إعادة الصياغة واللياقة شرطان من عَزْمِ الأُمور

إعادة الصياغة واللياقة شرطان من عَزْمِ الأُمور
بقلم: آصف قزموز
بالتأكيد نحن نواجه اليوم مرحلة وتحديات مصيرية أشبه بتلك اللحظة التي عاد بها الرئيس الشهيد ياسر عرفات من كامب ديفيد، قائلاً لا كبيرة وحاسمة للرئيس الأميركي بيل كلينتون، رافضاً العرض الأميركي الاسرائيلي للسلام مع الفلسطينيين، فسجل بطولة فردية نادرة وغير مسبوقة، لكنه سرعان ما قضى شهيداً، فاستشهدت باستشهاده مرحلة نضالية بأكملها، وكانت النتيجة أننا نفاوض اليوم على سقوف سياسية مفروضة علينا، ودون تلك التي رفضها أبو عمار، فيهبط سقفنا ليصبح أوطأ بكثير مما كنا عليه بالأمس، وبخطوط دفاع سياسية وتفاوضية هشَّة، وذلك بعد أن نزفنا الكثير من مسوغات القوة، وفرضت قضايا كثيرة على الأرض لغير صالحنا أمراً واقعاً، ليس أقلها ما نراه اليوم من تسارع مسعور في التهام الأرض الفلسطينية، بحيث تضاعف حجم الاستيطان في عهد نتنياهو بزيادة فاقت 120% خلال العام 2013 وحده، رغم كل الجهود التي فشلت حتى الآن في وقفها أو تجميدها أوحتى تقليصها، ناهيك عن حمى سن القوانين الاسرائيلية ذات الطابع العنصري المتطرف، المانعة لأي سلام متوازن مقبول، والمبطلة لجدوى التفاوض وحقوق الانسان في كثير من الأحيان.
وعلى الجانب الفلسطيني لمنتصف الحل، شهدنا وما زلنا، كيف تسبب الأداء المعارض الفلسطيني على مر الزمن، في دفع القيادة الفلسطينية في أكثر من منعطف أو على أعتاب مرحلة، لاتخاذ مواقف ورفع شعارات غير التي ينبغي أن تتخذ في اللحظة السياسية آنذاك، كلفتنا الكثير الكثير من الجهد والوقت والدم في بعض الأحيان، لتعيدنا القهقرى لما هو دون السقف المطروح، ذلك أيضاً لأن القيادة كانت تستجيب لطلب الجمهور المعارض أكثر من استجابتها لطلب العقل والمنطق خوفاً وهروباً من مزايدات الآخرين. ولعمري إن انجرار بعض القوى الحاملة للمشروع السياسي الوطني ومشروع السلام وحركة فتح تحديداً، لتتبارى مع حركة حماس المتعارضة مع المشروع أساساً في العمليات العسكرية إبان الانتفاضة، والتي كانت حماس تهدف من ورائها العمل على إفشال مشروع السلطة الوطنية تحديداً، قد شكل تجلياً صارخاً لآنف قولنا، لا بل إن المحزن والأكثر إيلاماً في هذه المفارقة العجيبة هو أن الطرف الإسرائيلي كان المستفيد الأول من هذه المعادلة البائسة.
نعم يا سادتي آن الأوان أن نصحو من كل هذا، وأن نتخذ المواقف والشعارات التي ينبغي أن تتخذ، وأن نقول ما يجب أن يقال، لا أن نتخذ المواقف والشعارات التي تُطرب آذان السامعين وحسب، في حين نظل وحدنا دافعي الثمن والضريبة والخصوم والأعداء وحدهم المستفيدين منها!!
أعتقد أن هذه المرحلة بغض النظر عن طولها أو قصرها وكل تعقيداتها، تستدعي منا تطوير التكتيك وآليات التفاوض السياسي، بإعادة ترتيب أوراقنا وتحالفاتنا وأولوياتنا الوطنية والإقليمية، لتشكل نهضةً وسنداً لنا في خوض معركة التفاوض وتثبيت المصالح وتنسيقها ما بيننا وبين الأشقاء أولاً وفي التفاوض مع الجانب الاسرائيلي كعرب.
ثمة أهمية بالغة يكتسي بها هذا الأمر، ما يستدعي أولاً سعياً وحرصاً فلسطينياً على التفاهم والتشاور وتنسيق المواقف وترتيب الأدوار خصوصاً في القضايا المشتركة ومع الأردن تحديداً، في كثير من المسائل المترابطة والمشتركة، لتنسيق الجهود والتفاهم عليها ثنائياً قبل الغوص في الاتفاق مع الجانب الاسرائيلي، ولو من باب الاستفادة من الوقت الذي يماطلنا به نتنياهو، وهذا أمرٌ بديهي ومشروع، وذلك في حفظ وتأمين مصالحنا ومصالح الأردن والعرب معاً، في إطار القرارات الناظمة لمصالحنا ومصالح الأطراف جميعاً، ولا سيما تلك المتعلقة في الحدود والمياه والأمن ولاقتصاد، وكل ما يتعلق ويرتبط بهذه الملفات وترتيب أولوياتها.
