتبك، فيتراأى له جثَّة الجاثم تحته وكأنها تبتسم ساخرةً في وجههِ تارةً، وتخرج له لسانها مسددةً وسطى كفها في وجههِ تارةً أخرى، كل هذا ولم يصل الحارس بعد لإنقاذه، يعود ويشعل الولاعة ليرى أن الوقت المحدد قد نفذ وتجاوز النصف ساعة، فيتملَّكه الهَلَع بأنه هالكٌ لا محالة، وقبل أن يطفيء ولاعته حاملة الموت وهي تأتي على ما تبقى من الأكسجين المنفلت من بين يدي روحه المغادرة، فيقربها محدقاً في وجه الجثة ليرى ما لا على خاطِرٍ ولا بالْ، إنه وجه الحارس السَّجان العارف الوحيد بمكان وجوده تحت الأرض كان قد سبقه الى حَتفِه، فيهوي لافظاً نفسه الأخير هامداً فوق الجُثَّة ميتاً على ميتْ.
على فكرة، العرب قديماً اختصروا صفات العدل والقوة في الحُكم بتعبير" السيف والصُّرَّة"، فكان السيف يعني إحقاق الحق وتنفيذ القانون بالعدل والحزم والقوة لصالح المجتمع، بينما الصُّرَّة كانت تعني إعطاء كل ذي حق حقه بالعدل والإنصاف دون تقصير.
إذن عندما تشتري روحك بالمال ممكن يروح المال وتروح روحك وبيظل الحال على المُحالْ، لذا لم ينفع المليونير ملايينه في قلب الأحوالْ. وعندما تستجيب لصاحب سلطان ونفوذ عليك في فعلِ أمرٍ يخالف الضمير والأخلاق والقانون، تحت طائلة إمَّا وإلاَّ، فهذا إعمالٌ للسيف بحقك، وعندما يُسَيِّر مسؤول مرؤوسيه في خدمة مصالحه الخاصة والخارجة عن الحق والقانون مقابل تمتعهم بدعمه وعطاياه، يكون بذلك قَد استخدم الصُّرَّة، وهَلُمَّ جَراَّ، لكن عندما تستجيب لصاحب مالٍ ونفوذٍ معاً في فعلِ أمرٍ فاسد مقابل مالٍ وإلاَّ، فهذا يضعك في منطقة انعدام الأخلاق معاً ما بين السيف والصُّرَّهْ، وقلم صاحب الصُّرَّة سيفاً عليكَ يُخفيكَ بِجَرَّهْ.
لقد صَحَّ القول" إذا الإيمانُ ضاعْ فلا أمانْ.." ، فلا داعش ولا نُصْرَة ولاحماس ولا إخوانْ، فبمالك تشتري ذمة من هانَ وخانْ، لكنك لن تشتري حياةَ لِإنسانْ.
وهكذا انتشر في المجتمعات مبدأَ السيفِ والصُّرَّهْ، وأذى الصديقِ الأعلَم بالمَضَرَّهْ، بكل القوانينِ المُقَرَّة وغير المُقَرَّهْ، وزعافُ الظُّلمِ الأشَدُّ من العَلْقَم ألِفْ مَرَّهْ، فشتان ما بين فارس السابحات وراكبِ الأتانَ والقُرَّهْ، وبين ابنِ الجاريَة وإبنِ الضُّرَّهْ، وقُل على الأرض السلام وبالناس المَسَرَّهْ، فَلِغَير الخالق الشكوى مَضَرَّهْ.
[email protected]
في جزيرةٍ في عرض البحر نائيَة، وتمهيداً لإعدامه المحتوم كالغاشيَة، لجريمة قتل ارتكبها ربما في ثانيَة، جلس المليونير في زنزانته الخاويَة، يندب حظه ومصيره وافتضاح سيرته المتواريَة، فأُمه هاويَة.
