الشعب الأردني العظيم

الشعب الأردني العظيم
 بقلم:عزام أبو الحمـام 

جريمة قتل القاضي الأردني رائد زعيتر بدم بارد من قبل جنود الاحتلال على معبر الكرامة أثارت الشعب الأردني من شماله إلى جنوبه، وحركت وجدانه ووحدت مشاعره ورفعت منسوب الغضب في عروقه العربية، حجم وعمق ردة الفعل الشعبي كانت بمستوى الحدث إلى حد كبير، وهذا ما انعكس في مناقشات مجلس النواب التي حاولت مسايرة الرأي العام، وربما الركوب على موجته، رغم تحفظات الكثيرين من مستوى هذه المناقشات وآلياتها ... أما وسائل الإعلام الأردنية فالعديد منها لم يول الأمر ما يستحق في اليوم الأول، إلا أن الرأي العام أجبرها في اليوم التالي على تغطية الحدث المفجع واكتشاف الأبعاد المتعددة له، وفرض الرأي العام نفسه على المقالات والتحليلات الصحفية والإذاعية، ولعل تلك الوسائل التي حاولت تجاهل تغطية أبعاد الحادثة عبر الخبر والمقال، لعلها تأخذ العبرة التي تشير إلى أن الشعب الأردني يستطيع فرض أجندته على وسائل الإعلام، وبالتالي على وسائل الإعلام المحلية عدم الاستهتار برأي عام يتسلح بالوعي والنخوة والقدرة على الانتفاض.

 فالشهيد رائد زعيتر كان مثالاً رائعاً وهو الدكتور القانوني، ويشهد زملاؤه في سلك القضاء بأدبه الجمّ وخلقه الأصيل، والمؤلم أن القاضي الشهيد كان قد قرر زيارة بلدته نابلس في الضفة الغربية لجلب مبلغ من المال للمساعدة في علاج ابنه الصغير الذي يكابد مرضا صعباً في أحدى المستشفيات الأردنية.

بالأمس كان منظر اعتصام العاملين في قصر العدل مهيباً، وقف القضاة والمحامون والإداريون والشرطة والمتخاصمون وقفة رجل واحد، وحدهم دم الشهيد زعيتر الذي فاض على ضفتي النهر، وجمع العلمين الأردني والفلسطيني وأبرز فيهما اللون الأحمر في أكثر المواقف مهابة وتبجيلاً وقداسة.

استشهاد القاضي رائد زعيتر شكل صدمة للرأي العام الأردني بعد أن كاد يغرق في همومه الداخلية التي ينبثق بعضها من سياسات حكومية وأخرى بأثر الأحداث الإقليمية، خصوصاً أحداث الجارة سوريا وتدفق اللاجئين منها تجاه الأردن الذي يتحمل شعبه أكثر من طاقاته في موضوع اللاجئين، فالأسعار والضرائب ترهق قدرات المواطن، وأسعار الشقق السكنية أصابها السُعار، والتباطؤ في مكافحة قضايا الفساد أضعفت الروح المعنوية لدى الشعب الأردني في السنتين الأخيرتين، وأداء مجلس النواب لم يكن في المستوى المرجو، ومستويات العنف في المدارس والجامعات تكاد تكون غير مسبوقة.

أحد أهم الدلالات التي كشف عنها استشهاد القاضي رائد زعيتر هو أن الشعب الأردني رغم كل ما يحيط به من تحديات داخلية سياسية واقتصادية واجتماعية، وهموم داخلية وأخرى قادمة من محيطه، استطاع أن يعبر عن معدنه الأصيل، وعبر عن شهامته وكرامته، وذكرّ المعنّيين في الداخل والخارج بقدرته على التمرد والثورة في وجه هذا الظلم وهذه الاستباحة للدم الأردني والعربي، وأن هذا الشعب لن يكون لقمة سائغة لمخططات العدو الصهيوني التي روّج لها وزير الخارجية الأمريكي كيري من خلال تسريباته المسمومة التي جاءت لتلامس أحيانا بعض الهواجس المشروعة لأبناء الشعب الأردني ولتستفزه، لأنها كان تجد فراغاً لغياب الرواية الرسمية المقنعة. أما العبرة الثانية فهي أن أبناء الشعب الأردني باتوا يتطلعون إلى إجراءات حكومية حقيقة لمواجهة هذا الصلف الصهيوني تجاه الأردن، ليس في مسألة استشهاد رائد زعيتر فحسب، بل اتجاه كل الاستفزازات التي تنطلق من حكومة الكيان الصهيوني، وأعضاء الكنيست الإسرائيلي وقطعان المستوطنين الذين يسعون يوميا للاعتداء على المقدسات الإسلامية والمسيحية ضاربين بعرض الحائط حقوق العرب والمسلمين، والشرائع الدولية والإنسانية ومعاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية.

الشعب الأردني شعب عظيم، شعب التضحيات والنخوة والشهداء، الشعب الأردني يستحق سياسات وإجراءات حكومية عاجلة تصون كرامة كل أبنائه أينما حلوا، وتحفظ له وطنه من كل الأخطار والتحديات والمخططات الصهيو- أمريكية.

التعليقات