هي حروبٌ بارِدَة ولكن تَسخُنُ أحياناً

هي حروبٌ بارِدَة ولكن تَسخُنُ أحياناً
بقلم: آصف قزموز
يعتقد المؤرخون أن الحرب الباردة قد دخلت حيز التنفيذ ما بين المعسكرين الوليدين، مع أفول نجمي كل من بريطانيا وفرنسا كقوتين عظميين وهزيمة ألمانيا بُعَيد دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية، وذلك عندما قصف اليابانيون بطائراتهم ميناء بيرل هاربر الأميركي. وكما هو معلوم اتخذت الحرب الباردة أشكالاً وتجليات عِدَّة في الصراع على النفوذ ما بين القطبين الشرقي بزعامة الاتحاد السوفييتي، والغربي بزعامة الولايات المتحدة، سواء لجهة الاستيلاء على الثروات والموارد ولاستقواء بها، أم لجهة السيطرة والنفوذ على بلدان أخرى وضمها لجانبها كل من موقعه ونفوذه. لكن ما من أحد يستطيع أن ينفي معادلة المصالح التي تجلت في هذا الصراع البارد ما بين القطبين، بوسائله المشهودة اقتصادياًّ وعسكرياًّ. ولهذا تتخذ الوسائل الاقتصادية في الحرب حيزاً أشمل وأكبر من الوسائل العسكرية التي سيطرت على الميدان في الماضي.
في ضوء ما يجري هذه الأيام من صراعات تنافسية بين أقطاب ودول وأجندات متخالفة، على مستويي المنطقة والعالم، باتت تشكل خريطة فسيفسائية عاكسة للاصطفافات الحزبية والفصائلية على مستوى البلد الواحد، والثنائية والجمعية ما بين الأقطاب أو الدول، تأخذ في جلها شكل الحرب الباردة وإن في بعضها كانت حروباً أكثر سخونة. إنها تحالفات وأجندات المصالح الساعية للهيمنة والنفوذ على السلطات والنظم وعلى الموارد والثروات التي تشكل سبباً وجيهاً حاسماً من أسباب والقوة.
نعم إنها إعادة إنتاج للحرب الباردة، ولكن بحلتها الجديدة التي تتناسب مع تطورات العصر والحروب، التكنولوجية منها والتقليدية كذلك. ليس هذا وحسب، لا بل إنها حرب عالمية ثالثة باردة تسخن أحياناً قد اندلعت منذ سنين، ومجريات أمورها تنساب أمامنا بهدوءٍ حذرٍ يشتد أحياناً لكنه يظل في الغالب على البارد، برغم النتائج المذهلة التي تتحقق سلباً وإيجاباً بناءً وتخريباً وإعادة صياغةٍ، وبناء لزوم ومستلزمات الحداثة ولاصطفافات الجديدة. ولعمري إن هذه الحرب الجارية بكل برودتها، قد أحدثت وأنتجت ما لم تحدثه أو تنتجه الحروب الكلاسيكية والتقليدية في القرن المنصرم، سواءً لجهة الكُلَف والضحايا، أم لجهة التغيير وإعادة الصياغة الشاملة للمجتمعات والدول المستهدفة من قبل مراكز النفوذ الكبرى أو ذات الاستهداف المتبادل، كالذي تجلى في إزاحة العراق القديم وليبيا وسورية، ولا يبعد الحال كثيراً عن سمات ما نحن فيه في فلسطين، التي ما زالت تقع فعلياً تحت نير الاحتلال الاسرائيلي. ومن هنا كذلك نرى في الفترة الأخيرة بعض المراقبين والمتتبعين لما يجري من تجليات للصراع على السلطة في أوكرانيا، تجلياً واضحا لعودة اندلاع الحرب الباردة التي شهدها القرن الماضي من جديد.
