طعمة مخاطباً ممثل الامم المتحدة : إحترام الخصوصية الشخصية يصون الوحدة الوطنية

رام الله - دنيا الوطن
اصابتنا الدهشة وانتابنا الشعور بالإستغراب الشديد من تصريحكم حول القانون الجعفري للأحوال الشخصية ووصفكم القانون بأنه يهدد بتفتيت الوحدة الوطنية وإنكم قلقون من ذلك القانون وكنا نأمل أن تطًلعوا على مضمون القانون ومواده التفصيلية قبل إطلاق أحكام تكون مستوحاة من التأثر بأجواء يحاول بعضهم تهيئتها وخلقها سلباً ضد القانون . خصوصا وأنكم تمثلون منظمة لها مكانتها ودورها في الاحداث الدولية فضلاً عن المحلية.

وكنا نأمل أن تطلعوا على مجموعة حقائق ترتبط بموضوع قانون الاحوال الشخصية الجعفري قبل الاستعجال بإطلاق تصريحات قد يفهمها المكون الاكبر في العراق إنها انتقاص لحقوق كفلها الدستور العراقي وفيها محاولة لمصادرة حريته في الأعتقاد وتنظيم حياته الخاصة وشؤونه الشخصية وهو مايفترض أن توفره له الدولة المدنية التي نسمع في أدبياتكم كثيراً المطالبة بدعمها وترسيخ أركانها فبدلاً من أن ينظم الشيعي أحكام أحواله الشخصية بطريقة عرفية لأعتقاده بإنها منسجمة مع معتقداته ومتبنياته الفقهية طالب القانون الجعفري بتنظيمها ضمن سياقات مؤسسات الدولة ودوائرها بما يحفظ له حرية الإلتزام بمعتقداته وبما يجنبه الوقوع في مخالفات العقيدة وإلتزامه الديني .

ومما زاد في إستغرابنا إنكم لم تطلعوا على مجموعة من المواد الدستورية التي تشكل الأساس والاصل المجيز لتشريع هذا القانون كالمادة (41) من الدستور العراقي والمادة (17) من الدستور.

وكيف تقيمون توفير فرصة إحتكام المواطن العراق في إلتزاماته الشخصية لتعاليم عقيدته ودينه إنها تفتت الوحدة الوطنية؟!

إن إحترام الخصوصية الشخصية للفرد العراقي وتجنب إلغائها أو إكراهه على طمسها والتخلي عنها يعتبر المعلم الابرز للدولة المدنية الحديثة وأبرز آثار النظام الديمقراطي .

ومحاولات إلغاء الخصوصية الشخصية للمواطن وإجباره على التخلي عن إلتزامه الديني والفكري من خصائص وسمات حضارات العصور المظلمة التي كانت لاتفقه التعايش مع فكر او ثقافة أو عقيدة مخالفة لعقيدة السلطة والحكام.

أود التذكير إن التنوع الديني أو المذهبي في العراق يمتد لأعماق تاريخية بعيدة وفي تلك الأعصار المتعاقبة كانت الناس تمارس وتنظم احوالها الشخصية وفق عقائدها ومذاهبها خارج مؤسسات الدولة إذ كانت تلك المؤسسات تنظم الاحوال الشخصية خلاف اديان ومذاهب الأفراد . ودفع الناس لأسلوب التنظيم خارج مؤسسات الدولة إضطراراً منهم وتجنباً لوقوعهم بالمخالفة الدينية هو الذي يضيع الحقوق ويقود لإهتزاز العلاقات وعدم إستقرارها.

فالقانون الجعفري لم يسهم أو يتسبب بأحداث التنوع الديني أو المذهبي في العراق ، بل نشأ التعدد الديني والمذهبي بسبب اختلاف قناعات الناس وإختياراتهم لعقائدهم. وجاء القانون الجعفري لينقل عملية تنظيم الاحوال الشخصية من سياقات وأساليب التعامل العرفي خارج مؤسسات الدولة ليجعلها منتظمة ضمن مؤسسات الدولة وضمن إطار دوائرها وسياقاتها التي تتسم بدرجة اوضح من الترتيب وحفظ الحقوق وتثبيتها .

كنا نأمل أن تعبروا عن قلقكم إزاء الخطر الحقيقي الذي يهدد وحدة العراقيين وهي ثقافة التكفير وإلغاء ثقافة وعقيدة الآخر التي يروج لها ويترجمها بأعمال العنف والقتل والتخريب حملة المنهج الظلامي الدموي من جماعات الإرهاب ومن يقف خلفهم ويغذيهم بفتاوى التكفير ويمولهم بالأموال ويساندهم بتجنيد القتلة والذباحين .وترفعوا صوتكم عالياُ بالتنديد والادانة للدولة المصدرة للتكفير والارهاب وتبذلوا ــ كمؤسسة أمميةــ جهودا وخطوات اكثر جرأة في مساءلة ومحاسبة تلك الدول الداعمة للإرهاب والعنف وعندها ستضعف وتجفف بؤر التوتر التي تهدد وحدة العراق وأمنه واستقرار نظامه السياسي.

وأود الاشارة الى إن القانون الجعفري لايلزم المواطن بالاحتكام في تنظيم أحواله الشخصية له فقط . فالمواطن بالخيار وهو حر بالالتزام في تنظيم أحواله الشخصية وفق القانون النافذ رقم 188 لسنة 1959 او وفق القانون الجعفري . وهذا ماينسجم مع إحترام حريات الفكر والعقيدة وحفظ الخصوصية الشخصية للفرد .

وأزيدكم وضوحاً أن موضوعات قانون الاحوال الشخصية هي موضوعات ذات بعد واثر شخصي وليست ذات بعد إجتماعي عام وببيان أخر يوجد نوعان من التشريعات ، تشريعات تنظم الافعال ذات البعد الاجتماعي وتنعكس أثار افعالها على عموم المجتمع ولاشك في مثل هذا المورد يلزم الاحتكام لقانون موحد يسري على الجميع وتلزم الدولة الجميع بالتحاكم إليه.

وتشريع آخر ينظم الافعال الخاصة او الشخصية ذات البعد والأثر الشخصي الذي لايطال المجتمع . وفي مثل هذه الموارد لايجوز إجبار الفرد على ترك معتقداته التي تنظم أفعاله الخاصة والشخصية والتي لاتؤثر على المجتمع وتنحصر اثارها على الفرد وحده.

التعليقات