نعم، يجب أن نعكس خصوصية الشراكة التاريخية والترابط المصيري بين بلدين لشعبين، في كل خطواتنا التفاوضية مع الجانب الاسرائيلي، وفي ذلك قوة ومَنَعَة للطرفين في التفاوض مع الطرف الآخر. ليأتي كل هذا في نطاق موحد ضامن لمصالح الأردن وفلسطين في أية حلول مقبلة، وهنا تتجلى جدلية العلاقة بين مصالح البلدين مع المصالح الاسرائيلية، التي ينبغي أن تتوازن لأجل السلام المنشود بيننا وبينهم. ولعلي لا أبالغ إذا قلت، أن جميع الحقائق والمعطيات على امتداد خط التطور المتصاعد تجاه الصراع العربي الاسرائيلي، منذ أواسط القرن الماضي، تؤكد ما ندعو إليه اليوم من ضرورة وملحاحية التنسيق والمواءمة في المواقف والأجندات، من على قاعدة الانتباه إلى أن مصالح الأردن كلاعب وشريك رئيسي في أي حل، بحيث يشكل عنصر قوة لنا وضمانة أساسية لنجاح واستقرار أية صيغة لسلام وتعايش بات ملحاً لفلسطين والعرب والمنطقة عموماً.
وحتى نكون أكثر فاعلية وقدرة على الفعل الجاد والشراكة الجادة في السعي لتحقيق الأهداف والمصالح المشروعة لشعبنا، في أطرها التاريخية ولاستراتيجية والمرحلية، فإن هذا الأمر بات يتطلب ثورة ثقافية وتنظيمية جادة ومسؤولة، داخل حركة فتح أولاً، وإنجاز المهام العاجلة والطارئة الحاسمة، بدءاً من التصالح مع الذات والمتخالفين أو الجانحين وغيرهم، بحرص عاقلٍ ورويَّة وفتحاوية وقانونية، حفاظاً على الوحدة التنظيميَّة، وترتيب البيت الداخلي الفتحاوي في نطاق الوطنية الفلسطينيَّة والبيت الفلسطيني الأكبر.
وبصرف النظر عن كل ما جرى ويجري، فإن حقيقة فاقعة باتت تظهر للعيان والآذان، وهي تتمثل في مقاربةٍ حاضرة ما بين النهج السياسي الفلسطيني في إدارة الصراع الذي كان يرفض أية عروض لا تعطينا كامل فلسطين من النهر الى البحر وخلاف ذلك خيانة، حيث ظل بعضنا لسنين طويلة، يتمسك بالسقف الأعلى الذي يلقي بإسرائيل في البحر، وهو ما أوصلنا لما وصلنا إليه، في ظل النهج الاسرائيلي الذي استثمر آنذاك في قرار التقسيم عام 1947 وأقام دولته، مع أن في ذلك كان من منظورهم، خروجاً خيانياً عن النصوص الصهيونية التي كانت تعتبر حدود دولة إسرائيل من النيل الى الفرات، في مواجه الموقف الفلسطيني في تلك اللحظة القاضي بحدود فلسطين التاريخية من النهر الى البحر، واليوم نرى على ما يبدو تبادلا في المواقع والمنطلقات، حيث تمتشق اسرائيل سيف التطرف والعدمية حيث تريد أخذ كل شيء ولا تتنازل عن أي شيء للفلسطينيين، ضاربةً عرض الحائط بحقوقنا وبكل قرارات الشرعية الدولية، في الوقت الذي أصبحنا نقر ونعترف بتلك القرارات الدولية بكل ما لنا وما علينا فيها، فوصلنا لما وصلنا اليه ولكن بعد فوات الأوان كما في كل مرة.
نعم يا سادتي، ها نحن نرى اليوم الأحزاب والقوى اليمينية المتطرفة في اسرائيل، تمعن في استغلال التجاذبات السياسية فيما بينها، من على قاعدة قانون وحدة وصراع الأضداد في وجهنا، ليذهبوا بعيداً في استصدار وإقرار قوانين عنصرية فائحة ومتطرفة عمياء، ضد الفلسطينيين والعرب في إسرائيل وفلسطين المحتلة، وبذلك وضعوا كامل مكونات الدولة العبرية وديمقراطيتها في الميزان المكسور في صالح التطرف وتقويض السلام وأية آمال في التعايش البناء. لنتحلَّ بالجرأة المسؤولة ونشرع بشكل عاجل في إعادة لياقة وبناء الذات الفتحاوية والخطاب والتكتيك التفاوضي بمختلف أدواته وآلياته وتحالفاته، كشرط أساس للنهوض والخروج من عنق الزجاجة في الظروف الراهنة، وذلك أضعف الإيمان، وهو من عَزم الأمور.
أخيراً دعوني أقول بملء فيَّ: فما أشبه اليوم بالبارحة، ورحم الله امرءا عرف قدر نفسَه فوقف عنده، وبالتالي، فإني لا أعتقد بقطع الحبل مع المفاوضات ولا بقول " لا" الماحقة والمُهلكة، في اللقاء المقبل لأوباما مع الرئيس أبو مازن، تحت أي ظرف كان.

[email protected]

التعليقات