إذن معظم الحروب الدائرة اليوم بين بلدان، أو الدائرة منها في البلد الواحد، ما هي في الحقيقة سوى حروب باردة بعضها على نارٍ هادئة لكنها تسير لترسو في مستقرها المرسوم، وأخرى تشتد سخونتها أحياناً في إطار ونطاق الباردة وتسير هي الأخرى لترسو في ذات المستقرات المرسومة والمحملة إحداثياتها على الخارطة الأكبر للعالم البارد الجديد.
ثمة استقطابات وتحوصلات وتفاعلات متصارعة، هي من مكونات ما يمكن أن نسميه بالحرب الباردة. ففي الساحة الفلسطينية ونحن نشهد التفاعلات التنظيمية والفصائلية التي تصب في استقطابات على مستوى الحزب الواحد أو الفصيل، وتصب في النهاية لصالح الاصطفافات الأوسع والأكبر عبر أجندات ضيقة، لكنها تعيش لأجل ما هو أكبر من الأجندات وفي رحمها. ولا أدل على ذلك من تجربة حركة حماس التي فرضت أمراً واقعاً على الأرض، وباتت تخوض صراعها مع الخصوم الذين بدأ يروق لبعضهم فكرة القسمة والقبول الساعي لاهثاً لحسن الجوار. اللهم لا حَسَد وربنا يهني سْعِيدْ بِسعِيدِه، لكن هنا أفرق وأميز ما بين تصالح الشعب الفلسطيني ووحدته الشاملة، وتصالح المصالح ما بين قطبي الحرب الباردة وهما الفصيلين الرئيسين.
وعلى الجبهة الاسرائيلية تدور عملياً رحى حرب باردة أخرى، بفتح الهَمزة وضمها، لها تجليات ومستويات مختلفة، ولا سيما في الحلبة السياسية، التي اعتادت وعودتنا أن تشتعل بين الأطراف والأحزاب، لتصل ذروتها وما صنع الحداد أحياناً، لكنها سرعان ما تهدأ الخيول وتعود لِمَداوِدِها، ولا تتحد إلاَّ في صراعها الحامي والبارد ضدنا، وتلك هي المفارقة العجيبة التي اتسمت بها الجبهة الاسرائيلية على مر الزمن من عُمر الصراع، وتميزت بها عن جبهتنا الفلسطينية. كما أن الحرب الباردة ما بين واشنطن وتل أبيب هي الأخرى تشتعل أحياناً وتخبو حيناً آخر، ما يمكن أن يعيد الى الذاكرة، تلك الأجواء التي سادت بين الطرفين عندما حاول الرئيس الأميركي السابق بيل كينتون أن يأخذ موقفاً متوازناً ضاغطاً على نتنياهو لتوقيع اتفاق الخليل، ليعربد الأخير مفصحاً بالقول ومهدداً بما معناه "إن على الرئيس الأميركي أن يعرف أننا نستطيع إشعال البيت الأبيض من حوله" وكان ما كان فعلاً، عبر فضيحة مونيكا ليوينسكي التى هزت عرش كلينتون في البيت الأبيض.
نعم، ها هي حكومة نتنياهو، تخوض مع الفلسطينيين حرباً ضروساً استيطانية عنصرية أحياناً كثيرة، وهي تضع مستوطنات غور الأردن والخليل على قائمة البلدات التي ستمنح تسهيلات وفوائد ضريبية، والتي اشتملت على 400 تجمع سكاني واستيطاني، تحت شعار ما أسموه دعم صمود هذه المناطق، ولا سيما تلك المحاذية للمناطق الحدودية مع سورية ولبنان وقطاع غزة، بالإضافة لغور الأردن وجبل الخليل، يأتي ذلك أيضاً مع تصريحات لنتنياهو نفى فيها وجود أي طلب أميركي جديد يلزم اسرائيل بتجميد الاستيطان.