ولأن صاحب المال دائماً يرى بماله تملك كل شيءْ، وقضاء حاجاته في أي شيءْ، وصاحب النفوذ يرى العالم ملكاً له بجاهه وسلطانه، واللص يرى في الناس لصوصاً فلا يأمنهم على أنهم لصوص، تماماً مثلما يرى الطيبون كل الناس طيبين فيقعون بطيبتهم. قرر المليونير رشوة السجان بأي مبلغ يريدْ، مقابل تهريبه من السجن وأقفاص الحديدْ، ( علشان هيك ثبت بطلان مقولة لفلوس وسخ إيدين، وأصبحنا أمام حقيقة من يملك المال يملك كل شيء، وما أكثر اللصوص والفاسدين الذين يحتمون بأموالهم أو بجاههم وسلطانهم المزيف غالبا).
فأجابه الحارس: لا يمكن خروج أي شخص من هذا السجن إلاَّ ميتاً، يعني في العاشرة من صباح كل يوم، يتم إخراج توابيت الموتى ليواروا الثرى بعيداً عن هذه الجزيرة.
(طبعاً العرض السخي الذي قدمه السجين، لا يبقي في رأس الحارس عقلاً ولا دينْا،ولا ضميرا ولا يقينْا، إذْ جعل السجان يدور حول نفسه ويفكر في الجيمِ قبل السِّينْ، وبارتكاب أية مغامرة في سبيل المال والجشَعِ الدفينْ، فابتدع طريقة جهنمية لتهريب المليونير لا على بالِ عُقَّالٍ ولا مجانينْ، وعلى فكرة، في ناس يستخدمون المال في شراء المصالح والنفوذ وآخرين يستخدمون النفوذ والمسؤولية في الحصول على أموال والرشاوى والهِباتْ، فموظف بسيط يمكن أن يجني مالاً بحكم موقعه ونوع الخدمة التي يقدمها للناس، وجاهلٌ صاحب مال، يمكن أن يحتل وظيفة ليس أهلاً لها، لكنها تحقق له مال ونفوذ لا يتحصل عليه أي نزيه صالح، وفي كلتا الحالتين يكون المال والنفوذ فسادٌ في فسادٍ في فسادِ، لمن هانَ عليهم تخريب البلادِ).
ثم أردف قائلاً: إسمع يا سيدي، بما أنه لا يسمح بخروج أي شيء من هذا السجن سوى توابيت الموتى، التي تنقل على متن السفينة التي تبحر صبيحة كل يوم صوب اليابسة البعيدة حيث يقوم الحراس بدفنهم هناك، فسأقوم بوضعك في أحد التوابيت فوق أحد الموتى، وسيدفنوك هناك، وأنا بدوري سآخذ إجازة في اليوم الموعود، وآتي فور مغادرتهم وأفتح التابوت لتخرج سالماً، وبالتالي ما عليك إلاَّ أن تتحمل بالكثير نصف ساعة ريثما أصل لإخراجك، ثم تسلمني ما اتفقنا عليه من المال، وتختفي دون أن يعلم بك أحد ويظل اختفاؤك لغزاً لا نعرفه إلاَّ نحن،( طبعاً كلنا بنعرف قديش في ناس بيعيشوا على موت الآخرين في مجتمعاتنا المعاصرة، ولك أن ترى قطع يد سارق رغيف الخبز لِسَدِّ الرَّمَق، بينما سارقي البلاد والعبادْ، طلقاء ينعمون بأموال الفسادْ، ويتحكمون بمعايير الحرية والديمقراطية لغيرهم ومن هم دونهم، لا بل وغالباً ما يكونوا المتسيدين على الفقير سارق الرغيف، وكثيراً ما تشاهد نماذج من هؤلاء يسرقون الملايين ويفتدون أنفسهم بالتخلي عن نسبة من المال المسروق، وآخرون هاربونْ، لا تطالهم يد عدالة ولا قانونْ، ولا حتى تُسائِلُهُم من أنتم ولا ماذا وكم سرقتُم. إنها العودة الميمونة لتاريخ يعيد نفسه من خلال التسيُّد والهيمنة عبر سياسات العصا والجزرة، ومباديء السَّيف والصُّرَّة، القادمات من سحيق ماضٍ أشَرّْ وسفالة حاضرٍ بَشِعْ).
السَّجين(يحدث نفسه): (طيب ما في شي أخاف عليه لأنني بالأصل ذاهب للموت على الكرسي الكهربائي، وما سأقوم به صحيح مغامرة لكنها أهون من الموت المحتم، وربما يكتب لي فيها النجاح ما بين فُسحة الموت وفُسحة الأمَلْ)، يا سيدي موافق على كل شروطك، بس ادعيلي يْكون في ميتين بكرا علشان انْعيش بْمَعِيْتَكْ.
السَّجان: بإذن الله راح يكون في موتى ما تخاف ربك كريم،( وهنا سخريات الحياة وسخريات القَدَر معاً، حيث المليونير والحارس يتمنيا موت أيٍّ كان من السجن، لأن في ذلك فرصة حياة للمليونير الراَّشي، وفرصة ثراء للحارس المرتشي، وكلاهما لا يعلمان من الذي سيموت قبل الآخر، فالموت لا يستأذن أحَد ولا يُخطِر بقدومهِ أحَد، وهو يأتي بإذن الله مثلما الحياة كذلك، ما يعيد لذاكرتي مشهداً طريفاً من مسرحية فيلم أميركي طويل للفنان زياد الرحباني، عندما كان إدوارد في مستشفى الأمراض النفسية يعاني من فوبيا الخوف من السيارات المفخخة، وقالت له الممرضة لتهدئته" يا إدوارد يا حبيبي ما بيصير تظلك خايف من أي سيارة بتشوفها مش كل السيارات مفخخة إنتي بس توكل على الله وبإذن الله ما راح يصير شي"، فأجابها " ولك يا إختي مهو اللي مفخخ السيارة كمان بيكون متوكل على الله"، يعني القاتل والمقتول متوكلين على الله، والموت والحياة بإذن الله، وعلشان هيك قاعدين بنشوف نظم وحكام مستبدين، يقتلون شعوبهم ويدمرون كل شيء في بلادهم لكي يعيشوا وحدهم على كراسي الحُكْم حتى على ركام، وقوىً وأحزاب يحتربون ويقتلون ويذبحون الأبرياء باسم الدين أيضاً لذات الغايات الضيقة والكراسي المستبدَّة، وما أكثرهم يعني الله وكيلكُم،" . ،" مِنِ المِنْفِرْطَهْ لَلْمِنْظِرْطَهْ لَإم خْنانِة طالِّهْ" ).
من حُسُن حظ السجين وسوء حظ الميتين، تحرك المليونير أثناء الفورَة لغرفة الموتى ليجد تابوتين، وسرعان ما تملكه الرعب من مجرد فكرة استلقائه فوق جثة ميت في صندوق واحد، لكن غريزة التشبث بالحياة في لحظة يأس، ظلت أقوى وأمضى من سكين القاتل، فأغمض عينيه ورمى بنفسه فوق الميت بالتابوت الأول عن اليسار حسب الاتفاق، وأغلقه على ذاته والميت كما كان. وهكذا انطلقت السفينة تمخُر عباب البحر، والرجل ساكنٌ بلاحراك داخل التابوت فوق الجثة ورائحة البحر الممزوجة برائحة الموت تزكُمُ أنفه، حتى وصلو اليابسة. (طبعاً حب الملايين والهروب نحو العيش الرغيد، زَيَّن للسجان خيانة الأمانة وشرف الوظيفة الحكومية مثله مثل الكثيرين مما تعدُّون، وحب السجين لشراء حياته المستبدَّة بأي ثمن، دفعهُ للقبول بأي خيارٍ إلاَّ الموت).