وفي جميع الأحوال، وبالرغم من قناعتي بأن أي حل سياسي بيننا وبين الاسرائيليين لن يكون إلاَّ نتاجاً لتوازن مخرجات وارتدادات هذه الحروب الباردة والساخنة الدائرة، إلاَّ أنه بات اليوم لزاماً وأكثر من أي وقت مضى، أن على حركة فتح من موقعها وصفتها، كحامل حاسم للمشروع السياسي الوطني ورافعة أساسية للسلطة والمنظمة في آنٍ معاً، مهمة عاجلة غير قابلة للتأجيل، وهي أن تنهض بذاتها وأوضاعها الداخلية لتعيد بناء وتعزيز هذه الذات، كإطار حركي واسع وأكثر شمولية من غيره لعموم الشعب الفلسطيني، واستعادة أخذ زمام المبادرة الحافظة للبوصلة الفلسطينية عن ظهر قلب، بعيداً عن من يريدون التعامل مع القضية الوطنية بقرةً حلوب، أو كعكة يقتسمها المتقاسمون فيما بينهم وحتى مع خصوم الأمس المنقسمين. فبخراب "فتح" خراب للمشروع وفي إصلاحها صَلاح المشروع ونهوضه حتى من تحت الركام نظراً لحالة التمازج التاريخي وجدلية العلاقة الرابطة ما بين المشروع والحركة، الأمر الذي يتطلب حسماً سريعاً وعاجلاً للانقسامات أو التشظيات المعلنة منها والمستترة بغض النظر عن كونها فردية أو جمعية عمودية أم أفقية، من على قاعدة الإصلاح الجاد والمسؤول للنهوض والاضطلاع بالمسؤوليات الحركية أولاً باعتبارها شرطاً ضرورياً للثانية، ولكن ذلك يجب أن يجري في إطار وجلباب النهوض بالمسؤولية والالتزام الوطني العام والأشمل، وبالتالي عقد المؤتمر السابع لهذه الحركة كمهمة عاجلة، على أسس وتوجهات سياسية وتنظيمية واضحة، بحيث يشكل عقد المؤتمر خطوة نهضوية تطويرية تؤسس النواة الصلبة للحل السياسي المرجح، وتتناسب مع احتياجات نجاحه وقابليته للحياة، لا بل والأداة الحاسمة لجل القضايا والخلافات التنظيمية والسياسية القائمة.
يا جماعة اتقوا الله، المرحلة لم تعد تحتمل أية إرهاصات أو أخطاء في الأداء السياسي، ولا حل لقضيتنا إلاَّ بتحقيق سلام متوازن يحفظ الحقوق المشروعة لجميع الأطراف في إطار سلام شامل في المنطقة، وقد يكون صحيحاً ما قاله رئيس الأركان الاسرائيلي بيني غانتس أن الوضع الحالي في الضفة الفلسطينية "تحت السيطرة الكاملة". لكن كل هذا لن يفيد الأمن الاسرائيلي من دون التوصل لحل سياسي جذري مرض للفلسطينيين ومتوافق عليه، وخلافه لن يتعدى أو يتجاوز أمر هذه السيطرة، بقاء واستمرار حالة ما يشبه الحرب الباردة غير المتكافئة طبعاً ودوام الجمر الملتهب الكامن تحت الرماد، الذي يمكن أن تشعله نسمة ريح قد تكون عابرة عمداً أو صُدفَة، وفي ذلك سيكون خراباً سريعاً لما نبذله ونراكمه ونتطلع اليه في الفعل السياسي، وبالتالي لا أظن أن ما ينشده الشعب الاسرائيلي في نهاية المطاف الذي طال، أمناً هشاًّ واستقراراً مهدداً على كف عفريت. نعم لا بد من سلام عاقل عادل ومتوازن، يحفظ الحقوق المشروعَة، ويُخرس أصحاب العقول المصروعَة، في أتون كل ما يجري على الجانبين في أرضنا. لأن سلاماً يُدحَشُ في أنف الشعب الفلسطيني ويفرض بالقهر والقوة والاستبداد، لا يمكن أن يدوم، وسرعان ما ينهار وينتهي بزوال أو ضعف أسباب ومسببات وجوده، حتى وإن استمرَّ الصراع بشكل حروبٍ باردة أو ساخنَةْ، وإرهاب المتطرفين السابحين في المياه الآسِنَةْ.
[email protected]

التعليقات