بدأ السجين يشعر بنزول التابوت داخل اللَّحد، والأتربة تنهال فوقه مبعدةً أسماعهُ عن أصوات السَّجانين شيئاً فشيئا حتى تلاشت، ومع كل دقيقةٍ كانت تمر وهو داخل الصندوق تحت الأرض، كان التنفس يزداد صعوبةً وضيقاً، يفوق تسارع ضائقته بجُلِّها. التنفس يتسارع ويضيق والحرارة خانقة في حُلْكَةِ الظُّلمة، وهو مرهون بكل ثانية من النصف ساعة المتبقية مابين الظلم والظلمة، نعم يتناقص الأوكسجين وينعدم الضوء، الثواني سنين عصيبة على شفير المصيبة الرابضة على حد السيف القاطع ما بين فُسحَة الحياة والموت، وخيط الأمل لِمتَخْتِخْ مع كل شهقة أو عَبَّة أوكسجين، ثم يشعل الولاعة ليرى كم تبقى من الوقت للخلاص من هذا الموت المركب، الذي يستفرد به من حيث لا يحتسب ولا بباله، دون أن ينتبه لشَفْطِ الولاعة جزءً من حياته المعلَّقة بما تبقى من الأوكسجين السائر به حثيثاً صوب حَتفِه، رغم تشبثه بالآمال بأن يعود ليرى النور مرّةً أخرى إن لم تكن بفتحِ الهمزَةِ لا بِضَمِّها المفترَض، ثم يبدأ بالسعال من شَوخَةِ التراب وارطوبة وتزايد النَّقص في الأكسجين على السَّجين، فيدخل في نوبةٍ من الهذيان المُسَجَّى على بساط خيالهِ المرتبك، فيتراأى له جثَّة الجاثم تحته وكأنها تبتسم ساخرةً في وجههِ تارةً، وتخرج له لسانها مسددةً وسطى كفها في وجههِ تارةً أخرى، كل هذا ولم يصل الحارس بعد لإنقاذه، يعود ويشعل الولاعة ليرى أن الوقت المحدد قد نفذ وتجاوز النصف ساعة، فيتملَّكه الهَلَع بأنه هالكٌ لا محالة، وقبل أن يطفيء ولاعته حاملة الموت وهي تأتي على ما تبقى من الأكسجين المنفلت من بين يدي روحه المغادرة، فيقربها محدقاً في وجه الجثة ليرى ما لا على خاطِرٍ ولا بالْ، إنه وجه الحارس السَّجان العارف الوحيد بمكان وجوده تحت الأرض كان قد سبقه الى حَتفِه، فيهوي لافظاً نفسه الأخير هامداً فوق الجُثَّة ميتاً على ميتْ.
على فكرة، العرب قديماً اختصروا صفات العدل والقوة في الحُكم بتعبير" السيف والصُّرَّة"، فكان السيف يعني إحقاق الحق وتنفيذ القانون بالعدل والحزم والقوة لصالح المجتمع، بينما الصُّرَّة كانت تعني إعطاء كل ذي حق حقه بالعدل والإنصاف دون تقصير.
إذن عندما تشتري روحك بالمال ممكن يروح المال وتروح روحك وبيظل الحال على المُحالْ، لذا لم ينفع المليونير ملايينه في قلب الأحوالْ. وعندما تستجيب لصاحب سلطان ونفوذ عليك في فعلِ أمرٍ يخالف الضمير والأخلاق والقانون، تحت طائلة إمَّا وإلاَّ، فهذا إعمالٌ للسيف بحقك، وعندما يُسَيِّر مسؤول مرؤوسيه في خدمة مصالحه الخاصة والخارجة عن الحق والقانون مقابل تمتعهم بدعمه وعطاياه، يكون بذلك قَد استخدم الصُّرَّة، وهَلُمَّ جَراَّ، لكن عندما تستجيب لصاحب مالٍ ونفوذٍ معاً في فعلِ أمرٍ فاسد مقابل مالٍ وإلاَّ، فهذا يضعك في منطقة انعدام الأخلاق معاً ما بين السيف والصُّرَّهْ، وقلم صاحب الصُّرَّة سيفاً عليكَ يُخفيكَ بِجَرَّهْ.
لقد صَحَّ القول" إذا الإيمانُ ضاعْ فلا أمانْ.." ، فلا داعش ولا نُصْرَة ولاحماس ولا إخوانْ، فبمالك تشتري ذمة من هانَ وخانْ، لكنك لن تشتري حياةَ لِإنسانْ.
وهكذا انتشر في المجتمعات مبدأَ السيفِ والصُّرَّهْ، وأذى الصديقِ الأعلَم بالمَضَرَّهْ، بكل القوانينِ المُقَرَّة وغير المُقَرَّهْ، وزعافُ الظُّلمِ الأشَدُّ من العَلْقَم ألِفْ مَرَّهْ، فشتان ما بين فارس السابحات وراكبِ الأتانَ والقُرَّهْ، وبين ابنِ الجاريَة وإبنِ الضُّرَّهْ، وقُل على الأرض السلام وبالناس المَسَرَّهْ، فَلِغَير الخالق الشكوى مَضَرَّهْ.
[email protected]

التعليقات